بوركينا فاسو بعد مالي والنيجر: نُخب أفريقيا الجديدة تلفظ النفوذ الفرنسي

بوركينا فاسو بعد مالي والنيجر: نُخب أفريقيا الجديدة تلفظ النفوذ الفرنسي
بعد مالي والنيجر، انضمّت بوركينا فاسو إلى مسار القطيعة مع باريس، مجددةً اتهامها بدعم الإرهاب. ولربما يؤشّر تتالي هذه الخطوات إلى تحوّل جذري آخذ في التبلور، عنوانه إعلاء بلدان القارّة مصالحها الوطنية، على حساب مصالح القوى الاستعمارية السابقة وسياسياتها.
تواجه فرنسا انتكاسة جديدة لنفوذها في القارة الأفريقية، وذلك بعد أقلّ من شهرَين على قمّة فرنسا – أفريقيا التي عُقدت في نيروبي يومَي 11 و12 أيار الماضي، ورافقها زخم إعلامي كبير، وتعهّدات فرنسية باستثمارات تقارب 30 مليار دولار في قطاعات مختلفة داخل القارة. وتأتي هذه الانتكاسة عقب إعلان بوركينا فاسو، في 26 حزيران الماضي، قطع علاقاتها الدبلوماسية بباريس، وتجديدها اتّهام الأخيرة بدعم الإرهاب والعنف في الإقليم، وهي اتّهامات سبق أن وجّهتها مالي إلى فرنسا قبل سنوات، وقدّمت بشأنها إلى الأمم المتحدة ومنظّمات دولية حزمة من المستندات الداعمة لها. ووصفت الخارجية الفرنسية قرار واغادوغو بأنه «عدائي» و«لا يستند إلى أساس سليم»، نافيةً الاتهامات البوركينية لها بدعم «شبكات التخريب والإرهاب» – في إشارة إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» -، ومعلِنةً أنها تدرس اتّخاذ «إجراءات عقابية» بحقّ بوركينا فاسو.
وإذ يأتي القرار بعد أسبوع واحد فقط من احتجاج واغادوغو على تدخّل «الاتحاد الأوروبي» في شؤونها الداخلية، واتّهامها إيّاه بالاصطفاف خلف المواقف الفرنسية تجاهها، فهو يعزّز الانطباع بأن القطيعة قد تطاول مجمل العلاقة مع القوى الغربية، ولا سيّما في ظلّ الشكوك في جدّية التعهدات الأوروبية والأميركية الأخيرة بمساعدة دول غرب أفريقيا في مواجهة تحدّياتها. كما يفتح القرار الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة فرنسا وحلفائها على استعادة نفوذهم في منطقة الساحل، ولا سيما إذا ما دفعت هذه الخطوة دولاً أفريقية أخرى إلى انتهاج مسار مماثل. وفي هذا السياق، حذّرت وسائل إعلام فرنسية من أن تؤدّي القطيعة مع بوركينا فاسو إلى تعميق المشاعر المعادية لفرنسا في «بعض مستعمراتها السابقة، مع تحوّل القارة الأفريقية إلى ساحة معركة دبلوماسية متجدّدة في مواجهة نموّ النفوذَين الروسي والصيني». وفي المقابل، رأت وسائل إعلام أفريقية أن من شأن الفشل الدبلوماسي الفرنسي مضاعفة الدعم الشعبي للحكومة العسكرية في بوركينا فاسو، بقيادة النقيب إبراهيم تراوري، وهو ما قد ينسحب، بحسبها، على حالات أخرى في الإقليم، معتبرةً أن هذا الفشل يستحق «انتباهاً أكبر» من فرنسا إلى ضرورة تغيير سياساتها في غرب أفريقيا، وتفادي مزيد من الخسائر والانتكاسات في القارّة.
تَنظر دول أفريقية كثيرة إلى اتهامات واغادوغو لباريس بجدّية بالغة
فرنسا ودعم الإرهاب: لعبة مزدوجة
تعود بداية مسلسل التصعيد بين بوركينا فاسو وفرنسا إلى انقلاب أيلول 2022 في الأولى، الذي أعقبه استدعاء السفير الفرنسي في عام 2023، ومن ثمّ طرد واغادوغو عدداً من الدبلوماسيين الفرنسيين في العام التالي. إلّا أن جذور هذا التصعيد تمتدّ إلى الدور الذي اضطلعت به فرنسا في عمليات «مكافحة الإرهاب» في إقليم الساحل، ولا سيما منذ عام 2012، في ظلّ تعميقها صلاتها بحكومات الإقليم (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) التي كانت تدين آنذاك بالولاء الكامل لها، وتُعدّ بمثابة وكيل عنها في الشؤون الدولية والإقليمية كافة تقريباً. ومنذ إطلاقها عملية «سرفال» في مالي عام 2013، ثمّ توسيعها إيّاها عبر عملية «برخان»، حشدت فرنسا لمهمّتها في الساحل – حتى بدء خروج قواتها من الإقليم بعد عام 2022 – دعماً مالياً كبيراً، ولا سيما من بعض دول الخليج. غير أن ذلك الدور بات، حتى قبل اندلاع موجة الانقلابات العسكرية في الساحل في عامَيْ 2022 و2023، موضع تشكيك متزايد، خصوصاً مع تتالي المؤشّرات إلى ضلوع فرنسا في سياسات أمنية تنتهك سيادة تلك الدول، ومن بينها بوركينا فاسو. وعلى سبيل المثال، لوحظ أنه رغم امتلاك باريس واحداً من أقوى الجيوش في العالم وأكثرها دراية بالبيئات الأفريقية، فإن سجلّ القوات الفرنسية في مواجهة الإرهاب في فترة 2012-2022، بدا آخذاً في التراجع بشكل مذهل، في وقت سُجّل فيه تضاعُف مخيف في حجم الأنشطة الإرهابية، وما يتّصل بها من أنشطة جماعات العنف والجريمة المُنظّمة. وإلى الآن لا تزال مناطق واسعة من بوركينا فاسو ترزح تحت تهديد جماعات متطرّفة مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فيما تُواصِل كلّ من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«داعش» استغلال حالة الرخاوة على الحدود مع مالي والنيجر وسهولة الحركة فيها لتعزيز نشاطها، وهو ما أدّى إلى اتساع رقعة الصراع الإقليمي في منطقة الساحل، فضلاً عن إلحاق أضرار بقطاعات شتّى، أبرزها الزراعة.
في خلفية ذلك، يتحدّث مراقبون عسكريون انخرطوا في العمليات الفرنسية في الساحل، عن حرص فرنسا على نشر قواتها وتحرّكها منفردة في بعض المناطق داخل بوركينا فاسو ومالي والنيجر، والحيلولة دون دخول القوات الوطنية إليها لسنوات عديدة، وهو ما خلق ثغرات أمنية خطيرة، ربما تُعزِّز ما ذهبت إليه واغادودغو وباماكو ونيامي من تورّط باريس في أنشطة دعم الإرهاب. كما أن ممّا دعم الاتهامات المُشار إليها، دخول أوكرانيا على خطّ أزمات الإقليم في الشهر نفسه الذي افتتحت فيه سفارتها في السنغال؛ إذ فاخر مسؤولون أوكرانيون بتقديم معلومات ودعم لمتمرّدي «الطوارق» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» لشنّ الهجوم الإرهابي المشترك الذي استهدف القوات المالية في شمال مالي في 24 تموز. كما أشارت التقارير إلى احتمال ضلوع شركات فرنسية نشطة في بوركينا فاسو وبقية دول الساحل في انتهاكات تتعلّق بالتعاون أو التنسيق مع جماعات إرهابية، على غرار القضية التي أُدينت فيها شركة «لافارج» الفرنسية بسبب دعمها منظمات متطرّفة في سوريا (ولا سيما «جبهة النصرة» و«تنظيم داعش») قبل سنوات. كذلك، رصدت تقارير محلية في غرب أفريقيا، منذ نهاية نيسان الماضي، صِلة لفرنسا بكلٍّ من «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، واصفةً هذه الصلة بأنها تعبير عن «حرب فرنسا الهجينة» ضدّ القارة، في ظلّ تمدّد شبكة الجماعات الإرهابية الفاعلة فيها من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي.
وعلى خلفية المؤشرات الآنفة وغيرها، تَنظر دول أفريقية كثيرة إلى اتهامات واغادوغو لباريس بجدّية بالغة، في وقت تنتشر فيه مخاوف لدى كثير من هذه الدول من تكرار فرنسا سياساتها المزدوجة تلك، على نحو قد يؤدّي إلى تفاقم الإرهاب وتداعياته في غرب أفريقيا ووسطها. وكانت سبقت واغادوغو إلى خطوتها الأخيرة باماكو ونيامي، التي شهدت، في 18 حزيران الماضي، هجوماً كبيراً شنّته جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» على مطار نيامي وإحدى القواعد العسكرية الجوية القريبة منه، وأسفر عن مقتل أكثر من عشرة جنود نظاميين. ولربما يؤشّر تتالي الخطوات الأفريقية المضادّة لفرنسا، إلى تحوّل جذري آخذ في التبلور، عنوانه إعلاء النخب الجديدة في بعض بلدان القارّة مصالحها الوطنية، على حساب مصالح القوى الاستعمارية السابقة وسياساتها.
الاخبار اللبنانية





