ترامب يشتم البابا… ولماذا يحطم إسرائيلي رأس السيد المسيح؟

ترامب يشتم البابا… ولماذا يحطم إسرائيلي رأس السيد المسيح؟
أنور القاسم
سألت الصحافية ترامب، وهو يهم بالخروج من البيت الأبيض: لماذا تتشاجر مع البابا؟ ألست قلقا، فهذا أمر مزعج؟! ليجيب مباشرة «لا لا لست قلقا، يجب أن أفعل ما هو الصواب. على البابا أن يفهم ذلك، أنا معجب بأخيه لويس، وليس به.
سجال غريب الأطوار، وجدال منفلت، وهجوم لم يسبق أن حصل طوال العصر الحديث، بين رئيس دولة وبابا الفاتيكان، الذي يمثل أيقونة مسيحية كاثوليكية تحظى بالاحترام والتبجيل من حوالي مليار شخص حول العالم.
جنون العظمة جعل من الرئيس الأمريكي يشعر أنه سيد المسيحيين في العالم، وأعلى من البابا، وكذلك من الكنيسة، وجعل من نفسه شخصا محرما انتقاده.
وبعد التلاسن الأخير بينه وبين البابا، خرج كاهن إيرلندي، وبدأ صلاته بشكل طبيعي كالعادة، وصلى من أجل السلام العالمي، لكن بشكل غير مسبوق أنهى عظته بالدعاء أن يأخذ الرب دونالد ترامب! فسرت سعادة وضحك بين أتباع الكنيسة على هذه الدعوة غير المسبوقة، والتي انتشرت كالنار في الهشيم على وسائط التواصل.
الأمر لم يتوقف هنا، ليصعد ترامب مجددا في منشور خطير يهدد فيه بإطاحة البابا – تذكيرا بما فعله بالرئيس الفنزويلي والمرشد الأعلى الإيراني – معلقا «بصفتي رئيسًا للولايات المتحدة، أملك معلومات قد تُطيح بالبابوية، والفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية بأكملها بين ليلةٍ وضحاها! تُعرف هذه المعلومات بملفات الفاتيكان، ولن أنشرها، احترامًا لمليار كاثوليكي حول العالم، لكن، على البابا ليو الضعيف أن يتذكر لمن يُحاسب، فإذا استمر في التدخل في السياسة»! مضيفا «كان يسوع ليرغب في السلام من خلال القوة، تمامًا كما أرغب أنا»!
هذه الحرب الأثيرية الدائرة دفعت الكثيرين، ومنهم الإعلامي الأمريكي الكبير تاكر كارلسون ليتحدى الرئيس الأمريكي أن يسخر من الحاخام الأمريكي، كما يسخر من مكانة البابا.
ويتساءل، هل تتخيل ترامب يجرؤ أبدا أن يسخر من الحاخام شنيرسون، الذي يعتبره بعض أتباعه المسيح المنظر في أمريكا؟
ويضيف «من حق كل أمريكي يعتقد ما يشاء، فهذا أحد أسباب التعايش مع أتباع الديانات المختلفة في هذا البلد طوال 250 عاما، ولم نسخر من معتقدات الآخرين الدينية، إلا إذا كنت تحاول اجباري على حضور طقوسك الدينية، أو السجود لإله لا أعتبره إلها، ما لم يصل الأمر الى هذا الحد، فإننا نترك لكل منا حرية التعبير عن آرائه الدينية، وقد نجح هذا النهج، إلا أن هذا الوضع يتغير بسرعة كبيرة في الولايات المتحدة الآن وتفرضه على بقية دول العالم»!
