تسريب عن “خداع تطبيعي”: التسويات بوصفها “فخًا لإسرائيل”

تسريب عن “خداع تطبيعي”: التسويات بوصفها “فخًا لإسرائيل”
تسريب أمني سمحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشره “بعد أشهر”، يزعم أن دولة عربية نصحت أخرى بتطبيع العلاقات مع إسرائيل تمهيدًا لمواجهتها لاحقًا؛ في رواية محدودة التفاصيل تستعيد خطاب “مفهوم ما قبل 7 أكتوبر”، وتُوظف للتشكيك في الاتفاقات والتسويات السياسية.
نشرت وسائل إعلام إسرائيلية، صباح اليوم، الإثنين، رواية أمنية غامضة تزعم أن جهات في إحدى دول المنطقة نصحت دولة أخرى بإبداء مرونة مؤقتة تجاه إسرائيل والتوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات معها، على أن يجري خرقه لاحقًا بعد استكمال الاستعدادات لمواجهة عسكرية أوسع.
وجاء التسريب متزامنًا في القناة 12 وهيئة البث العام الإسرائيلية (“كان 11”)، وبمعلومات محدودة للغاية، من دون كشف هوية الدولتين أو طبيعة الاتصالات أو موعدها أو مستوى الجهات المشاركة فيها، فيما قالت القناة 12 إن الرقابة العسكرية الإسرائيلية سمحت بنشر المعلومات “بعد أشهر” من منعها.
وبحسب هيئة البث، نصحت جهات في إحدى دول المنطقة مسؤولين في دولة أخرى بـ”إبداء مرونة تكتيكية والتوجه إلى اتفاق مع إسرائيل، بهدف تنويمها، بالتوازي مع الاستعداد لمواجهة أكبر ضدها”، مضيفة أن المطلوب هو “التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل من أجل خرقه لاحقًا”.
وربطت الهيئة الادعاء مباشرة بهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مستعيدة الخطاب الإسرائيلي عن “المفهوم الأمني” الذي سبق الهجوم، ومتسائلة عما إذا كانت إسرائيل “تقنع نفسها مجددًا بسراب” يتعلق باستعداد دول المنطقة للتقدم نحو التطبيع معها.
أما القناة 12، فقالت إن “إحدى الدول العربية توجهت إلى دولة صديقة لها واقترحت عليها: وقّعوا اتفاقًا مع إسرائيل الآن، وافتحوا حربًا معها عندما يصبح ذلك مناسبًا لكم”، مشيرة إلى أن الرقابة العسكرية تمنع نشر هوية الدولتين.
ويكشف الإطار الذي اختير لتقديم الرواية رسالتها الأساسية: التحذير من التعامل مع الاتفاقات والتهدئة بوصفها مؤشرًا إلى تغير حقيقي في نوايا دول المنطقة، وربط أي انفتاح سياسي محتمل مجددًا بـ”مفهوم ما قبل 7 أكتوبر”.
وفي الخلفية، ربطت القناة 12 التسريب بتشكل تحالفات إقليمية، مشيرة إلى الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، وإلى احتمال انضمام مصر إليه. لكنها نقلت في الوقت نفسه عن باحثين إسرائيليين متخصصين في الخليج أن التحالف “ليس ضد إسرائيل”، وإنما يهدف إلى تحسين الموقع الأمني والسياسي للدول المشاركة.
ويبرز هنا التناقض بين خلفية لا تشير إلى تكتل إقليمي موجه ضد إسرائيل، وبين تسريب أمني مجهول الأطراف يُقدَّم بوصفه تحذيرًا من أن اتفاقات سياسية محتملة قد تكون غطاءً لتحضير مواجهة مستقبلية.
ويكتسب التسريب، في السياق الإسرائيلي الداخلي، وظيفة سياسية واضحة في طريقة توظيفه. فالتسريب يسمح بإعادة تفسير عدم توسيع دائرة التطبيع أو عدم حسم ملفات إقليمية عالقة، ليس باعتباره إخفاقًا في استغلال التحولات الدولية والإقليمية، وإنما بوصفه خيارًا واعيًا بعدم العودة إلى “مفهوم ما قبل 7 أكتوبر” أو الركون إلى الاتفاقات والضمانات.
وبذلك، يُعاد تقديم إسرائيل باعتبارها محاطة ببيئة معادية حتى عندما تجري اتصالات سياسية معها، فيما تصبح القوة العسكرية والردع، وفق هذا الخطاب، الطريق الأكثر أمانًا لتحقيق المكاسب السياسية والأمنية.
ولا يمكن استبعاد أن يؤدي التسريب وظيفة مزدوجة: تمهيدية لتشدد أمني أو خطوة عسكرية لاحقة ضد دولة في المنطقة، وانتخابية تخدم خطاب اليمين المتطرف الذي يستدعي إخفاق 7 أكتوبر للتشكيك في الاتفاقات والتسويات، وتكريس القوة العسكرية باعتبارها المرجعية الأساسية في تعامل إسرائيل مع “محيطها المعادي”.
تعزز ردود الفعل السياسية السريعة على النشر هذه القراءة، إذ كان وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، من أوائل من وظفوا التسريب في الخطاب السياسي الداخلي، معتبرًا أن من راهن على “اتفاقات وضمانات” من دول المنطقة تلقى “صفعة مؤلمة”، وأن هذه الاتفاقات تقوم على “الكذب والخداع” وتهدف إلى “تنويم” إسرائيل قبل الضربة التالية.
وربط بن غفير التسريب مباشرة بخطاب اليمين بشأن إخفاقات ما قبل 7 أكتوبر، قائلاً إن موقفه الرافض لـ”الصفقات” و”وهم الهدوء” ثبتت صحته، قبل أن يخلص إلى أن “الرد الوحيد” هو “القوة والحزم والحسم المطلق”.
وانتقل بن غفير من ذلك مباشرة إلى الترويج لسياساته، مستعرضًا تشديد ظروف الأسرى الفلسطينيين، وتوسيع توزيع الأسلحة على الإسرائيليين، وتشكيل أكثر من ألف فرقة تأهب، في توظيف سياسي مباشر للتسريب ضمن خطابه الانتخابي.



