تحقيقات وتقارير

ترامب يعتبرها مؤامرة وراءها الصين: الجيش سيحارب المخدرات خارج الحدود

ترامب يعتبرها مؤامرة وراءها الصين: الجيش سيحارب المخدرات خارج الحدود

حسين مجدوبي

كانت البحرية الأمريكية تتدخل ضد سفن يشتبه أنها تحمل المخدرات لكن تفعل ذلك تحت قيادة إدارة حماية السواحل، ويختلف الأمر الآن، حيث ستصبح تحت إشراف البنتاغون.

 أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البنتاغون بمحاربة المخدرات في الخارج وخاصة في أمريكا اللاتينية. وهذا القرار يرفع مشكل المخدرات إلى مستوى تهديد حقيقي للأمن القومي مع توجيه اتهامات مباشرة للصين في الضلوع في التآمر. وفي الوقت ذاته، سيجعل الجيش يتدخل في القضايا الداخلية لدول أخرى.
وينص المرسوم الرئاسي غير المعلن على توفير قاعدة قانونية لشن القوات الأمريكية الخاصة عمليات عسكرية مباشرة في الأراضي الأجنبية والمياه الإقليمية ذات الصلة ضد عصابات تهريب المخدرات. ويبقى المثير هو ما نقلته جريدة «نيويورك تايمز» في عدد الجمعة من الأسبوع الجاري نقلا عن مصادر مطلعة أن ترامب وقع سراً على القرار الموجه إلى البنتاغون لبدء استخدام القوة العسكرية ضد بعض عصابات المخدرات اللاتينية التي صنفتها واشنطن بمنظمات إرهابية.
وارتباطا بهذا، يعد إشراك الجيش بمثابة الخطوة الأكثر صرامة وحساسية التي تقدم عليها إدارة ترامب ضد كارتيلات المخدرات. كما يبرز أن الولايات المتحدة تعتبر أن العمليات الأمنية التي اعتادت القيام بها الشرطة الفيدرالية إف بي آي لم تعد كافية لمواجهة خطر بعض أنواع المخدرات وعلى رأسها الفنتانيل. وتبرز جريدة «نيويورك تايمز» التزام مسؤولي البيت الأبيض وخاصة قسم المحاماة الذي يعطي رأيه في قانونية القرارات أنه لم يتم حتى الآن إصدار رأي علني حول مدى قانونية القرار ومدى ملائمته للقوانين الدولية. ومن شأن القرار أن يثير الكثير من الجدل السياسي في الولايات المتحدة وكذلك في دول أمريكا اللاتينية. ومن ضمن ما برر به ترامب رفع الرسوم الجمركية على المكسيك وكندا هو اتهامه للبلدين بعدم بذل مجهودات كبيرة في محاربة المخدرات ومنعها من الوصول إلى الأراضي الأمريكية. والمثير أن تسريب القرار جاء بالتزامن مع اتهام واشنطن للرئيس الفنزويلي مادورو بالتورط في تجارة المخدرات، وخصصت 50 مليون دولار للقبض عليه.
في غضون ذلك، أصبح البيت الأبيض مع الرئيس الجمهوري يراهن على الجيش في معالجة النزاعات ذات الطابع الاجتماعي لكن بامتداد دولي بمفهوم «عسكرة العلاقات». فقد نشر ترامب قوات الجيش في عدد من مناطق جنوب البلاد لمواجهة الهجرة غير النظامية. ولكن القوات العسكرية تبقى متواجدة في الأراضي الأمريكية ولا تدخل إلى الأراضي المكسيكية، إذ أنها تقف عند الحدود.
بينما سيحدث العكس في مواجهة المخدرات، بحكم أن القوات العسكرية ستتدخل في شؤون دول ثالثة وفي المياه الدولية وكذلك الإقليمية خاصة في أمريكا اللاتينية. ولا يتعلق الأمر بتدخلات عسكرية كلاسيكية بل بتدخلات تنفذها القوات الخاصة التابعة لبعض فروع الجيش مثل المارينز والبحرية مثل نايفي سيل أو الكومندوهات الخاصة بالمارينز. ومن ضمن العمليات المرتقبة هجمات سرية على مختبرات تصنيع المخدرات، ثم عمليات اغتيال لزعماء الكارتيلات. وكانت البحرية الأمريكية تتدخل ضد سفن يشتبه أنها تحمل المخدرات لكن تفعل ذلك تحت قيادة إدارة حماية السواحل وليس البنتاغون مباشرة، ويختلف الأمر الآن، حيث ستصبح تحت إشراف البنتاغون.
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» سباقة إلى الحديث عن تدخل عسكري ضد المخدرات. وقد نشرت يوم 16 نيسان/أبريل الماضي أن الرئيس ترامب اقترح على رئيسة المكسيك كلاوديا شيمباوم، إمكانية تدخل قوات النخبة الأمريكية للمساهمة في مكافحة الجريمة المنظمة في المكسيك للحد من تصدير المخدرات خاصة مخدر الفنتانيل الخطير. وكانت رئيسة المكسيك رفضت العرض الأمريكي، وصرحت وقتها «أراضينا مصونة، وسيادتنا مصونة». وكعادته، جاء الرد من طرف ترامب بنوع من السخرية اللاذعة وعلق على موقف نظيرته المكسيكية، «إنها خائفة جدًا من كارتلات المخدرات لدرجة أنها لا تستطيع حتى التفكير بشكل سليم».
وليست هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها واشنطن على قرار من هذا النوع. ومنذ بداية التسعينات وارتفاع قوة الكارتيلات، تناول البيت الأبيض إمكانية إرسال قوات عسكرية إلى أمريكا اللاتينية لمحاربة المخدرات. وكانت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، قد وقّعت اتفاقًا مع كولومبيا سنة 1999 لمحاربة عصابات المخدرات. ورغم النجاح في محاصرة بعض الكارتيلات، إلا أن النتائج كانت غير مرضية مع مرور الوقت، فقد استمرت في التدفق على الولايات المتحدة.