كارلسون، تحدى أن تسأل نفسك: هل يمكنك تخيل دونالد ترامب، وهو ينشر صورة ساخرة من الحاخام شنيرسون؟ ويضيف بالطبع لا يمكنك تخيل ذلك، في أي حال من الأحوال، لأنه لن يحدث أبدا. لن يُسمح لترامب بفعل ذلك ولن يُفكر فيه أبدا». ويضيف «أما نشر صور متعددة تسخر من السيد المسيح، فلا مشكلة لديه على الإطلاق»!؟
الإعلامي البريطاني سايمون ماركس، دخل على خط هذا الصراع قائلا «إنه لدعم ترامب، عليك قبول الأكاذيب كحقائق»! وشبه أسلوب قيادة الرئيس الأمريكي برواية جورج أورويل«مزرعة الحيونات» والتي تدور في عالم الحيوانات، وتمثل اسقاطا ساخرا على أحوال الناس.
فكل من لا يتبع هوا الرئيس سيكون إرهابيا، حتى لو كان بابا الفاتيكان الأمريكي الأصل، الذي يتبعه أكثر من مليار شخص، هل هناك جنون للعظمة، وخطر على الأديان أكثر من ذلك؟ الى أين يتجه هذا العالم؟!
المسلمون يحبون السيد المسيح
ليس هناك أخطر وأسوأ من الطعن في الرموز الدينية للأديان والمذاهب كافة، وهو خط أحمر يتم تجاوزه الآن في أكثر من مكان.
فقد حطم جندي إسرائيلي تمثالا للسيد المسيح في بلدة دبل اللبنانية، في صورة مقززة ووحشية، وغير أخلاقية، ما دفع رؤساء الكنائس الكاثوليكية لإدانة الواقعة، واعتبروا ذلك انتهاكا خطيرا للرموز الدينية وكرامة الإنسان، مطالبين في الوقت نفسه بمحاسبة المسؤولين عنه، وسط إدانات محلية ودولية متصاعدة.
من يتابع الإعلام الغربي يُدهش من سر تجاهل غالبيته هذا الحادث، الذي يمثل جيش دولة، وهو مقصود ومنظم، نظرا لاستهداف الكنائس اللبنانية والفلسطينية وشخصيات دينية مسيحية بشكل ممنهج.
والأغرب أن بعض هذا الإعلام شغل نفسه في السجال، الذي دار الأسبوع الماضي بين المعلق الأمريكي تاكر كارلسون والسيناتور تيد كروز، بعد أن شنّ السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس هجومًا حادًا على كارلسون، لأنه قال «المسلمون يحبون المسيح».
يأتي ذلك في إطار نقاش أوسع أثاره محتوى مثير للجدل نُسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع، وفي تصعيد جديد يعكس عمق الانقسام داخل معسكر اليمين الأمريكي بشأن قضايا الدين والسياسة ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
ورد الرجل على الجدل قائلا: إن صورة للرئيس ترامب بدا فيها وكأنه «ابن الله»، قد أثارت الغضب الواسع، معتبرا أن الأمر يمس الدين المسيحي والإسلامي في آن واحد، في محاولة لفتح نقاش أوسع حول الرموز الدينية في السياسة الحالية.
وقد أثارت صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي لترامب تُظهره في هيئة شبيهة بالسيد المسيح على منصته «تروث سوشيال» – قبل أن يقوم بحذفها لاحقًا – أثارت وما زالت موجة انتقادات شديدة، ما دفع الرئيس لاحقًا للقول إنه لم يقصد ما فُهم من الصورة، وأنه لا يرى سببًا مباشرًا لحذفها بسبب الانتقادات.
وفي المقابل، هاجم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بدوره الصورة بشدة، معتبرًا أنها تمثل «إساءة للمسيح كرسول للسلام والأخوة»، مؤكّدًا رفضه لأي إهانة للمقدسات الدينية.
ومن البديهيات ألا يستخدم الدين للسخرية أو الاستفزاز في السياسة، فهذا يسمم كل شيء، وهذا ما يحصل حاليا، في خضم التجييش الديني والمذهبي الحالي في الشرق الأوسط، فهل هناك عقلاء يوقفون هذا الجنون المستطير، فلا يمكن للعالم الحديث السماح بعودة أجواء الحروب الصليبية؟!
كاتب من أسرة «القدس العربي»


