بين طباشير القيد وأحلام الخلاص: مرثية الروح في محراب التعليم بقلم عبدالله المنشاوي
بقلم عبدالله المنشاوي

بين طباشير القيد وأحلام الخلاص: مرثية الروح في محراب التعليم
بقلم عبدالله المنشاوي
في ممرات المدارس، حيث تُصنع العقول وتُصاغ أقدار البلاد، يغدو “التعليم” وطناً يضيق بأهله. ليس الجهد البدني هو ما يكسر الظهور، فالشمس في الحقول أشد وطأة، والمناجم أعمق غورا، لكنه الاحتراق الداخلي حين يجد المبدع نفسه في سباق مع نظام لا يرى في المعلم سوى رقم، ولا في طموحه سوى عبء إضافي.
يدخل الشغوفُ محرابَ التعليم مُحملاً بفيضٍ من الحب، يرغب في غرسِ شتلةٍ تغيّر وجه المجتمع، فإذا بصخرة الواقع الصمّاء تتحطم عليها أحلامه. يجد نفسه في مواجهة مع بيئةٍ تفتقر لدفء التقدير، ونظامٍ يغلق أبواب التطوير، وكأنما كُتب على حامل الرسالة أن يعيش غريباً في مؤسسته.
لماذا يغدو التقاعد “خلاصاً” لا “تكريماً”؟
لأن الموظف هناك لا يترقب مكافأة نهاية الخدمة، بل يترقب لحظة فكّ القيد. التقاعد في نظرهم ليس استراحة محارب، بل هو هروبٌ من المسرح قبل السقوط الأخير، وعزاءٌ مؤجلٌ يصل حين تذبل الروح وتتعب الذاكرة من تكرار خيباتها.
صرخة في وجه التصفية..
وما يزيد الوجع مرارة، هو ما نراه اليوم في “وكالة الغوث” (الأونروا)؛ تلك المؤسسة التي لم تكن يوماً مجرد مبانٍ تعليمية، بل كانت “هوية” و”شاهدة” على حقٍ لا يموت. إن محاولات تصفيتها ليست مجرد أزمة رواتب أو تقاعد، بل هي مؤامرة لتمزيق آخر دفاتر الشطب واغتيال مستقبل جيلٍ كامل من أبناء الشعب الفلسطيني الصامد.
إلى أين نحن ذاهبون؟ حين يصبح حامي الحمى (المعلم) هو الحلقة الأضعف، وحين تتحول المؤسسة الدولية التي وُجدت للإغاثة إلى أداة للضغط السياسي والتضييق.
آن الأوان لانتفاضة وعي تعيد للمعلم هيبته، وللتعليم قدسيته، ليكون القطاع منبتاً للحياة لا مقبرةً للطموح.
مع تحيات المعلم المتقاعد




