تسريب عقارات القدس والضفة الغربية: معركة سيادة وطنية تتطلب قرارًا سياسيًا ومرسومًا قانونيًا

تسريب عقارات القدس والضفة الغربية: معركة سيادة وطنية تتطلب قرارًا سياسيًا ومرسومًا قانونيًا
بقلم: بقلم رئيس التحرير
لم يعد ملف تسريب الأراضي والعقارات في القدس ومناطق “سي” مجرد تجاوزات فردية أو جرائم معزولة، بل بات يشكّل أحد أخطر أدوات الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض، واستكمال مشروعه الاستيطاني والتهويدي بأدوات ناعمة، تقوم على المال، والسمسرة، والتضليل الإعلامي، وتفكيك الإجماع الوطني الفلسطيني.
إن ما نشهده اليوم من توسّع في نشاط سماسرة الأراضي، وشركات متخصصة في شراء وتسريب العقارات لصالح جمعيات إسرائيلية، وعلى رأسها “الكيرن كيمت” وغيرها، يجري في ظل فراغ تشريعي فلسطيني واضح، وبعد زوال أي أثر رادع للقوانين الأردنية التي كانت سارية في الثمانينات، والتي شكّلت آنذاك مظلة قانونية صارمة حالت دون تسريب آلاف الدونمات، بفعل عقوبات رادعة وصلت حد الإعدام، وبفعل اصطفاف وطني وشعبي شامل حول قضية الأرض.
اليوم، ومع سماح سلطات الاحتلال بعقد صفقات عقارية للإسرائيليين، وفتح مسارات تسجيل خارج فلسطين، وتحديدًا عبر كتاب عدل ومكاتب تسجيل خاضعة للاحتلال، أصبح تسريب الأراضي سياسة ممنهجة لا جريمة عابرة، تُدار عبر شبكات وسطاء محليين وإقليميين ودوليين، وتُغطّى أحيانًا بحملات إعلامية تضليلية هدفها خلط الأوراق، وتصفية الحسابات، وتشويه شخصيات وطنية، والتغطية على الجرائم الحقيقية.
أولًا: خطورة التراشق الإعلامي وتسييس الجريمة
إن أخطر ما يرافق ملف تسريب الأراضي ليس الجريمة ذاتها فحسب، بل محاولة تحويلها إلى مادة اصطفاف سياسي وإعلامي. فقضية الأرض يجب أن تكون محل إجماع وطني مطلق، لا ساحة لتبادل الاتهامات أو الاستثمار في الخلافات.
حرية الإعلام لا يمكن أن تكون ستارًا لتسهيل الجريمة، ولا غطاءً لتشويه الحقائق، لأننا أمام ملف يمس الأمن القومي الفلسطيني في جوهره.
ثانيًا: ضرورة الانتقال من رد الفعل إلى الفعل السيادي
إن المعالجة الموسمية أو الإعلامية لهذا الملف لم تعد مجدية. المطلوب اليوم قرار سياسي سيادي يترجم إلى أدوات قانونية وتنفيذية رادعة، تعيد الاعتبار لهيبة القانون، وتحاصر منظومة التسريب من جذورها.
ثالثًا: التوصيات والآليات العملية (خارطة طريق وطنية)
- إصدار مرسوم بقانون خاص بتنظيم القطاع العقاري وإصدار مرسوم بقانون عاجل ينظم مهنة السمسرة العقارية ومكاتب بيع العقارات، يتضمن:_ حصر مزاولة المهنة بمكاتب مرخصة رسميًا. وإنشاء سجل وطني موحد لمكاتب العقارات والوسطاء. والعمل على تجريم ممارسة السمسرة دون ترخيص باعتبارها جريمة تمس الأمن القومي.
بما يشمل تشديد العقوبات السجن، ومصادرة الأموال، وتجريد المخالف من الحقوق المدنية، ومنعه من مزاولة أي نشاط اقتصادي.
- إنشاء هيئة وطنية عليا لحماية الأراضي
تشكيل هيئة وطنية مستقلة تضم: النيابة العامة، وزارة العدل، سلطة الأراضي، وزارة الحكم المحلي، والأجهزة المختصة، تكون مهمتها:-_ الرقابة المسبقة على أي صفقة عقارية في القدس ومناطق “سي”.أو أي مناطق في الضفة الغربية وشمولية بيع الشقق أيضا مع التدقيق وفرض شروط تضمن عدم التسريب مستقبلا وضرورة فتح التحقيق الفوري في أي شبهة تسريب. وووقف أي معاملة مشبوهة قبل استكمالها.
- ضبط الصفقات العقارية خارج فلسطين
تجريم أي بيع أو توكيل أو تسجيل يتم عبر جهات أو كتاب عدل إسرائيليين. وإلزام أي فلسطيني في الخارج بإتمام معاملات البيع عبر السفارات والبعثات الفلسطينية فقط. وعدم الاعتراف بأي عقد أو وكالة لم تمر عبر القنوات الرسمية الفلسطينية.
- إنشاء نظام إنذار ومتابعة فوري لتسريب الأراضي وذلك من خلال إطلاق نظام وطني إلكتروني مركزي لرصد ومتابعة: أي تغيير في الملكيات العقارية الحساسة. وأي وكالات دورية أو معاملات تسجيل مشبوهة. والربط بين السجل العقاري، النيابة العامة، والجهات الرقابية لمنع إتمام التسريب قبل وقوعه.
- تحصين الإعلام من التوظيف التخريبي
وضع ميثاق شرف إعلامي خاص بملف الأرض. ومحاسبة أي وسيلة إعلامية يثبت تورطها في التضليل أو التغطية على جرائم التسريب. وتوجيه الإعلام نحو التوعية بخطورة الجريمة بدل توظيفها في الصراعات.
إن تحرك وقرارات الحجز والتحقيق تشكّل خطوة مهمة، لكنها بحاجة إلى استكمال سياسي وتشريعي يضمن عدم تحويل الملف إلى سجال إعلامي عابر، بل إلى سابقة قانونية رادع
إن تسريب الأراضي ليس قضية قانونية فحسب، بل قضية كرامة وطنية وسيادة ووجود ، وأي تهاون أو مساومة أو اصطفاف في هذا الملف يعني فتح الباب واسعًا أمام الاحتلال لاستكمال مشروعه التهويدي بأيدٍ فلسطينية مأجورة.
وباتت المرحلة تتطلب قرارًا شجاعًا، مرسومًا حاسمًا، وإجماعًا وطنيًا صلبًا، لأن الأرض التي تُباع اليوم، هي الدولة التي تُفقد غدًا.



