تحقيقات وتقارير

ترامب ينتقل إلى «الحرب الاقتصادية» ضد إيران بعد فشل القصف والمفاوضات

ترامب ينتقل إلى «الحرب الاقتصادية» ضد إيران بعد فشل القصف والمفاوضات

رائد صالحة

واشنطن ـ : بعد نحو ستة أشهر من الحرب على إيران، وبعد تعثر الضربات العسكرية والمفاوضات الدبلوماسية في تحقيق أهدافه، ينتقل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استراتيجية جديدة تقوم على خنق الاقتصاد الإيراني بالعقوبات والحصار البحري، في محاولة لإجبار طهران على تقديم تنازلات، وربما دفعها نحو تغيير النظام.

وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد أعلن، الإثنين الماضي، إطلاق حملة جديدة للعقوبات تحت اسم «عملية المنبوذ الاقتصاديOperation Economic Outcast «، متوعداً بقطع «كل شريان اقتصادي» يبقي النظام الإيراني قائماً، ومحذراً الدول التي تواصل التعامل مع طهران من أنها قد تواجه العزلة نفسها.
وتأتي الخطوة بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي كانت مخصصة للتوصل إلى اتفاق نووي وإعادة فتح مضيق هرمز، من دون تحقيق اختراق. وكان ترامب قد بدأ الحرب في 28 شباط/فبراير، بعدما تلقى تقديرات بأن إيران في أضعف حالاتها منذ عقود، وأن عملية عسكرية سريعة يمكن أن تدمر قدراتها النووية وربما تؤدي إلى سقوط النظام.
لكن الحرب، التي توقع ترامب أن تنتهي خلال أسابيع، دخلت شهرها السادس من دون نهاية واضحة. وحسب أرقام أوردتها «وول ستريت جورنال»، قُتل نحو 3 آلاف إيراني و18 عسكرياً أمريكياً في العمليات المرتبطة بالحرب، فيما أصيب 756 جندياً أمريكياً. كما تعرّضت قواعد أمريكية لأضرار، واستُنزفت مخزونات الأسلحة والاحتياطي النفطي الأمريكي.
وأدى الصراع كذلك إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، بعدما أغلقت إيران مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ما تسبب في ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة وأثار قلق حلفاء واشنطن في الخليج.

من القصف إلى المفاوضات

بدأ ترامب الحرب على أساس رهان واضح على القوة العسكرية. ونفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة استهدفت منشآت نووية وعسكرية ومنصات صواريخ ورادارات ومواقع لإنتاج الأسلحة، فيما قُتل المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الحرب وتولى نجله مجتبى القيادة خلفاً له.
لكن الضربات لم تدفع القيادة الإيرانية إلى الاستسلام. وردّت طهران باستهداف القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، كما أغلقت مضيق هرمز وبدأت في زرع ألغام في أجزاء منه، الأمر الذي أدى إلى تعقيد حركة الملاحة وزيادة الضغط على الاقتصاد العالمي.
وفي الوقت نفسه، حاولت الإدارة الأمريكية فتح مسار دبلوماسي. وفي 17 حزيران/يونيو، تم التوصل إلى اتفاق مؤقت لإعادة فتح المضيق وإطلاق مفاوضات نووية لمدة 60 يوماً. غير أن التهدئة سرعان ما انهارت، واستأنفت إيران هجماتها على السفن في المضيق.
وفي أواخر تموز/يوليو، أمر ترامب بشنّ هجوم واسع قال إنه سيكون أكبر من أي عملية عسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتراجع عن التصعيد بعد تحذيرات من قادة إقليميين من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى توسيع الحرب.
وانتهت مهلة المفاوضات في 17 آب/أغسطس من دون اتفاق. وبعد ثلاثة أيام، أعلن بيسنت أن واشنطن ستنتقل إلى حملة ضغط اقتصادي تهدف إلى «انهيار النظام» الإيراني.

يوم اقتصادي مختلف

كان ترامب قد وصف خطته قبل ذلك بأنها «يوم اقتصادي حاسم» أو «Economic D-Day» ضد إيران، في إشارة إلى إنزال الحلفاء في نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية. إلا أن الخطوة التي أعلنتها وزارة الخزانة جاءت تدريجية، ولم تتضمّن ضربة اقتصادية خاطفة، بل حملة طويلة من العقوبات والتهديدات.
وأعلنت الوزارة إدراج أكثر من 60 جهة مرتبطة بإيران على قوائم العقوبات، وتوسيع نطاق العقوبات الثانوية التي تستهدف شركات ومؤسسات وأطرافاً أجنبية تتعامل مع طهران.
وقال بيسنت إن لكل دولة مهلة محددة لوقف الأنشطة التي تستهدفها واشنطن، لكنه امتنع عن تحديد أسماء الدول أو المواعيد النهائية، مشيراً إلى أن الإدارة تفضل في البداية «الدبلوماسية الهادئة» قبل اللجوء إلى «مطرقة» وزارة الخزانة.
وتستهدف العقوبات الثانوية بشكل خاص الأطراف التي تساعد إيران على بيع نفطها أو الوصول إلى النظام المالي العالمي. ويمكن أن تجد البنوك وشركات الشحن والمصافي الأجنبية نفسها أمام خيار صعب: الاستمرار في التعامل مع إيران، أو الحفاظ على إمكانية الوصول إلى الدولار والنظام المالي والأسواق الأمريكية.

