تزايد حوادث التهرب من أوامر الحبس يفتح ملف مراجعة حبس المدين في ظل الأزمة الاقتصادية

تزايد حوادث التهرب من أوامر الحبس يفتح ملف مراجعة حبس المدين في ظل الأزمة الاقتصادية
اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله
تشهد الساحة الفلسطينية في الآونة الأخيرة تكراراً لحوادث التهرب من تنفيذ أوامر الحبس الصادرة بحق مدينين مطلوبين لتنفيذ قرارات قضائية، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى وقوع وفيات وإصابات خلال عمليات الملاحقة أو أثناء محاولات الفرار، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة الجدل القانوني والاجتماعي حول جدوى استمرار سياسة حبس المدين في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتفاقم الأزمات المعيشية.
ويؤكد مراقبون أن تفاقم البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وتأخر صرف الرواتب، وتراكم المديونية على الموظفين والعاملين في مختلف القطاعات، كلها عوامل أسهمت في ارتفاع حالات التعثر المالي، ما جعل آلاف المواطنين عاجزين عن الوفاء بالتزاماتهم المالية، ليس تهرباً من السداد بقدر ما هو انعكاس مباشر لتدهور الواقع الاقتصادي العام.
ويرى مختصون في الشأن القانوني أن تنفيذ أوامر الحبس بحق المدينين كان يُنظر إليه تاريخياً كوسيلة لإلزام الممتنع القادر على السداد، إلا أن استخدام هذا الإجراء في حالات العجز الحقيقي عن الدفع يثير تساؤلات جوهرية تتعلق بالعدالة الاجتماعية، ومدى انسجامه مع المبادئ القانونية الحديثة التي تفرق بين المماطلة المتعمدة والإعسار الناتج عن ظروف قاهرة.
ويشير حقوقيون إلى أن الحبس في قضايا الدين لم يعد حلاً ناجعاً في كثير من الحالات، لأن سجن المدين لا يؤدي إلى خلق قدرة مالية لديه، بل قد يزيد من تفكك أسرته، ويفقده مصدر دخله، ويضاعف من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية على الدولة والمجتمع، فضلاً عن الآثار النفسية والإنسانية المترتبة على ذلك.
كما أن تكرار حوادث المطاردة والتهرب من التنفيذ يعكس، بحسب متابعين، حالة من الخوف واليأس لدى بعض المطلوبين، خاصة من يعانون من ظروف معيشية قاسية ولا يملكون سبيلاً حقيقياً لتسوية ديونهم، ما يستدعي البحث عن بدائل أكثر توازناً تحفظ هيبة القضاء وتراعي في الوقت ذاته الظروف الإنسانية والاقتصادية.
دعوات لمراجعة تشريعية عاجلة
في ضوء هذه التطورات، تتصاعد الدعوات الموجهة إلى جهات الاختصاص لإعادة النظر في آليات إصدار وتنفيذ أوامر الحبس، من خلال مراجعة التشريعات الناظمة لحبس المدين، ووضع معايير أكثر دقة لتمييز المتعثر الحقيقي عن المتهرب القادر على السداد.
ويقترح خبراء اعتماد بدائل قانونية أكثر فاعلية، من بينها:
جدولة الديون وفق القدرة المالية للمدين.
التوسع في التسويات والوساطة القضائية.
منع الحبس في الديون الناشئة عن الظروف المعيشية الأساسية.
اعتماد العمل المجتمعي أو الضمانات المدنية كبدائل تنفيذية.
إنشاء صناديق دعم أو برامج حماية للفئات الأشد فقراً.
مراعاة حالات الموظفين المتضررين من تأخر الرواتب أو الاقتطاعات.
بين سيادة القانون والعدالة الاجتماعية
ويؤكد قانونيون أن احترام أحكام القضاء وتنفيذها يبقى أساساً لاستقرار المجتمع وصون الحقوق، غير أن تحقيق العدالة لا يقتصر على التنفيذ القسري فقط، بل يتطلب مراعاة الواقع الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الأراضي الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن المرحلة الراهنة تستدعي مقاربة متوازنة تحمي حقوق الدائنين من جهة، وتمنع تحول التعثر المالي إلى عقوبة سالبة للحرية من جهة أخرى، بما ينسجم مع مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية.
خلاصة المشهد
إن تكرار حوادث التهرب من أوامر الحبس وما نتج عنها من خسائر بشرية وإصابات، ليس مجرد ملف أمني أو قضائي، بل مؤشر على أزمة اقتصادية واجتماعية أعمق تتطلب معالجة شاملة، تبدأ بإصلاح السياسات الاقتصادية، وتمر بمراجعة التشريعات التنفيذية، وتنتهي ببناء منظومة عدالة أكثر إنصافاً وإنسانية، قادرة على التوفيق بين هيبة القانون وضرورات الواقع.