مؤامرة الصين

ترى الولايات المتحدة في المخدرات وخاصة الفنتانيل من العوامل التي تهدد أمنها القومي لثلاثة أسباب، الأول وهو ارتفاع عدد الذين يموتون جراء المخدرات، ويتراوح ما بين 80 إلى 110 ألف سنويا خلال العقد الأخير، فمثلا سجلت سنة 2022 مقتل 111 ألف شخص. ويتجلى السبب الثاني في تفكيك الأسر واستمرار ملايين الأمريكيين في الإدمان على المخدرات ما يجعلهم عالة على أنظمة الضمان الاجتماعي. وكعامل ثالث، تعتبر الإدارة الأمريكية أن المخدرات أخذت بعدا خطيرا بعدما أصبحت عامل ضرب استقرار البلاد وتدميرها من الداخل.
في هذا الصدد، يعتبر دونالد ترامب أن الفنتانيل هو مؤامرة أو مشكلة تعزى إلى حد كبير إلى الصين، لأنه يتهم الحكومة الصينية بعدم بذل ما يكفي من جهود لوقف إنتاج وتصدير المواد الكيميائية الأولية للفنتانيل إلى الولايات المتحدة. وكان هذا قد جاء في تقرير للوكالة الأمريكية لمحاربة المخدرات. ويبرز التقرير كيف تحافظ الصين أو تسمح بتدفق الفنتانيل، وهو أفيون اصطناعي شديد الفعالية، يصل إلى الولايات المتحدة بشكل أساسي عبر سلائف يتم إرسالها من الصين إلى مختبرات في المكسيك حيث يتم إنتاج المخدرات. دفع هذا الوضع إدارة ترامب إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 20 في المئة على الواردات من الصين كإجراء ضاغط.
وقد أعرب ترامب علنًا عن أمله في أن تتخلى الصين عن هذا الموقف وتطبق عقوبة الإعدام على من يصنعون ويوزعون الفنتانيل، كوسيلة لمكافحة الأزمة التي تسببت في عشرات الآلاف من الوفيات بسبب الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة كل عام. ومع ذلك، ترفض الصين هذه الاتهامات، بحجة أن مشكلة الفنتانيل هي مشكلة الولايات المتحدة في المقام الأول، وأنها اتخذت تدابير مهمة للسيطرة على إنتاجه وتصديره ومواد تصنيعه، وتشير بكين أيضًا إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تتحمل مسؤولية الطلب الداخلي الذي يغذي الأزمة. وهنا تلتقي الصين مع دول أمريكا اللاتينية التي ترى أن واشنطن عليها الرفع من محاربة المخدرات في أراضيها وعلى الحدود وليس في الخارج.

 ـ «القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب