بين ضرورات الديمقراطية واستحقاقات الأمن الوطني: لماذا يبدو تأجيل الانتخابات المحلية خيارًا واقعيًا؟

بين ضرورات الديمقراطية واستحقاقات الأمن الوطني: لماذا يبدو تأجيل الانتخابات المحلية خيارًا واقعيًا؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، والتصعيد العسكري متعدد الجبهات، تجد القضية الفلسطينية نفسها أمام مرحلة دقيقة تتجاوز الحسابات اليومية إلى أسئلة المصير. فالحرب الدائرة في الإقليم، وما يرتبط بها من اشتباك إسرائيلي – إيراني، وانخراط أمريكي مباشر، وتوتر مفتوح على الساحة اللبنانية، لا يمكن فصلها عن السياسات الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية، ولا عن مشروع إعادة تشكيل الوقائع الجغرافية والديموغرافية على الأرض الفلسطينية.
في هذا السياق، يطفو على السطح ملف انتخابات المجالس البلدية والقروية المقرر إجراؤها في السادس والعشرين من الشهر المقبل، وسط تساؤلات مشروعة حول مدى ملاءمة التوقيت، في ظل بيئة أمنية وسياسية غير مستقرة.
الاستحقاق الدستوري… والظرف الاستثنائي
لا خلاف على أن الانتخابات المحلية تمثل استحقاقًا دستوريًا وقانونيًا، كفله القانون الأساسي الفلسطيني، وهي ركيزة من ركائز العمل الديمقراطي والإدارة الرشيدة. غير أن التجارب المقارنة، والفقه الدستوري، يقرّان بمبدأ “الظرف الاستثنائي” الذي يجيز تأجيل بعض الإجراءات عندما تكون المصلحة العليا للدولة والمجتمع في موضع تهديد مباشر.
المرحلة الراهنة لا يمكن توصيفها باعتبارها ظرفًا عاديًا. فالتصعيد الميداني في الضفة الغربية، وانتشار القوات الإسرائيلية في عدد من المدن والبلدات، وتسارع وتيرة الاستيطان، كلها مؤشرات على بيئة مضطربة قد لا توفر الحد الأدنى من شروط العملية الانتخابية السليمة، سواء من حيث حرية الحركة أو تكافؤ الفرص أو الاستقرار الأمني.
البعد الإقليمي وتداعياته الداخلية
الحرب الإقليمية لا تُخاض بمعزل عن الساحة الفلسطينية. فالحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة تنظر إلى اللحظة الراهنة بوصفها فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي وتعدد بؤر التوتر. وفي ظل هذا المناخ، فإن أي استحقاق داخلي فلسطيني قد يكون عرضة للتوظيف السياسي أو الأمني، سواء عبر التضييق الميداني أو عبر استثمار نتائجه في خطاب إسرائيلي يروّج لوقائع انفصال أو فراغ سياسي.
من هنا، يبرز التخوف من أن إجراء الانتخابات في الضفة الغربية فقط، في ظل استمرار الانفصال الجغرافي والسياسي مع قطاع غزة، قد يُكرّس واقع الفصل بدل أن يسهم في تجاوزه، وهو ما يتناقض مع الرؤية الفلسطينية القائمة على وحدة الأرض والشعب.
وحدة الجغرافيا الفلسطينية أولوية
لطالما أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مواقفه المختلفة على ضرورة الحفاظ على وحدة جناحي الوطن، الضفة الغربية وقطاع غزة، باعتبارها أساس أي مشروع سياسي مستقبلي.
اليوم، ومع استمرار الحصار على غزة وفي ظل حرب الإبادة، واستمرار الواقع الجغرافي المنقسم، فإن أي خطوة سياسية داخلية يجب أن تُقرأ في ضوء هدف استراتيجي أعلى: حماية وحدة الكيان السياسي الفلسطيني ومنع تكريس الانقسام كأمر واقع دائم.
الديمقراطية كعملية شاملة لا إجراء شكلي
الديمقراطية ليست مجرد موعد انتخابي، بل منظومة متكاملة تقوم على الاستقرار، وحرية التنظيم، وبيئة قانونية وأمنية تضمن نزاهة المنافسة. وعندما تكون المدن عرضة للإغلاق، والحركة بين المحافظات مقيدة، والاحتكاك الميداني قائمًا، فإن السؤال يصبح مشروعًا حول قدرة العملية الانتخابية على تحقيق أهدافها التنموية والخدمية.
إن تأجيل الانتخابات، بقرار قانوني مسبب ومحدد بزمن، لا يعني إلغاء الحق الديمقراطي، بل تنظيمه في ضوء ظرف قاهر. كما يمكن استثمار فترة التأجيل في تعزيز الحوار الوطني، وتحصين الجبهة الداخلية، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا تتيح إجراء انتخابات شاملة تعكس الإرادة الشعبية في إطار وطني موحد.
بين الواقعية السياسية والمسؤولية الوطنية
لسنا أمام خيار بين الديمقراطية وعدمها، بل أمام معادلة دقيقة بين استحقاق دستوري وضرورات أمن وطني في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. إن تغليب المصلحة العليا، والحفاظ على وحدة الجغرافيا الفلسطينية، ومنع استغلال الاحتلال لأي ثغرة داخلية، قد يجعل من تأجيل الانتخابات المحلية خيارًا واقعيًا ومفهومًا في هذا التوقيت.
القرار في نهاية المطاف قرار سيادي فلسطيني، ينبغي أن يستند إلى تقدير موضوعي للمخاطر والتحديات، وأن يُقرأ في سياق حماية المشروع الوطني، وتعزيز الصمود، وصون وحدة الأرض والشعب إلى أن تتوافر الظروف الملائمة لاستحقاق ديمقراطي شامل وآمن.


