تحولات عميقة في الدعم الأميركي لـ “إسرائيل”

تحولات عميقة في الدعم الأميركي لـ “إسرائيل”
ليس ما قاله دونالد ترامب مجرّد زلّة لسان أو محاولة لمخاطبة جمهور انتخابي متململ، بل هو لحظة كاشفة في مسار طويل من التصدّعات التي أصابت واحدة من أكثر المسلّمات رسوخًا في السياسة الأميركية: الدعم غير المشروط لـ”إسرائيل”. حين يعترف رئيس أميركي—حتى وإن كان مثيرًا للجدل ومتقلّبًا—بأن انتقاد “إسرائيل” لم يعد محرّمًا، وأن نفوذها داخل الكونغرس والدوائر السياسية يتراجع، فنحن لا نكون أمام تصريح عابر، بل أمام انعكاس لتغيّر أعمق في البنية الاجتماعية والسياسية للرأي العام الأميركي.
لا يمكن قراءة هذه اللحظة بمعزل عن البنية الأوسع للسلطة، ولا عن العلاقة بين الخطاب، والرأي العام، والمؤسسات، ومصالح الدولة الإمبراطورية. فالدعم الأميركي لـ”إسرائيل” لم يكن يومًا تعبيرًا أخلاقيًا عن “قيم مشتركة”، بل نتاج تزاوج معقّد بين المصالح الجيوسياسية، والهيمنة العسكرية، وصناعة السلاح، ولوبيات النفوذ، وإدارة الوعي العام عبر الإعلام. وما نشهده اليوم ليس انهيارًا مفاجئًا لهذه المنظومة، بل تصدّعًا تدريجيًا في أحد أعمدتها الأساسية: الشرعية الشعبية.
ما الذي كُسر في لحظة ترامب؟
منذ عقود، كان النقد العلني لـ”إسرائيل” داخل السياسة الأميركية يُعامل كخط أحمر، لا لأن المجتمع الأميركي كان متجانسًا في دعمه لها، بل لأن منظومة العقاب السياسي—من تمويل الحملات الانتخابية، إلى الهيمنة الإعلامية، إلى جماعات الضغط—كانت كفيلة بضبط المجال العام وإسكات الأصوات الناقدة. الجديد اليوم، كما تكشف تصريحات دونالد ترامب مقرونة باستطلاعات الرأي المتتالية، هو أن هذه المنظومة لم تعد قادرة على أداء وظيفتها السابقة بالكفاءة ذاتها.
حين يقول ترامب إن الحرب على غزة ألحقت ضررًا بصورة “إسرائيل” داخل الولايات المتحدة، فهو لا يبتكر واقعًا سياسيًا جديدًا، بل يقرّ بما أظهرته الأرقام بوضوح لافت: استطلاع جامعة هارفارد بالتعاون مع مؤسسة هاريس كشف أن 60% من الأميركيين الشباب بين 18 و24 عامًا يعبّرون عن دعمهم لحركة حماس في المواجهة الجارية مع “إسرائيل”، في انقلاب غير مسبوق بمعايير الثقافة السياسية الأميركية. وفي الاتجاه نفسه، بيّن استطلاع مركز بيو للأبحاث أن نسبة الجمهوريين الذين يحملون آراء سلبية تجاه “إسرائيل” ارتفعت من 27% عام 2022 إلى 37% عام 2025، مع تمركز هذا التحول بشكل خاص بين الجمهوريين دون سن التاسعة والأربعين، أي داخل القاعدة المحافظة التي شكّلت تاريخيًا أحد أعمدة الدعم غير المشروط لـ”إسرائيل”. أما مؤسسة غالوب، فقد سجّلت في مارس/آذار 2025 أن 46% فقط من الأميركيين يدعمون “إسرائيل”—وهو أدنى مستوى منذ 25 عامًا—مقابل 33% يعبّرون عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، وهي أعلى نسبة تُسجَّل منذ بدء هذا القياس السنوي. هذه الأرقام، مجتمعة، لا تمثل مجرد تذبذب ظرفي في المزاج العام، بل مؤشرات واضحة على خلل بنيوي متراكم في عملية “تصنيع القبول” بوصفها أحد أعمدة الهيمنة داخل الديمقراطيات الليبرالية
الشباب: كسر احتكار الرواية
أخطر ما في هذا التحول، من منظور المؤسسة الأميركية، ليس تراجع بضع نقاط في استطلاع رأي، بل الانقلاب الجيلي في الوعي السياسي. فالشباب الأميركي، الذي بات يحصل على معلوماته من خارج المنظومة الإعلامية التقليدية، لم يعد يتلقى الرواية “الإسرائيلية” كما صيغت لعقود: “ديمقراطية محاصَرة”، “دفاع عن النفس”، “صراع مع الإرهاب”.
جيل “تيك توك”، كما يسميه بعض الباحثين، شاهد الحرب على غزة بصريًا، لحظة بلحظة، خارج فلاتر الإعلام السائد. رأى الجثث، الأطفال، الدمار، ولم يجد في خطاب “التفوق الأخلاقي” سوى تناقض فجّ. هنا تتآكل فعالية اللغة الرسمية، وتنهار المسافة التي كانت تفصل بين العنف الممارس والوعي العام به.
