تحقيقات وتقارير

تحليل: أوروبا تتعثر في طريقها للخروج من عباءة أميركا

تحليل: أوروبا تتعثر في طريقها للخروج من عباءة أميركا

تتجه أوروبا إلى تنويع شراكاتها الأمنية والاقتصادية وتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، في ظل سياسات ترامب وتقلباته تجاه الحلفاء، لكن الانقسامات الداخلية واستمرار الاعتماد على القدرات العسكرية الأميركية يعرقلان مساعي القارة نحو تحقيق استقلالية إستراتيجية.

استأنف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير من العام الماضي، سياسته الرامية إلى الحد من مظلة الحماية الأميركية لحلفائها في أوروبا، التي لوح بها كثيرا في ولايته الأولى من 2017 إلى 2020. ففي العام الماضي علقت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وفي أيار/ مايو من العام نفسه أعلنت سحب 5000 جندي من ألمانيا. كذلك هدد ترامب بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك عضو حلف شمال الأطلسي، وهدد بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية التي تعارض الاستيلاء على الجزيرة.

ولم تقف أوروبا مكتوفة الأيدي أمام هذه السياسات الترامبية، إذ بادرت بتعويض توقف الدعم الأميركي لأوكرانيا، كذلك هددت الدول الأوروبية بفرض رسوم مضادة على الولايات المتحدة، إذا مضى ترامب قدما في تنفيذ تهديده بفرض رسوم جمركية على الدول المعارضة للاستيلاء على غرينلاند، ليتراجع ترامب عن تهديده.

وكذلك بدأت القارة الأوروبية تدعيم علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى بعيدا عن فلك واشنطن، وأنشأ الاتحاد الأوروبي صندوقا لتمويل الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء بقيمة 168 مليار دولار، وانضمت كندا إلى الصندوق كأول عضو من خارج أوروبا. وفي وقت سابق من العام الحالي أبرم الاتحاد أكبر اتفاقية تجارة حرة في تاريخه مع الهند، كما وقع الاتفاقية التي طال انتظارها مع التكتل الاقتصادي لدول أميركا الجنوبية “ميركوسور”.

وفي تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأميركية يقول الباحث الزميل في كلية “بلافاتنيك” للإدارة العامة وكلية “وورسيستر” بجامعة “أوكسفورد”، كلاس ميرتينز، وأستاذ الحكومة الاقتصادية العامة والعميد المؤسس لكلية “بلافاتنيك” للإدارة العامة، نجاير وودز، إن أوروبا مازالت تعتمد على الولايات المتحدة رغم الاهتمام المتزايد لدى القادة الأوروبيين بتحقيق الاكتفاء الذاتي للقارة.

بل إن بعض محاولاتهم لتعزيز الاعتماد على الذات أدت إلى زيادة تبعية أوروبا للولايات المتحدة؛ إذ ما تزال خططها الدفاعية وقيادتها العسكرية وردعها النووي وأنظمة الدعم العسكري تعتمد على القدرات الأميركية. كما تحولت زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى عقود لشراء أسلحة أميركية بدلا من دعم القدرات الصناعية العسكرية لأوروبا.

وبحلول عام 2025 أصبحت الولايات المتحدة توفر أكثر من نصف واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال، وعلاوة على ذلك ما زال الكثير من شركات التكنولوجيا الأوروبية الواعدة تنتقل إلى نيويورك أو سان فرانسيسكو.

وقد أدى هذا الاعتماد المستمر بدوره إلى إضعاف مصداقية أوروبا في نظر الدول الأخرى، التي تسعى إلى بناء علاقات جديدة معها في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد. فعلى مدى عقود، كان العرض الذي تقدمه أوروبا لهذه الدول يستند إلى علاقتها مع واشنطن؛ فما دامت الولايات المتحدة تضمن الأمن الأوروبي وترحب بدمج أوروبا في اقتصادها، يصبح العرض جذابا. أما الآن وقد بدأت واشنطن تتعامل مع هاتين الركيزتين، وهما ضمان أمن أوروبا ودمجها في الاقتصاد الأميركي، باعتبارهما قابلتين للتفاوض، فإن هذا العرض يفقد جاذبيته.

وكلما تراجعت العلاقات بين جانبي الأطلسي زادت حاجة أوروبا إلى الدول الأخرى، سواء كأسواق للتصدير أو مورّدة للمواد الخام، أو حتى قدراتها في الصناعات الدفاعية وتضامنها معها في مواجهة سياسات الإكراه الاقتصادي التي يمارسها ترامب من وقت إلى آخر.

كما عجّل تراجع الدور الأميركي مؤخرا بظهور نظام دولي أكثر عدائية، يعتمد على منطق “القوة هي الحق”، إذ برزت احتياجات من نوع آخر. فباتت الدول تسعى اليوم لإقامة شراكات أمنية لتعزيز قدراتها الدفاعية، وبناء علاقات تجارية مستقرة للحماية من الحروب الاقتصادية، وتأمين تمويلات تعوضها عن تراجع المساعدات الخارجية وبخاصة الأميركية، وارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي.

وعلى سبيل المثال، عندما توجهت أوكرانيا نحو أوروبا في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كان دافعها هو الرخاء والتحديث الذي يعد به الاندماج الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي. لكنّ كييف أصبحت الآن بحاجة إلى معلومات استخباراتية وأسلحة لصدّ الغزو الروسي، وهو ما لا تستطيع أوروبا توفيره إلا من خلال الولايات المتحدة. وبالنسبة إلى الدول التي تسعى للحصول على مساعدات وتعاون أمني، فإن الاعتماد على شريك متقلب مثل ترامب يمثل عبئا ومصدر خطر.

