تأجيل الدخول المدرسي في الجزائر بعد جدل محتدم.. وتساؤلات حول مصير إصلاحات الوزير سعداوي بعد مطالبات بتأجيلها

تأجيل الدخول المدرسي في الجزائر بعد جدل محتدم.. وتساؤلات حول مصير إصلاحات الوزير سعداوي بعد مطالبات بتأجيلها
الجزائر- : بعد جدل صاخب في الأيام الأخيرة، أعلنت الوزارة الأولى في الجزائر، تعديل رزنامة الدخول المدرسي التي أقرتها سابقا وزارة التربية، على أن يلتحق التلاميذ بمقاعد الدراسة يوم الاثنين 21 أيلول/سبتمبر المقبل، بدلا من السادس من الشهر نفسه، في قرار جاء وفق نص البيان عملا بتوجيهات الرئيس عبد المجيد تبون.
وبموجب الرزنامة الجديدة، يلتحق الموظفون الإداريون بمناصبهم يوم الأحد 6 سبتمبر، فيما يلتحق الأساتذة يوم الأحد 13 سبتمبر، على أن يكون الدخول الفعلي للتلاميذ يوم الاثنين 21 سبتمبر 2026. ويضع هذا التعديل حدا، في الوقت الراهن، للجدل الذي رافق موعد الدخول المدرسي منذ إعلان وزارة التربية الوطنية رزنامة الموسم الدراسي الجديد.
واللافت في القرار الجديد أنه لم يصدر هذه المرة عن وزارة التربية الوطنية، الجهة التي أعلنت في البداية عن رزنامة الدخول، وإنما عن مصالح الوزير الأول، مع إسناد القرار إلى تعليمات رئيس الجمهورية. وهذه الصيغة تمنح التعديل بعدا يتجاوز مجرد المراجعة التقنية لموعد الدخول، وتضعه ضمن القرارات المرتبطة بتنظيم الدخول الاجتماعي والموسم الدراسي على مستوى أعلى من القطاع الوصي.
وكان السادس من سبتمبر قد تحول خلال الأيام الماضية إلى موضوع نقاش سياسي ومهني وإعلامي واسع، خصوصا مع تصاعد المطالب بتأجيله. وتركزت غالبية هذه المطالب على ولايات الجنوب، حيث تستمر درجات الحرارة المرتفعة خلال بداية سبتمبر، ما أثار مخاوف بشأن ظروف تمدرس التلاميذ وعمل الأساتذة، خصوصا داخل المؤسسات التي قد تعتمد بشكل كبير على أجهزة التبريد.
وكان عدد من النواب قد طالبوا بإعادة النظر في التاريخ المعلن. فقد دعا النائب عمر بالقولولو، المنتخب عن ولاية غرداية، إلى تأجيل الدخول المدرسي لفترة قصيرة، مستندا إلى الظروف المناخية، إضافة إلى الأعباء المالية التي تواجهها الأسر في نهاية العطلة الصيفية، والحاجة إلى منح المؤسسات التربوية وقتا إضافيا لاستكمال بعض التحضيرات المتعلقة بالموسم الجديد.
كما طالب النائب مراد خاوة عن ولاية المغير بإعادة النظر في موعد السادس سبتمبر، مشيرا بدوره إلى تأثير الحرارة المرتفعة على التلاميذ والأساتذة. ووجه النائبان بحير إبراهيم عن ولاية الوادي، وقندوز محمد الأمين عن ولاية ورقلة، بيانا مشتركا في الاتجاه نفسه، مع التركيز على خصوصية مناطق الجنوب والضغط المحتمل على شبكة الكهرباء بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التبريد في المدارس.
وتكشف طبيعة هذه المطالب أن جزءا مهما من الجدل لم يكن موجها بالضرورة ضد مبدأ العودة المبكرة إلى الدراسة، وإنما ضد اعتماد تاريخ لا يأخذ، بحسب أصحاب هذه المطالب، بالاعتبار الاختلاف المناخي بين مناطق البلاد.
كذلك، دخل قطاع السياحة على خط النقاش، بعدما دعت الفدرالية الوطنية للفندقة والسياحة إلى تأجيل الدخول المدرسي لبضعة أيام، معتبرة أن ذلك يسمح بتمديد الموسم السياحي الداخلي والاستفادة من فترة نهاية الصيف، بما يخدم الفنادق والمطاعم والإقامات السياحية ووكالات السفر ويحافظ على النشاط المرتبط بالسياحة الصيفية.
لكن المطالبة بالتأجيل لم تكن محل إجماع. فقد برزت أصوات تربوية وأكاديمية اعتبرت أن الجزائر تعرف أصلا عطلة صيفية طويلة، وأن تأخير الدخول أكثر قد يضغط على السنة الدراسية لاحقا، خصوصا مع كثرة العطل والحاجة إلى استكمال البرامج في آجال محددة.
غير أن تعديل توقيت الدخول المدرسي بشكل يعاكس قرار وزير التربية محمد صغير سعداوي، يفتح، في المقابل، نقاشا آخر يتجاوز التاريخ نفسه، ويتعلق بالإصلاحات التربوية التي أعلن عنها الوزير للموسم الدراسي الجديد.