هذه اللحظة شبيهة بتلك التي شهدتها الولايات المتحدة خلال حرب فيتنام: لم يتغير الرأي العام لأن الدولة اعترفت بالخطأ، بل لأن الكلفة البشرية صارت مرئية، ولأن الأكاذيب لم تعد قابلة للتصديق. الفرق اليوم أن سرعة تداول الصور والمعرفة جعلت هذا التحول أسرع وأكثر عمقًا.
اللوبي… حين تفقد الهيمنة صمتها
لطالما جرى تضخيم نفوذ اللوبي “الإسرائيلي” بوصفه قوة شبه مطلقة تتحكم بالسياسة الأميركية. الواقع، أكثر تعقيدًا: اللوبي لا يصنع السياسة من فراغ، بل يعمل داخل إطار مصالح الدولة الأميركية. لكن قوته الحقيقية كانت في قدرته على إسكات النقاش العام، لا في تغيير جوهر السياسة.
ما يتغير اليوم هو أن هذا الصمت يتآكل. حين يعترف ترامب بأن أعضاء الكونغرس باتوا يجرؤون على انتقاد “إسرائيل”، فهذا يعني أن كلفة النقد انخفضت، ولو نسبيًا. وحين تُوصف أفعال “إسرائيل” داخل أوساط من حركة “ماغا” بالإبادة الجماعية، فنحن أمام شرخ غير مسبوق داخل القاعدة الجمهورية نفسها، التي كانت تاريخيًا من أكثر البيئات السياسية دعمًا لـ”إسرائيل”.
هذا لا يعني أن اللوبي انتهى، ولا أن التمويل السياسي فقد تأثيره، بل يعني أن أدوات الضبط القديمة لم تعد كافية لضمان الإجماع.
الاستثناء “الإسرائيلي”: عبء أخلاقي وسياسي
من أهم ما يكشفه تراجع الدعم الشعبي، هو تحوّل “الاستثناء الإسرائيلي” من مصدر قوة إلى عبء. لعقود، مثّل هذا الاستثناء—الإعفاء من قوانين حقوق الإنسان، من قانون ليهي، من المساءلة الدولية—جزءًا من البنية القانونية والسياسية الأميركية. لكن حين يصبح هذا الاستثناء مرئيًا للجمهور، لا يعود قابلًا للتسويق كضرورة أمنية.
حين يسمع الأميركي العادي أن بلاده تواصل تسليح دولة متهمة بجرائم حرب، وتهاجم المحكمة الجنائية الدولية دفاعًا عنها، بينما تُستخدم شعارات حقوق الإنسان ضد خصوم آخرين، فإن التناقض لا يعود نظريًا. هذا التناقض، بدأ ينتقل من الهامش الأكاديمي إلى مركز النقاش العام.
لماذا لا تتغير السياسة… بعد؟
على الرغم من هذا التحول في الرأي العام، تبقى السياسة الأميركية الرسمية على حالها تقريبًا. هنا يبرز التمييز الجوهري بين الرأي العام وصنع القرار. فالدولة لا تتحرك تلقائيًا وفق مزاج الجمهور، بل وفق مصالح النخب الاقتصادية والعسكرية.
المجمع الصناعي–العسكري، الذي تستفيد شركاته من تدفق المساعدات العسكرية لـ”إسرائيل”، لا يزال أحد أعمدة هذا الدعم. كذلك، ترى واشنطن في إسرائيل أداة متقدمة للنفوذ الإقليمي، بغض النظر عن صورتها الأخلاقية.
تصدّع لا يعني الانهيار… بعد
الخطأ التحليلي الأكبر هو افتراض أن تراجع الدعم الشعبي سيقود تلقائيًا إلى تغيير جذري في السياسة الأميركية. التاريخ الأميركي لا يدعم هذا التفاؤل السريع. لكن ما يحدث اليوم يفتح مسارًا جديدًا: مسار التآكل البطيء للشرعية.
حين تفقد دولة حليفة القدرة على تقديم نفسها أخلاقيًا داخل المجتمع الذي يدعمها، تبدأ علاقتها بذلك المجتمع بالتحول من “تحالف بديهي” إلى “عبء سياسي”. هذا التحول لا يُقاس بالسنوات القليلة، بل بالعقود. لكنه، حين يبدأ، نادرًا ما يتوقف.
لحظة كشف.. لا انقلاب
تصريحات ترامب لا تمثل انقلابًا في السياسة الأميركية، لكنها تمثل كشفًا فجًّا لما كان يتراكم تحت السطح: تصدّع في الإجماع، انقسام ديمغرافي، وتآكل في القدرة على تبرير العنف باسم القيم. “إسرائيل”، التي كانت تُعامل كبقرة مقدسة في الخطاب السياسي الأميركي، باتت اليوم موضوعًا للنقاش، والشك، والرفض المتزايد.
ما نشهده ليس نهاية التحالف، بل بداية فقدانه لغطائه الأخلاقي. وهذا، في منطق الإمبراطوريات، أخطر بكثير من أي خلاف سياسي عابر.
الكاتب: د. محمد الأيوبي
الخنادق




