تشييع مليوني لخامنئي في طهران: النظام أكثر ثقةً بنفسه

تشييع مليوني لخامنئي في طهران: النظام أكثر ثقةً بنفسه
شكّل التشييع المليوني للمرشد الإيراني الشهيد علي خامنئي استعراضاً سياسياً وشعبياً لافتاً، عكس حجم الالتفاف الداخلي حول النظام، في وقت تخوض فيه طهران مواجهة مفتوحة مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
طهران | احتشد الملايين من مختلف أطياف الشعب الإيراني، أمس، على امتداد مسارٍ بلغ طوله 20 كيلومتراً، رابطاً شرق طهران بغربها، في وداعٍ تاريخي لجثمان قائدهم الشهید، آية الله علي خامنئي. وإذ مثّل هذا المشهد تجسيداً حيّاً لرسوخ دعائم الجمهورية الإسلامية، فهو أنبأ بازدياد ثقة النظام بنفسه، وتعزّز قدرته على إدارة المرحلة المقبلة في ظلّ ضغوط المواجهة والمفاوضات مع الولايات المتحدة، ووسط التهديدات الإسرائيلية المستمرّة.
وبدأت، منذ ساعات الصباح الأولى، مراسم تشييع جثامين خامنئي وعددٍ من أفراد عائلته الذين استُشهدوا قبل أربعة أشهر في العدوان الأميركي – الإسرائيلي. وبدت المراسم الجنائزية متّقدةً بالروح الوطنية، وكأن الحرب التي فُرضت على إيران منذ 28 شباط، بكلّ ما حملته من آلام وتضحيات، ضخّت دماءً جديدة في عروق الإيرانيين. هكذا، امتزج في أعين الحشود الحزن بالفخر، لتبدو الرسالة واضحة: الصمود الاستثنائي أمام الهجمات المركّبة للعدو، وإفشال مخطّطات تقويض النظام وتغيير المعادلات الإقليمية، هما الإرث المتجذّر الذي تركه القائد الشهيد.
وتحوّل مسار التشييع، من تقاطع طهران – بارس شرقاً، وصولاً إلى ساحة آزادي غرباً، إلى بحر بشري هائج. وبدا هذا الطريق شرياناً نابضاً بتاريخ إيران المعاصر؛ حيث اكتظّت كلّ زاوية بحشود متنوعة: من عمّال المصانع إلى أساتذة الجامعات، ومن تجار البازار القدامى إلى جيل الشباب الجديد، ومن النساء بالعباءات التقليدية إلى الشباب بالهندام العصري. ووسط أمواج البشر هذه، كانت عربة الجثمان تشقّ طريقها بصعوبة بالغة، حتى أنها كانت تتوقّف لدقائق طويلة يستغلّها المشيّعون في التشبّع من قائدهم في يومه الأخير في العاصمة، وسط النحيب ودموع الحزن.
على أن الزحف الجماهيري لم يقتصر على أهالي طهران، بل توافدت حشود غفيرة من سائر المدن الإيرانية، فيما رُفعت إلى جانب العلم الإيراني، الرايات الحمراء التي خُطّت عليها عبارة «يا لثارات الحسين» بخطّ عريض أبيض، في ما يرمز إلى الثأر والانتقام، اللذَين تستمدّ المطالبة بهما قوتها من جذور عقائدية وتاريخية عميقة، يبدو واضحاً أنها تجدّدت بدم الشهيد. وإلى جانب تلك الرايات، رُفعت شعارات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، فيما حمل المشاركون صوراً لدونالد ترامب مشطوبة بخطوط حمراء، كُتب تحتها: «الثأر لدم القائد هو قتل ترامب».
