بين الجينات والسياسة: قراءة قانونية–استراتيجية في سجال نتنياهو وتاكر كارلسون

بين الجينات والسياسة: قراءة قانونية–استراتيجية في سجال نتنياهو وتاكر كارلسون
بقلم: رئيس التحرير
أثار السجال العلني بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون حول فكرة إخضاع اليهود أو نتنياهو شخصيًا لفحوصات الحمض النووي لإثبات “الجذور في فلسطين” نقاشًا يتجاوز الإطار العلمي إلى أبعاد سياسية وقانونية واستراتيجية شديدة الحساسية.
فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق بعلم الوراثة، بل بسؤال الشرعية والهوية ومحددات الانتماء في نزاع تاريخي ما زال مفتوحًا على احتمالات متعددة.
خلفية الطرح وأبعاده السياسية ، دعوة كارلسون، سواء قُدمت في سياق جدلي أو نقدي، تندرج ضمن خطاب الهوية المتصاعد في الغرب، حيث تُعاد مناقشة مفاهيم الأصل العرقي والامتداد التاريخي في سياقات سياسية متشابكة. إدخال الحالة الإسرائيلية في هذا النقاش يحمل دلالتين أساسيتين:
إعادة مساءلة السردية التاريخية الصهيونية التي قامت، منذ تنظيرات تيودور هرتزل، على مفهوم “العودة إلى أرض الآباء” ضمن إطار قومي حديث، لا على إثبات بيولوجي صرف.
عكس تحولات في بعض أوساط اليمين الأمريكي التي باتت تعيد تقييم طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب من منظور قومي–شعبوي.
إلا أن تحويل الصراع إلى مسألة جينية ينطوي على تبسيط مخلّ لنزاع تاريخي–سياسي معقد، تحكمه قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وليس نتائج مختبرات التحليل الوراثي.
لماذا رفض نتنياهو الفكرة؟ حيث جاء رفض نتنياهو حاسمًا، واعتبر أن الدعوة إلى فحوصات الحمض النووي “خطيرة ويجب التصدي لها”. ويمكن قراءة هذا الموقف في ضوء اعتبارات متعددة:
في البعد القانوني ، قيام دولة إسرائيل استند إلى قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، وليس إلى معيار بيولوجي. أي اعتماد لمعيار “الجذر الجيني” يفتح بابًا لإعادة تعريف من هو اليهودي، وماهية قانون العودة، وما إذا كان الانتماء دينيًا أم عرقيًا أم قوميًّا.
في البعد الدستوري–الهوياتي ، فان المجتمع اليهودي في إسرائيل يتكوّن من جماعات إثنية متعددة (أشكناز، سفارديم، مزراحيم، يهود إثيوبيا وغيرهم). اعتماد معيار جيني صارم قد يثير إشكاليات داخلية تتعلق بالمواطنة والحقوق المدنية.
أما البعد الاستراتيجي يعني إضفاء طابع بيولوجي على الصراع قد يفتح الباب أمام أطروحات مضادة، خاصة في ظل دراسات تشير إلى تداخل سكاني تاريخي عميق في منطقة بلاد الشام. هذا المسار قد يربك الخطاب السياسي الإسرائيلي في المحافل الدولية، ويحوّل النزاع من مسألة حقوق قومية إلى جدل إثني–عرقي محفوف بالمخاطر.
ويشكل الإطار الدولي للنزاع ، من منظور القانون الدولي، لا تُبنى الشرعية على الانتماء العرقي، بل على:
مبدأ تقرير المصير. ، قرارات الشرعية الدولية. ، قواعد القانون الدولي الإنساني.
وعليه، فإن أي محاولة لاختزال الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي في معادلة جينية تتجاهل جوهر القضية بوصفها نزاعًا على الأرض والحقوق والسيادة، لا على السلالات البيولوجية.
تشكل الانعكاسات المحتملة ، إحراج سياسي دولي: إعادة إنتاج خطاب “النقاء العرقي” يتعارض مع القيم التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
تعميق الانقسام الداخلي الإسرائيلي: بين تيارات دينية–قومية وأخرى مدنية–ليبرالية. وأن إعادة طرح سؤال الهوية الفلسطينية: في سياق قد يُستثمر سياسيًا، ما يعقّد مسار أي تسوية مستقبلية.
وخلاصة القول فان الجدل الدائر بين نتنياهو وكارلسون يعكس تحولات أوسع في خطاب الهوية والسياسة في الغرب، لكنه في السياق الشرق أوسطي يظل سجالًا رمزيًا أكثر منه مسارًا عمليًا. فالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لا يُحسم بفحوصات الحمض النووي، بل عبر مسار سياسي–قانوني يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويعالج جذور النزاع المتمثلة في الاحتلال، والحقوق الوطنية، وضمان الأمن والاستقرار
إن تحويل القضية إلى مختبرات الجينات لا يخدم الاستقرار ولا يقرّب من السلام، بل قد يفتح الباب أمام مقاربات إقصائية تتناقض مع مبادئ العدالة والقانون الدولي، وهو ما يفسر الرفض الإسرائيلي الرسمي للفكرة، مهما كانت خلفياتها السياسية أو الإعلامية.
ويبقى الرهان، في نهاية المطاف، على مقاربة سياسية واقعية، تحترم القانون الدولي، وتُعلي من شأن الحلول العادلة والدائمة، بعيدًا عن منطق السجالات الشعبوية أو المعايير البيولوجية التي لا تصلح أساسًا لفض النزاعات بين الشعوب.