فالدخول المدرسي لم يكن وحده موضع الجدل. إذ تحولت الإصلاحات المقترحة في المناهج والبرامج إلى قضية سياسية وثقافية، خصوصا ما تعلق بتعزيز حضور الإنجليزية في المدرسة، وتأخير تدريس الفرنسية، إلى جانب التعديلات المرتبطة بمواد امتحان شهادة البكالوريا، ومنها الفلسفة بالنسبة إلى بعض الشعب العلمية.
وفي خضم هذا الجدل، اكتسبت عناوين صحفية صدرت يوم الأحد أهمية خاصة، بعدما تحدثت صحيفتا “الخبر” و”لو سوار دالجيري” بصيغ متقاربة عن أن الإصلاحات الكبرى لا يمكن أن تتم خارج مجلس الوزراء برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، وهو ما يفتح باب التساؤل عما إذا كانت هذه الإصلاحات قد ألغيت أو جرى تجميدها، على اعتبار أنها لم تعلن في مجلس الوزراء.
وكانت قوى سياسية قد توجّهت إلى الرئيس تبون مطالبة بالتريث في تنفيذ بعض التغييرات وفتح نقاش أوسع بشأنها، فيما دافعت أطراف أخرى عن ضرورة المضي فيها باعتبارها جزءا من إصلاح المدرسة وتحديثها.
وفي هذا السياق، دعت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون رئيس الجمهورية إلى تأجيل مشروع إصلاح المنظومة التربوية وفتح نقاش وطني أوسع بشأنه، بمشاركة المختصين والخبراء في التربية والبيداغوجيا واللغات. وترى حنون أن المدرسة قضية تتجاوز الخلافات السياسية والإيديولوجية الظرفية، وأن التغييرات الكبرى تحتاج إلى نقاش علمي واسع.
وكان الجدل قد تفجّر بكل أكبر، عقب تصريحات الباحث في علوم التربية أحمد تيسة الذي عبّر عن تخوفه من أن يكون تأخير تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتدائي خطوة أولى نحو تقليص حضورها مستقبلا في المدرسة الجزائرية، معتبرا أن الفرنسية لا ينبغي النظر إليها فقط من زاوية ماضيها الاستعماري، بل باعتبارها لغة لعبت دورا في تكوين الدولة الجزائرية بعد الاستقلال في الإدارة والتعليم وفي بناء الثقافة الجزائرية والأدب، مستحضرا المقولة التي وصفتها بأنها “غنيمة حرب”.
كما انتقد تيسة قرار وزارة التربية التي يقودها محمد الصغير سعداوي، إعفاء بعض الشعب من اجتياز اختبار الفلسفة في امتحان البكالوريا، معتبرا أن هذه المادة تمثل إحدى أهم أدوات تكوين العقل النقدي، وأن المدرسة مطالبة بتعزيز حضورها بدل تقليصه، متسائلا عن سبب إعفاء مواد قائمة على الحفظ مثل التربية الإسلامية من هذا الحذف.
ولم تمر ساعات حتى تحولت هذه التصريحات إلى مادة لنقاش محتدم على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد اعتبر الوزير السابق والقيادي في حركة مجتمع السلم، الهاشمي جعبوب ذي التوجه الإسلامي، أن ما طرحه تيسة يتجاوز مجرد رأي بيداغوجي ليعكس، حسبه، دفاعا قديما عن استمرار هيمنة الفرنسية داخل المدرسة الجزائرية. وذكّر جعبوب بكتاب أصدره تيسة سنة 2016 بعنوان “استحالة استئصال تعليم اللغة الفرنسية في الجزائر”، كما أشار إلى تكريمه من طرف مؤسسة فرنسية سنة 2018 تقديرا لما وصفه بدفاعه عن اللغة الفرنسية.
ورفض جعبوب توصيف قرار تأخير تدريس الفرنسية بأنه قرار إيديولوجي، معتبرا أن الأمر يتعلق بخيار سيادي يدخل ضمن صلاحيات الدولة في رسم سياستها اللغوية والتربوية. وذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن تقليص حضور الفرنسية يندرج ضمن استكمال استعادة السيادة الوطنية والثقافية، مؤكدا أن الجزائر ليست ملزمة بالإبقاء على الامتياز الذي ظلت تتمتع به لغة المستعمر السابق داخل المدرسة والإدارة، وأن الانفتاح على اللغات الأجنبية لا يعني استمرار منح الفرنسية مكانة خاصة.
وتعد قضايا المدرسة في الجزائر من أكثر الملفات التي تطغى عليها الأبعاد الإيديولوجية، وتظهر فيها بوضوح الانقسامات بين التيارين الإسلامي والعلماني، خصوصا عندما يتعلق الأمر باللغات والمواد التعليمية ومضمون المناهج. لذلك، فإن الجدل الحالي يتجاوز بعض تفاصيل الإصلاحات المقترحة، ليعكس صراعا أوسع حول صورة المدرسة التي تريدها الجزائر، وما الذي ينبغي أن تحتفظ به من إرث الماضي، وما الذي تريد تغييره في حاضرها.
“القدس العربي”