يشكّل استعراض القوة الشعبية ورقة ضغط خفية في أيدي الوفد المفاوض الإيراني
ورغم هذا الحشد المليوني غير المسبوق، اتّسمت المراسم بتنظيم لافت؛ حيث عملت قوى الأمن و«الباسيج» بأقصى طاقتها لتأمين مسار الحشود، في حين لم تُسجَّل أيّ حوادث تدافع تُذكر، وهو ما يعكس دقة التحكّم في الميدان. ومع غياب الشمس في الأفق الغربي لطهران، استمرّ التشييع حتى ساعات المساء الأخيرة، مخلّفاً وراءه أجساداً منهكة لكنها مصمّمة، بعد 12 ساعة من الوقوف والمسير. على أن الرحلة لم تنتهِ بعد؛ فاليوم، تستقبل مدينة قم الجثامين، لتنتقل بعدها الأربعاء في رحلة عابرة للحدود وغير مسبوقة إلى العراق، حيث تُجرى مراسم تشييع مهيبة في مدينتَي النجف وكربلاء، بجوار مرقدَي الإمام علي والإمام الحسين، بمشاركة الشيعة العراقيين والزوار الدوليين. وفي ختام هذه الرحلة، الخميس، ستصل الجثامين إلى مشهد، حيث ستوارى الثرى بجوار مرقد الإمام الرضا.
هكذا، بدت مراسم التشييع، بمثابة استعراض غير مسبوق للقوة. ففي وقت راهنت فيه وسائل الإعلام الغربية، على مدى أشهر، على تضخيم الانقسامات المجتمعية وتآكل قاعدة النظام، جاء هذا الحشد ليؤكد أن الجمهورية الإسلامية لا تزال تمتلك قاعدة صلبة في عمق المجتمع الإيراني، وأن الحرب الأخيرة جاءت -خلافاً لما أراده مطلقوها- لتعزّز التلاحم الوطني في مواجهة العدو الخارجي، وتسهم في تسكين الكثير من الخلافات السياسية والمجتمعية.
ومن منظور استراتيجي، فإن أحد أهم التحولات التي راهن عليها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو منذ الساعات الأولى لحرب 28 شباط، كان استلام المعارضة الداخلية زمام المبادرة في الشوارع، بالتزامن مع الاغتيالات النوعية، وتدمير المنشآت العسكرية، بما يمهّد لانهيار تدريجي للسلطة. لكن الواقع الميداني أفرز نقيض هذا السيناريو تماماً؛ فمنذ لحظات الحرب الأولى، ولا سيما عقب اغتيال خامنئي، زادت أطياف الشعب من حضورها في الميادين، ولم تكتفِ بدعم النظام، بل رسمت بوضوح -عبر شعاراتها المناهضة لأميركا والصهيونية- خطوطاً حمراً تجاه العدو الخارجي. وقد أثبتت التجمعات الليلية التي استمرّت طوال الأشهر الأربعة الماضية، حتى بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار، أن الحرب تحوّلت إلى عامل تضامن وطني وتعزيز للوفاق السياسي حول النظام -بدلاً من إضعاف الإرادة العامة-، وهذا ما يُعرف بظاهرة «الالتفاف حول العلم» التي تجذّرت في إيران بارتباطها العميق بالأبعاد العقائدية والتاريخية، الأمر الذي يجعل أيّ رهان للعدو على تغيير النظام عبر الضغوط الخارجية أمراً بلا جدوى.
بناءً على ما تقدّم، فإن الحضور المليوني في مراسم تشييع خامنئي، سيعزّز بلا شك من ثقة النظام بنفسه إلى أقصى مستوياتها. وتكتسب هذه الثقة المتجدّدة أهميتها في ظل الظروف الإقليمية الهشة الراهنة؛ إذ إن اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، ورغم أنه أفضى إلى مذكرة تفاهم بوساطة دولیة في 18 حزيران، لا يزال بعيداً عن بلوغ مرحلة الاتفاق النهائي، فيما ولّدت الخلافات بين الطرفَين حول آليات تنفيذ الالتزامات -من جدول رفع العقوبات إلى سقف التخصيب- مآزق جديّة. وفي هذا المناخ، يشكّل استعراض القوة الشعبية ورقة ضغط خفية، لكنها فاعلة، في أيدي الوفد المفاوض الإيراني، بما يعزّز موقفه في مواجهة الإملاءات والأطماع الأميركية.
الاخبار اللبنانية





