مقالات
بين قرار المقاومة الإسلامية الخاطئ وفيض العطاء عند أبطال المقاومة في 21/ 03/ 2026 حسن خليل غريب
حسن خليل غريب

بين قرار المقاومة الإسلامية الخاطئ وفيض العطاء عند أبطال المقاومة
في 21/ 03/ 2026 حسن خليل غريب
حين أعلن السيد حسن نصر الله بعد انتهاء حرب تموز 2006 قوله الشهير: “لو كنت أعلم أن عملية خطف جنديين إسرائيليين كانت ستؤدي إلى جولة العنف التي استمرت 34 يوماً لما قمنا بها قطعاً”، بدا وكأنه يقرّ بخطأ استراتيجي في تقدير حجم الرد الإسرائيلي. هذا الاعتراف فتح الباب أمام جدل واسع: هل كان القرار مغامرة غير محسوبة، أم جزءاً من استراتيجية إقليمية تتجاوز حدود لبنان؟
وأما بعد الثاني من آذار من العام 2026، وبعد إعلان حزب الله بدء إطلاق النار ضد العدو الصهيوني ثأراً لمقتل السيد علي الخامنئي، مرشد الثورة الإسلامية في إيران؛ فقد برزت للعلن مرة أخرى، إشكالية العلاقة بين المصلحة الوطنية والمصلحة الخارجية. وهذا ما يدفعنا إلى توضيح موقفنا مما يجري في الجنوب اللبناني خاصة والساحة اللبنانية عامة.
في جنوب لبنان، حيث تتصاعد المعارك بين جيش الاحتلال الصهيوني والمقاومة الإسلامية، يطلّ المشهد محمّلاً بالتناقضات. وإن قرار تلك القيادة في خوض المواجهة يبدو مشوباً بالالتباس، إذ يتغذّى من حسابات إقليمية مرتبطة بمشروع إيراني، بينما في الميدان يتجلّى فيض العطاء من شباب لبنانيين يهبون أرواحهم دفاعاً عن أرضهم الوطنية.
هؤلاء المقاومون، أبناء القرى والبلدات، يكتبون بدمائهم ملحمة الانتماء إلى لبنان، فيما تُقدَّم تضحياتهم في خطاب القيادة كجزء من معركة تتجاوز حدود الوطن. هنا يتبدّى السؤال: هل تُستثمر البطولات الفردية في مشروع خارجي، أم أنّها تعبير صادق عن إرادة شعبية في حماية الأرض والكرامة؟
بين القرار الذي يثير الالتباس، والعطاء الذي يفيض صدقاً، يقف المتابع شاهداً على ازدواجية تحتاج إلى توضيح. فالمقاتل اللبناني يجب ألاَّ يقاتل من أجل شعارات مستوردة، بل من أجل تراب الوطن، من أجل البيت والأهل والذاكرة. أما القيادة، فمسؤولة أمام التاريخ أن ترفع هذا العطاء إلى مستوى وطني جامع، لا أن تذوبه في حسابات إقليمية غامضة.
وإن قراءة نقدية تاريخية للمقاومة في جنوب لبنان، قد تساعد على تصويب مساراتها التي تسلكها في مرحلة ما بعد طوفان الأقصى:
-المقاومة الوطنية الأولى (السبعينيات): التي انطلقت من الطيبة وكفركلا، كانت تعبيراً عن وعي وطني لبنان ووعي قومي عربي، حيث كان الهدف مواجهة الاحتلال والهيمنة، وربط الجنوب اللبناني بمشروع تحرري عربي أشمل. هذه المقاومة كانت محدودة الإمكانات لكنها صافية الانتماء، تنطلق من الأرض اللبنانية وتستند إلى رؤية قومية.
-المقاومة الوطنية بعد 1982: حين اجتاح الاحتلال الإسرائيلي لبنان، تأسست جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية كإطار جامع يضم يساريين وقوميين وتقدميين. وكانت تشكِّل التعبير الأوضح عن إرادة وطنية جامعة، حيث قاتل المقاومون دفاعاً عن لبنان دون ارتباط عضوي بمشاريع خارجية، بل انطلقوا من فكرة التحرر الوطني.
-المقاومة الإسلامية (منذ 1985): كما أثبتت الأحداث لاحقاً، أنها ارتبطت عضوياً بالمشروع الإيراني من جهة، والمشروع السوري الأسدي من جهة أخرى. إن هذا الارتباط جعلها تفقد البعد الوطني الجامع، رغم أنها حققت إنجازات عسكرية بارزة من أهمها طرد العدو الصهيوني في العام 2000. ولكنها منذ العام 2006، انتقلت من موقع التحرير إلى موقع إدارة صراع إقليمي، حيث استُثمِرت التضحيات اللبنانية في حسابات إيرانية، ما يخلق التباساً بين بطولة المقاوم الفردي وقرار القيادة السياسي.
بين القرار الخاطئ وفيض العطاء
لا يجوز لأحد إنكار فيض العطاء الذي يقدّمه المقاومون اللبنانيون في الميدان فحسب، بل يجب توجيه التحية لهم تقديراً لبطولاتهم. شباب من القرى والبلدات واجهوا آلة الحرب الإسرائيلية ببطولة، دفعوا أرواحهم دفاعاً عن الأرض والكرامة، وكتبوا ملحمة صمود سوف تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية.
هكذا يتبدّى التناقض: قرارات قيادية خاطئة تفضي إلى مقتل وجرح الآلاف من اللبنانيين، وإلى دمار وتهجير واسعين، مقابل تضحيات بطولية صادقة تجسّدها روح المقاومة الوطنية. وبين هذين البعدين، يظل السؤال مفتوحاً: كيف يمكن أن تُصان بطولات المقاومين وتُرفع إلى مستوى وطني جامع، بعيداً عن حسابات إقليمية تجرّ لبنان من فترة لأخرى إلى حروب لا يشارك فيها كل لبناني، كما لا يشارك لبنان في اتخاذ قرارها.




