فلسطين

تشغيل العمال الفلسطينيين بين الحسابات الأمنية الإسرائيلية والواقع الاقتصادي.. دعوات لإعادة النظر في سياسة المنع والإقصاء

تشغيل العمال الفلسطينيين بين الحسابات الأمنية الإسرائيلية والواقع الاقتصادي.. دعوات لإعادة النظر في سياسة المنع والإقصاء

تقرير: المحامي علي أبو حبلة

عاد ملف تشغيل العمال الفلسطينيين في إسرائيل إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، في ظل توجهات إسرائيلية جديدة تهدف إلى تقليص الاعتماد على العمال الفلسطينيين واستبدالهم بعمال أجانب، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وإنسانية وأمنية تتجاوز حدود سوق العمل، وتمس شريحة واسعة من الأسر الفلسطينية التي اعتمدت لعقود على العمل داخل إسرائيل كمصدر رئيسي للدخل.

وأفادت القناة 14 العبرية بأن وزير الاقتصاد والصناعة الإسرائيلي نير بركات يدفع باتجاه خطة تهدف إلى إنهاء الاعتماد على العمال الفلسطينيين، من خلال استقدام عشرات آلاف العمال الأجانب، حيث تتحدث الخطة عن إدخال نحو 50 ألف عامل من دول تصفها إسرائيل بـ”الصديقة”، ضمن رؤية تسعى إلى إعادة هيكلة سوق العمل الإسرائيلي وتقليل ارتباطه بالعمالة الفلسطينية.

وتأتي هذه التوجهات امتداداً لقرارات اتخذتها السلطات الإسرائيلية عقب أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أدت إلى تقليص كبير في أعداد تصاريح العمل الممنوحة للفلسطينيين، بعدما كان عدد العمال الفلسطينيين في السوق الإسرائيلية يقدّر قبل الحرب بنحو 150 ألف عامل، ليتراجع العدد إلى أقل من 20 ألف تصريح وفق تقارير إسرائيلية.

البعد الاقتصادي: سوقان مترابطان لا يمكن فصلهما

على مدى عقود، شكل العمال الفلسطينيون جزءاً مهماً من دورة الاقتصاد الإسرائيلي، خصوصاً في قطاعات البناء والزراعة والصناعة والخدمات، حيث اعتمدت قطاعات واسعة على خبراتهم وتكاليف تشغيلهم المنافسة.

وفي المقابل، مثّل العمل داخل إسرائيل رافداً اقتصادياً أساسياً للاقتصاد الفلسطيني، وساهم في توفير مصدر دخل لعشرات آلاف الأسر في الضفة الغربية، وساعد في تخفيف نسب البطالة وتحريك الأسواق المحلية.

ويرى خبراء اقتصاديون أن سياسة تقليص تشغيل الفلسطينيين لا يمكن النظر إليها باعتبارها قراراً إسرائيلياً داخلياً فقط، نظراً لحجم الترابط الاقتصادي بين الجانبين، خاصة في ظل سيطرة إسرائيل على العديد من مفاصل الاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك حركة التجارة والعمل والمعابر.

كما يحذر اقتصاديون من أن استمرار منع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى فرص العمل سيؤدي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية في الضفة الغربية، ورفع معدلات البطالة والفقر، الأمر الذي ستكون له انعكاسات اجتماعية واسعة.

البعد الإنساني: العمل حق وليس أداة للعقاب

يمثل ملف العمالة الفلسطينية قضية إنسانية قبل أن يكون قضية اقتصادية، فآلاف العمال فقدوا مصادر رزقهم نتيجة القرارات الإسرائيلية الأخيرة، ما انعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة أسرهم وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.

ويرى مراقبون أن استخدام العمل كوسيلة ضغط سياسية أو أمنية يفاقم الأوضاع الإنسانية، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، ويزيد من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي.

ويؤكد مختصون في القانون الدولي أن الحق في العمل يعد من الحقوق الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولية، وأن أي إجراءات تؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية للسكان المدنيين يجب أن تخضع لمعايير قانونية وإنسانية واضحة.

البعد القانوني الدولي: مسؤوليات القوة القائمة بالاحتلال

من منظور القانون الدولي، تثير سياسة منع العمال الفلسطينيين من العمل تساؤلات حول مسؤوليات إسرائيل باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال في الأراضي الفلسطينية.

وتلزم اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 سلطات الاحتلال بضمان رفاه السكان المدنيين والحفاظ على الظروف المعيشية الأساسية في الأراضي المحتلة، كما تؤكد قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان على الحق في العمل وسبل العيش الكريم.

ويرى قانونيون أن التحكم الإسرائيلي الواسع في حركة الأشخاص والبضائع والاقتصاد الفلسطيني يجعل من الصعب اعتبار ملف العمالة الفلسطينية شأناً داخلياً إسرائيلياً منفصلاً، بل هو جزء من منظومة علاقات اقتصادية وقانونية فرضها واقع الاحتلال.

البعد الأمني: هل يحقق المنع الاستقرار أم يزيد التوتر؟

تطرح إسرائيل مبررات أمنية لتقليص أعداد العمال الفلسطينيين، معتبرة أن تقليل الاعتماد عليهم يساهم في تعزيز الأمن وتقليل المخاطر.

إلا أن خبراء أمنيين واقتصاديين يشيرون إلى أن الأمن لا يتحقق فقط بالإجراءات الأمنية، بل يرتبط أيضاً بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأن تدهور الأوضاع المعيشية قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد من عوامل التوتر.

ويؤكد هؤلاء أن إيجاد بيئة اقتصادية مستقرة في الأراضي الفلسطينية يشكل عاملاً مهماً في تعزيز الأمن الإقليمي، وأن معالجة ملف العمالة تحتاج إلى مقاربة متوازنة تراعي الاعتبارات الأمنية دون الإضرار بالحقوق الاقتصادية للمدنيين.

دعوات لإعادة النظر في القرار

أمام هذه المعطيات، تتزايد الدعوات الفلسطينية والدولية لإعادة النظر في سياسة منع العمال الفلسطينيين من العمل، والبحث عن آليات تضمن تنظيم سوق العمل وفق معايير واضحة تحفظ حقوق العمال وتراعي المصالح الاقتصادية المشتركة.

ويرى مراقبون أن استبدال العمال الفلسطينيين بعمال أجانب قد لا يعالج جذور الإشكالية، بل قد ينقلها إلى مستوى آخر، في حين أن التعاون الاقتصادي المنظم وتوفير فرص العمل المستقرة يمثلان مدخلاً أكثر واقعية لتحقيق الاستقرار.

خلاصة

إن قضية تشغيل العمال الفلسطينيين ليست مجرد ملف اقتصادي عابر، بل هي قضية ترتبط بالأمن والاستقرار والحقوق الإنسانية والقانون الدولي. وبينما تسعى إسرائيل إلى إعادة صياغة سوق العمل لديها وفق اعتبارات أمنية واقتصادية، فإن استمرار سياسة الإقصاء قد يخلق تداعيات أوسع من حدود سوق العمل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم القرارات المتعلقة بالعمال الفلسطينيين، بعيداً عن منطق العقوبات والإبعاد، واعتماد مقاربة تقوم على احترام الحقوق الاقتصادية والإنسانية، باعتبار أن الاستقرار الاقتصادي يشكل ركناً أساسياً من أركان الأمن والسلام في المنطقة.

إعداد: المحامي علي أبو حبلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب