بين حسابات ترامب ومشاريع نتنياهو: هل أصبحت القضية الفلسطينية رهينة للسياسة الداخلية الإسرائيلية؟

بين حسابات ترامب ومشاريع نتنياهو: هل أصبحت القضية الفلسطينية رهينة للسياسة الداخلية الإسرائيلية؟
بقلم رئيس التحرير
تدخل القضية الفلسطينية اليوم مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، تتداخل فيها حسابات الحرب والسياسة مع مشاريع إعادة رسم الخرائط الجغرافية والديموغرافية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى واشنطن لرصد مواقف الإدارة الأمريكية وتحولات سياساتها، تبدو الوقائع الميدانية أكثر ارتباطاً بما يجري داخل إسرائيل نفسها، حيث أصبحت الاعتبارات الحزبية والائتلافية والصراعات الداخلية عاملاً مؤثراً في صياغة السياسات تجاه الفلسطينيين.
فالحرب المستمرة على قطاع غزة، والتصعيد المتواصل في الضفة الغربية والقدس، والتوسع الاستيطاني المتسارع، كلها مؤشرات تدفع إلى التساؤل حول ما إذا كانت القضية الفلسطينية قد تحولت من ملف سياسي قابل للتفاوض إلى قضية تخضع بالدرجة الأولى لحسابات السياسة الداخلية الإسرائيلية.
منذ سنوات، سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى لعب دور الوسيط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن الأحداث الأخيرة كشفت حدود القدرة الأمريكية على التأثير في القرارات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل صعود التيارات القومية والدينية المتشددة داخل إسرائيل. وبينما تتحدث واشنطن عن ترتيبات إقليمية جديدة وتوسيع دوائر التطبيع والتفاهمات الإقليمية، تواصل الحكومة الإسرائيلية فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال الاستيطان ومصادرة الأراضي وتعزيز السيطرة الأمنية والعسكرية.
ولا يمكن فصل هذه السياسات عن الأزمة السياسية التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه تحديات داخلية معقدة تتعلق بمستقبله السياسي وبمستقبل ائتلافه الحاكم. فكلما ازدادت الضغوط الداخلية، برزت الحاجة إلى سياسات تضمن تماسك الائتلاف اليميني، حتى وإن كان ذلك على حساب فرص التسوية السياسية أو متطلبات الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الإسرائيلية الأخيرة في الضفة الغربية أهمية خاصة، إذ تشير إلى توجه يتجاوز إدارة الاحتلال إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني بصورة قد تترك آثاراً طويلة الأمد على مستقبل القضية الفلسطينية. فإقامة البنى التحتية العسكرية وتوسيع النشاط الاستيطاني وتغيير معالم الأرض لا تمثل إجراءات مؤقتة مرتبطة بظروف أمنية طارئة فحسب، بل تعكس رؤية سياسية تسعى إلى تكريس وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
أما على الصعيد الدولي، فإن استمرار هذه الإجراءات يطرح تحدياً حقيقياً أمام منظومة القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي أكدت مراراً عدم مشروعية الاستيطان ورفض أي تغيير أحادي في وضع الأراضي المحتلة. كما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار يتعلق بقدرته على ترجمة مواقفه المعلنة إلى خطوات عملية تضمن حماية فرص السلام والحفاظ على حل الدولتين باعتباره الإطار الأكثر قبولاً دولياً لتسوية الصراع.
إن التطورات الجارية تؤكد أن مستقبل القضية الفلسطينية لن يتحدد فقط في العواصم الكبرى أو على طاولات المفاوضات، بل يتأثر بصورة متزايدة بالتحولات الداخلية في إسرائيل نفسها. ومن هنا تبرز أهمية قراءة المشهد الإسرائيلي بعمق، وفهم طبيعة القوى المؤثرة فيه، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لاستشراف مستقبل الصراع وتحديد الخيارات السياسية والقانونية والدبلوماسية المطلوبة.
القضية الفلسطينية تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. وما يجري على الأرض قد لا يكون مجرد تداعيات لحرب أو أزمة عابرة، بل مؤشرات على مرحلة جديدة تتشكل ملامحها تدريجياً. وبين حسابات القوى الدولية ومشاريع اليمين الإسرائيلي، يبقى السؤال الأهم: هل يتمكن المجتمع الدولي من حماية فرص السلام والعدالة، أم أن الوقائع المفروضة على الأرض ستسبق السياسة وتعيد رسم مستقبل المنطقة لعقود قادمة؟