الصين هي الاختبار الأكبر

لكن نجاح استراتيجية ترامب يعتمد بدرجة كبيرة على موقف الصين، التي تمثل الشريان الاقتصادي الأهم لإيران.
وتشير تقديرات أمريكية إلى أن الصين اشترت في عام 2025 نفطاً إيرانياً بقيمة نحو 31 مليار دولار، وهو ما وفر قرابة 45 في المئة من ميزانية الحكومة الإيرانية. وتذهب تقديرات أخرى إلى أن الصين تستحوذ على نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية.
ورفضت بكين العقوبات الأمريكية الأحادية، مؤكدة أن الضغوط لن تؤدي إلى حلّ الأزمة الإيرانية.
ويضع ذلك ترامب أمام معضلة كبيرة، فإذا امتنعت واشنطن عن فرض عقوبات قاسية على الصين، فقد تظل بكين منفذاً رئيسياً يسمح لإيران بمواصلة تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية. أما إذا قررت الإدارة الأمريكية استهداف البنوك والشركات الصينية، فقد تفتح جبهة اقتصادية جديدة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتعرّض محاولاتها لتحسين العلاقات التجارية مع بكين للخطر.
وقال مسؤول العقوبات الأمريكي السابق ريتشارد نيبهو إن واشنطن قد تضطر إلى فرض عقوبات على كيانات صينية مهمة لإنجاح الحملة، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى خسارة فرصة التوصل إلى اتفاق تجاري مع الصين، أو يجبر الإدارة على التراجع عن الضغط على إيران.
وتزداد حساسية المسألة مع استعداد الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة البيت الأبيض في 24 أيلول/سبتمبر المقبل.

تضييق منافذ إيران

في المقابل، بدأت دول أخرى كانت تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات في تشديد القيود عليها.
وأعلنت الإمارات العربية المتحدة، التي كانت أكبر مستورد عالمي للسلع الإيرانية، وقف جميع التعاملات التجارية والمالية مع إيران. وكانت الإمارات، وخصوصاً دبي، تمثل في السابق منفذاً مهماً للتجارة والتمويل المرتبطين بإيران.
ويرى مسؤولون وخبراء أمريكيون أن إغلاق هذه المنافذ يمكن أن يزيد الضغط على طهران، خصوصاً إذا تزامن مع الحصار البحري.
لكن خبراء آخرين يحذرون من أن سياسة «الضغط الأقصى» قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ يمكن أن تدفع إيران إلى مزيد من التصعيد بدلاً من تقديم تنازلات.
وقال إسفنديار باتمانغليدج، المتخصص في الاقتصاد الإيراني، إن التجارب السابقة أظهرت أن «الضغط الأقصى» غالباً ما يولد «مقاومة قصوى» من إيران، مرجحاً أن تلجأ القيادة الإيرانية إلى تصعيد عملياتها في المنطقة لإظهار أنها لن ترضخ للمطالب الأمريكية.

الحصار يضغط على الإيرانيين

وفي الداخل الإيراني، بدأت آثار الحصار والعقوبات تظهر بصورة أكثر حدة على الحياة اليومية.
ونقلت الإذاعة الوطنية الأمريكية «إن بي آر» عن امرأة في طهران أن جارتها لم تتمكن من الحصول على الأدوية اللازمة لعلاج والدها المصاب بالسرطان، بينما تعذر على مستشفيات استقباله لتلقي العلاج بسبب تعطل معدات طبية لم تتمكن من استبدالها نتيجة صعوبة دخول الإمدادات.
وقالت المرأة إن مشترياتها الأساسية من الأرز والحليب والعدس والمعكرونة ومسحوق الغسيل والفوط الصحية بلغت نحو 30 دولاراً، وهو مبلغ يمثل جزءاً كبيراً من الحد الأدنى للأجور الشهري في إيران، المقدر بنحو 100 دولار.
كما قال مجيد رضا حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، إن الحصار البحري يوجّه ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني، مشيراً إلى ارتفاع تكلفة شحن الحاوية من نحو 3 آلاف دولار قبل الحصار إلى 12 ألف دولار بعده، ووصف الحصار بأنه «أسوأ من الحرب».

طهران تلوّح بالرد

وفي الوقت نفسه، لا تظهر القيادة الإيرانية استعداداً واضحاً للرضوخ.
وقال محسن رضائي، المسؤول الأمني الإيراني، إن إيران ستردّ «بشكل زلزالي» على الدول التي تنضم إلى الحرب الاقتصادية الأمريكية، مهدداً باستهداف ناقلات النفط التي تستخدم طرقاً بديلة خارج مضيق هرمز، بما يمنع خروج النفط من المنطقة.
وبذلك تتحوّل المواجهة بين واشنطن وطهران إلى اختبار طويل الأمد حول قدرة كل طرف على تحمّل الضغط. فترامب يراهن على أن العقوبات والحصار سيؤديان تدريجياً إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني ودفع القيادة إلى القبول بشروطه، بينما تراهن طهران على أن استمرار الضغط سيكلف الولايات المتحدة وحلفاءها اقتصادياً وسياسياً، ويجبرهم في النهاية على التراجع.
وتمنح الاستراتيجية الاقتصادية ترامب فرصة لمواصلة الضغط على إيران من دون شنّ حملة قصف جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الخسائر الأمريكية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
لكن نجاحها يبقى مرهوناً بمدى استعداد واشنطن لاستخدام أقصى أدواتها ضد الدول التي تمثل شرايين الاقتصاد الإيراني، وفي مقدمتها الصين.
وبعد ستة أشهر من الحرب، يبدو أن ترامب انتقل من محاولة إخضاع إيران بالقوة العسكرية إلى محاولة إنهاكها اقتصادياً. ويبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع العقوبات والحصار تحقيق ما عجزت عن تحقيقه القنابل والمفاوضات، أم أن «الحرب الاقتصادية» ستفتح فصلاً جديداً من التصعيد؟

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب