تسوية العفو بـ40 دقيقة: توزيع الغنـائم الطائفيّة!

تسوية العفو بـ40 دقيقة: توزيع الغنـائم الطائفيّة!
لم تشهد السنوات الطويلة التي أمضاها اقتراح قانون العفو العام في المطابخ السياسية، منذ كان سعد الحريري رئيساً للحكومة، المرونة التي طبعت الجلسة التشريعية صباح أمس. إذ لم يحتج إقراره أكثر من أربعين دقيقة، قبل أن يبدأ النواب السُّنة تبادل القُبل والتهاني، ثم يخرجوا إلى جمهورهم زافّين خبر إقفال ملف ما يُسمّى بـ«الموقوفين الإسلاميين»، المفتوح منذ أكثر من عشر سنوات.
وتعود هذه المرونة إلى الخلوات والاجتماعات التي جمعت المرجعيات السياسية والنواب على مدى أشهر طويلة، وأفضت إلى التسوية التي تقاسم عبرها زعماء الطوائف المغانم، لتوزيعها على «رعاياهم» واستثمارها سياسياً وانتخابياً.
وهذا ما كان يجري قبل أن ينخرط رئيس الحكومة نواف سلام هو الآخر في عملية «تقاسم الأرباح»، سعياً إلى كسب شعبية يفتقدها داخل الطائفة السُّنية. غير أن انخراطه، بحسب عدد من النواب، عقّد الأمور وأخّر إقرار قانون العفو، لافتين إلى أن التعديلات التي أُدخلت أمس هي نفسها التي كان النواب قد توافقوا عليها قبل أسابيع.
ويشير هؤلاء إلى أن رفع سلام سقف خلافه مع وزير الدفاع ميشال منسى صرف الاهتمام عن «القضية الأم»، أي العفو العام، وأدخله في موقع بات يصعب عليه «النزول عن الشجرة». وينطبق الأمر نفسه على إصرار رئيس الحكومة على إدراج المحكومين بأحكام غير مبرمة ضمن المادة الخامسة، التي تنص على إخلاء سبيل الموقوفين من دون محاكمة بعد انقضاء 14 عاماً على توقيفهم.
وفي هذه النقطة تحديداً، حاول عدد من النواب السُّنة إقناع سلام بأن إدراج هؤلاء ضمن المادة المذكورة يشكّل موضع خلاف بين النواب، نتيجة تحفّظ المؤسسة العسكرية عنها، محذّرين من أن الإصرار عليها قد يؤدي إلى نسف القانون وتضييع الفرصة التي انتظرها هؤلاء طويلاً. واقترحوا، في المقابل، خفض مدة التوقيف التي تتيح إخلاء سبيل الموقوفين من دون محاكمة من 14 عاماً إلى 12 عاماً. إلا أن محاولات النواب باءت بالفشل، وانفجرت الخلافات على باب المجلس النيابي، حيث علا الصراخ بين سلام ومنسى، وكانت النتيجة الحتمية: تطيير العفو العام في جلسة أول من أمس.
هذا الأمر أدركه سلام متأخراً، بعدما انسحب نواب كتلتي «لبنان القوي» و«الوفاء للمقاومة»، وفتحت أبواب النقاشات الجانبية. عندها اقتنع من النواب الذين تقدموا باقتراح القانون وشاركوا في مختلف الاجتماعات السابقة (نبيل بدر وبلال الحشيمي ووليد البعريني وعماد الحوت، قبل أن ينضم إليهم إيهاب مطر)، بالتراجع عن إصراره، تسهيلاً لإحالة اقتراح القانون على التصويت. كما جرى الاتفاق على الطلب من وزير الدفاع المشاركة في الجلسة التشريعية المقررة في اليوم التالي (أمس).
وزير الدفاع حضر… لم يحضر
وعلى هذا الأساس، تأخرت جلسة إقرار العفو العام أمس نحو عشرين دقيقة، عقد خلالها رئيس مجلس النواب نبيه بري خلوة مع سلام ومنسى، شارك في جانب منها نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، ورئيس تكتل «الجمهورية القوية» النائب جورج عدوان. إلا أن المفاجأة تمثلت في عدم دخول منسى إلى الجلسة التشريعية.
وتشير مصادر متابعة إلى أن الاتصالات بين المعنيين استمرت حتى فجر أمس، وتخلّلها تواصل مع جهات خارجية. وفي هذا السياق، طلب سلام خلال الخلوة من منسى الانضمام إلى الجلسة التشريعية من دون أن يتولى الكلام، باعتبار أن إلقاءه كلمة أمام النواب من شأنه أن «يكسر هيبة رئيس الحكومة». في المقابل، أصرّ منسى على أن يقترن حضوره بإلقائه كلمة باسم المؤسسة العسكرية، ما أعاد تعقيد الأمور وهدّد مجدداً بتطيير الجلسة التشريعية. عندها دخل بري على خط التهدئة، فاتصل بالعماد رودولف هيكل طالباً منه عدم إلقاء الكلمة، وتعهّد لسلام بتأمين النصاب وتسهيل التصويت على قانون العفو العام.
انسحاب «لبنان القوي» و«الوفاء للمقاومة»
وعليه، غادر منسّى مجلس النواب، لتبدأ جلسة الأمس على النحو الذي انتهت عليه جلسة أول من أمس، بوقوف النائب سليم عون وسؤاله: «أين وزير الدفاع؟». كما اعترض عدد من نواب تكتل «لبنان القوي»، مشددين على رفضهم تكريس هذه السابقة، قبل أن يعلنوا انسحابهم من الجلسة، علماً أن رئيس التكتل النائب جبران باسيل لم يدخل القاعة أصلاً.
لكن، خلافاً لما حصل في جلسة أول من أمس، لم ينسحب جميع النواب السابقين في تكتل «لبنان القوي»: سيمون أبي رميا، وآلان عون، وإبراهيم كنعان. فقد بقي عون جالساً إلى يسار بري، فيما تعمّد كنعان وأبي رميا الخروج بهدوء، كلٌّ من باب مختلف، قبل أن يعودا إلى القاعة بالهدوء نفسه بعد الانتهاء من بند العفو العام.
كما انسحب أيضاً نواب كتلة «الوفاء للمقاومة»، من دون إعلان ذلك رسمياً. وكان النائب حسين الحاج حسن قد ألقى كلمة في مستهل الجلسة، شدّد فيها على «رفض طريقة التعاطي مع وزير بمنعه تعسفياً من الكلام، حتى خارج مجلس النواب»، مضيفاً: «ما يحصل لا علاقة له بالقانون أو الدستور أو حتى الأعراف».
بدوره، سأل النائب جميل السيد عن مجريات الخلوة وما حصل فيها، بعدما كان بري قد أشار في بداية الجلسة إلى أن «الأمور إيجابية»، عقب اتصاله بقائد الجيش.
وهكذا، انسحب النواب المعترضون من دون أن يسأل أحد عمّا إذا كان النصاب داخل القاعة لا يزال مؤمّناً، تماماً كما لم يُعرف من رفع يده عند التصويت ومن لم يرفعها. فبعد كل بند، كان بري يردّد «صُدّق»، على وقع صوت مطرقته الخشبية.
وقبل التصويت، بادر عدد من النواب إلى طلب إدخال تعديلات على اقتراح القانون، من بينهم آلان عون، الذي طرح تعديلات تتصل بتلقي موظفين في القطاع العام رشى، ما استفز النائب بلال عبد الله، الذي سأل: «هل هناك اتفاق على السير بالقانون أم لا؟». ودفع ذلك بعض النواب إلى التراجع عن عدد من مطالبهم، والمضي في التصويت على اقتراح القانون بنداً بنداً، مع التعديلات المتفق عليها بشأن «الموقوفين الإسلاميين». وبعد دقائق، أُقرّ اقتراح القانون على وقع التصفيق داخل القاعة ورفع إشارات النصر.
ما هي الجرائم المستثناة؟
ينصّ القانون على عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، ويشمل الفاعلين والشركاء والمتدخلين والمحرِّضين والمخبِّئين، بما يؤدي إلى إسقاط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية، فضلاً عن إسقاط الملاحقات والأحكام والقرارات الصادرة في الجرائم المشمولة.
ويستثني عدداً من الجرائم، أبرزها تلك المحالة على المجلس العدلي، والقتل عمداً أو قصداً، والإرهاب بحق المدنيين والعسكريين والقوى الأمنية، والجرائم العسكرية المحددة في قانون القضاء العسكري، إضافة إلى الخيانة والتجسس والجرائم المرتبطة بالعدو الإسرائيلي. كما لا يشمل جنايات التكرار في جرائم المخدرات، وجرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر القوى الأمنية.
وأيضاً، يستثني الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة للدولة والبلديات والمشاعات والأملاك التابعة للمؤسسات العامة، فضلاً عن الجرائم الواقعة على المال العام وجرائم الفساد والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومخالفات قانون النقد والتسليف، ولا سيما الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المصرفية. كما يستثني الجرائم المتعلقة بالآثار والاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القاصرين والتعذيب والإخفاء القسري، إضافة إلى بعض جرائم السرقة المتكررة والجرائم البيئية.
في المقابل، يشمل القانون المحكومين الذين أنهوا مدة عقوبتهم وبقوا في السجن فقط بسبب عدم تسديد الغرامات، إذ يعفيهم من الغرامات والرسوم لإتاحة إخراجهم من السجن. كما يضع قاعدة استثنائية لتطبيق العقوبات في حال تعدد الجرائم، بحيث تُنفذ العقوبة الأشد، مع إمكانية الجمع ضمن سقف محدد، وهو عدم تجاوز أقصى عقوبة الجريمة الأشد، إلا بمقدار الربع. وكذلك، شمل جرائم زراعة المواد المخدرة.
وبالنسبة للمستفيدين من غير اللبنانيين، سيتم تسليمهم فور إخراجهم من السجن إلى المديرية العامة للأمن العام لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم. ولا تُرد الرسوم والتأمينات والغرامات التي سبق استيفاؤها، كما لا تُرد الأشياء الممنوعة قانوناً التي صودرت أو ضُبطت في الدعاوى المشمولة.
القانون يعمل به فور نشره في الجريدة الرسمية. وتبرر أسبابه الموجبة إقراره بمعالجة أزمة التأخير المزمن في المحاكمات وتراكم الملفات والاكتظاظ في السجون، وما ينتج من إطالة أمد التوقيف الاحتياطي وتحويله، في بعض الحالات، إلى عقوبة فعلية قبل صدور الحكم، مع التشديد على أن العفو العام إجراء استثنائي ومؤقت لا يشكل بديلاً عن إصلاح القضاء والسجون.
تعديلات السيّد
أصرّ النائب جميل السيد على إدخال تعديلات تخص بنود المحكومين بالمخدرات، وذلك بالتنسيق مع نواب البقاع، ولا سيما بعلبك – الهرمل، علماً أنه صوّت ضد إقرار العفو العام. وشملت هذه التعديلات:
* في المادة الثانية، البند 5:
– جنايات التكرار في جرائم المخدرات والتي تزيد عن المرة الثانية والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت أو لم تصدر بها أحكام قضائية.
– تعتبر جرائم زراعة المواد المخدّرة مشمولة، في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون.
(يذكر أن هذه المادة أخذت الكثير من الأخذ والرد في جلسات اللجان النيابية المشتركة، بعدما كانت جرائم الزراعة مستثناة من القانون).
* في المادة السادسة:
– في حال ارتكب المستفيد من هذا القانون جنحة خلال مدة 5 سنوات من تاريخ صدوره، تشدد عقوبته في الجرم الجديد وفقاً لأحكام المادة 257 من قانون العقوبات.
– أما في حال ارتكابه جناية خلال المدة نفسها أعلاه، فيسقط عنه العفو العام، وتستأنف عقوبته أو محاكمته من المرحلة التي كان فيها قبل صدور هذا القانون، إضافة إلى محاكمته بالجرم الجديد.
«القوات» والعملاء: انتصار بلا معنى!
سارع نواب تكتل «الجمهورية القوية» إلى زفّ خبر العفو عن المتهمين ممن يُطلق عليهم «المبعدون قسراً»، فيما وصلت الفرحة بالنائبة غادة أيوب إلى إعلان الانتصار، لأن هؤلاء لن يكونوا بحاجة إلى الاستغناء عن جنسيتهم الإسرائيلية!
يأتي ذلك بعدما طالبت النائبة بولا يعقوبيان بضرورة تخليهم عن جنسيتهم الإسرائيلية، وإلا ستتم ملاحقتهم في لبنان بحسب القوانين المرعية الإجراء. غير أن هذا الانتصار الذي تسابق نواب حزب «القوات اللبنانية» على إعلانه لا معنى له، على اعتبار أن القانون سبق وأُقرَّ في العام 2011 وحمل الرقم 194: «معالجة أوضاع المواطنين اللبنانين الذين لجأوا إلى الأراضي المحتلة» عقب انسحاب جيش العدو الإسرائيلي من الجنوب في العام 2000. ولكن بقي القانون غير قابل للتنفيذ لعدم صدور مراسيمه التطبيقية.
وكان الأمر قد طرح في نقاشات اللجان النيابية المشتركة في الأشهر الأخيرة. اقترح بعض النواب حينها ألّا يتم تشريع قانون جديد بوجود قانون مقر أصلاً، وإنّما الطلب من وزير العدل العمل على إصدار مراسيمه التطبيقية.
وعليه، يبدو أن نواب معراب إما أنهم لم يكونوا منتبهين في أثناء مداولات اللجان النيابية المشتركة، أو أنهم يريدون استثمار الأمر شعبياً فقط!
تعديلات «النواب السُّنة»
صوّت النواب أمس على تعديلات طالب بها النواب السُّنة، بهدف إنصاف ما يسمى بـ«الموقوفين الإسلاميين»، لتضاف إلى التعديلات التي أدخلت سابقاً بعد اجتماعات للجان النيابية المشتركة. وكان أبرزها:
– تخفيض عقوبة الأشغال الشاقة إلى 17 عاماً سجنيّة.
– في جرائم القتل العمد المقترنة أو المصاحبة بالظروف المشددة التالية: الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، إذا ارتكبها أحد الأصول أو الفروع أو من له سلطة أو ولاية أو وصاية على الضحية، إذا اقترنت بالتعذيب أو الوحشية أو التشويه أو الخطف، إذا ارتكبت في إطار الاغتيال السياسي، وكان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1 آذار 2026، فلا يستفيد المحكوم من التخفيض، إلا بعد إسقاط الحق الشخصي.
الاخبار اللبنانية