كما أن الشركاء الذين تضرروا من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب باتوا بحاجة إلى أسواق موثوقة، لتصريف سلعهم وخدماتهم التي كانت مخصصة في السابق للسوق الأميركية. إلا أن أوروبا وجدت نفسها مضطرة إلى حماية اقتصاداتها من هذه الصادرات. وبدلا من فتح أسواقها أمام تلك الدول؛ رفعت المفوضية الأوروبية الرسوم الجمركية على الصلب المستورد، وقلصت حصص الواردات المعفاة من الرسوم، مما منع دولا مثل الهند وكوريا الجنوبية وتركيا من الوصول إلى السوق الأوروبية، في الوقت الذي كانت تبحث فيه هذه الدول عن أسواق بديلة للسوق الأميركية.

وفي حين تمتلك أوروبا قدرات كبيرة في مجالات الأمن والتجارة والمالية، فهي تفتقر إلى التماسك الداخلي اللازم لدمج هذه القدرات في حزمة شاملة، قادرة على جذب دول أخرى وتعزيز استقلاليتها الذاتية. ففي الماضي، عندما كانت أوروبا تستطيع الاعتماد على قيادة الولايات المتحدة داخل مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية، وحلف شمال الأطلسي “ناتو”، لم يكن الانقسام الداخلي يمثل مشكلة كبيرة. أما اليوم، وفي غياب تلك القيادة، بات على القارة الأوروبية أن تتجاوز تشرذمها الداخلي بمفردها.

ولا يظهر هذا التشرذم بوضوح أكبر مما يظهر في المجال الأمني. ففي مواجهة تردد واشنطن تجاه حلف “ناتو”، تعهّد القادة الأوروبيون بتعزيز دفاعات القارة، غير أن ميزانيات الدفاع والصناعات العسكرية والقوات المسلحة الأوروبية ما تزال خاضعة لحسابات كل دولة على حدة. ومع سعي الحكومات الأوروبية للحصول على أفضل الصفقات لصالح الشركات والقطاعات المحلية، وقعت الخلافات التي تؤدي إلى فشل المشاريع الأوروبية المشتركة، لتجد الدول الأوروبية نفسها في نهاية المطاف تشتري المزيد من الأنظمة العسكرية الأميركية.

وفي ما يتعلق بالتجارة، تتفاوض أوروبا بصوت واحد؛ بيد أن العديد من الاتفاقيات تتطلب تصديقا من كل دولة على حدة، مما يجعلها رهينة لجماعات الضغط المحلية، بدءا من المزارعين ووصولا إلى شركات صناعة السيارات، التي تسعى لحماية أسواقها الوطنية على حساب المصلحة الجماعية للقارة.

وعلى سبيل المثال، بعد أكثر من عقد على تفاوض الاتحاد الأوروبي وكندا حول “الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة”، لم تصادق عليها سوى 17 دولة من أصل الدول الأعضاء السبع والعشرين. وبالمثل، واجه الاتفاق التجاري مع تكتل “ميركوسور”، الذي استغرق الإعداد له عقودا، اعتراضات فورية، سياسية وقانونية، من جانب بعض الدول الأعضاء وممثلين عنها في البرلمان الأوروبي.

أما في الجانب المالي، فلا تعاني أوروبا من نقص في الأموال، بل تكمن المشكلة في توجيه هذه الأموال عبر شبكة معقدة ومتشابكة من أدوات الاتحاد الأوروبي، ووكالات الدول الأعضاء، وبنوك التنمية، ومبادرات كبرى متغيرة باستمرار؛ ما يجعل استفادة الدول الأخرى من هذه الأموال مسألة شديدة التعقيد.

والحقيقة أن العديد من هذه التحديات كانت قائمة حتى قبل تراجع الدور الأميركي؛ غير أن تأثيرها على علاقات أوروبا مع الأطراف الأخرى كان أقل حدة طالما ظلت واشنطن تضمن، وإن كان ذمانا غير كامل، نظاما عالميا مستقرا إلى حد كبير. أما الآن، ومع غياب القيادة الأميركية عن المشهد الأوروبي، باتت هذه التحديات عقبة أكبر بكثير أمام الشركاء المحتملين.

وفي تحليلهما المشترك، قال ميرتينز ووودز إن العلاقات الأميركية الأوروبية أُسست على قيم مشتركة، واعتماد متبادل، ومبدأ المعاملة بالمثل، وهو ما أتاح للدول الأوروبية التركيز على إعادة بناء اقتصاداتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وإنشاء مؤسسات تهدف إلى درء نشوب حروب مستقبلية في القارة.

بيد أن الاضطرابات التي شهدتها العلاقات الدولية عموما في العامين الماضيين كشفت اعتبار أوروبا مزايا تلك العلاقة أمرا مسلما به. فاليوم، تواجه القارة تهديدات تختلف عما كانت عليه قبل ثمانين عاما، ولم يعد بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة لتأتي لنجدتها. لذلك يتعين على أوروبا إيجاد شركاء جدد يؤمنون جميعا بأن معظم الدول لا تملك سوى فرصة ضئيلة لمقاومة ضغوط القوى العظمى، إذا ما اختارت العمل بمفردها.

وأخيرا فإن اتجاه أوروبا نحو تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة لا يعني استبعاد واشنطن تماما من الحسابات الأوروبية، فسوف تتواصل استفادة الطرفين من التعاون الأمني عبر حلف شمال الأطلسي “ناتو”، واستمرار التبادل التجاري والاستثماري، والنظام المالي الدولي المتكامل ستتواصل. وسيظل التعاون مع الولايات المتحدة مفيدا لكنه لن يظل أمرا لا مفر منه بالنسبة إلى أوروبا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب