تصريحات اشتية بين السياق السياسي ومسؤولية الخطاب الوطني

تصريحات اشتية بين السياق السياسي ومسؤولية الخطاب الوطني
بقلم:رئيس التحرير
أثارت التصريحات المنسوبة إلى الدكتور محمد اشتية، رئيس الوزراء الفلسطيني السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، خلال مشاركته في مناظرة بجامعة أكسفورد، نقاشاً سياسياً وإعلامياً واسعاً، خصوصاً ما تعلق منها بسوريا والرئيس أحمد الشرع والعلاقات السورية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
والقراءة الموضوعية تقتضي الفصل بين تصريح سياسي قيل في سياق معين، وبين الشعب الفلسطيني وموقفه الوطني العام. فلا يجوز تحميل الشعب الفلسطيني مسؤولية تصريحات فردية، ولا اعتبارها تعبيراً عن الموقف الرسمي الفلسطيني، خصوصاً أن الرئاسة الفلسطينية أعلنت أن التصريحات المتداولة بشأن سوريا «مرفوضة جملة وتفصيلاً»، ولا تمثل الموقف الرسمي الفلسطيني، مؤكدة عمق العلاقات بين الشعبين الفلسطيني والسوري. (wafa.ps)
ومن النقاط التي أثارت الانتباه الإشارة إلى «شرم الشيخ» في سياق كان المقصود فيه، بحسب التغطيات، «جبل الشيخ». والفارق جوهري؛ فشرم الشيخ مدينة مصرية في جنوب سيناء، بينما يرتبط جبل الشيخ بالجبهة السورية وبمنطقة الجولان.
وهنا تصبح الدقة الجغرافية جزءاً من المسؤولية السياسية، خصوصاً أن الجولان أرض سورية محتلة وفق الموقف الدولي. فقد أكد مجلس الأمن في القرار 497 لعام 1981 أن فرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل لاغٍ وباطل ولا أثر قانونياً دولياً له. (un.org)
ومن المهم التأكيد أن رفض الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية لا يعني التدخل في الشأن السوري الداخلي. فالموقف الفلسطيني يستطيع أن يكون واضحاً في رفض الاحتلال وانتهاك السيادة السورية، مع احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها وخيارات شعبها.
أما استخدام التعبيرات المجازية في توصيف علاقات الدول، فقد يؤدي إلى التباس عندما ينتقل الحديث من منبر أكاديمي إلى وسائل الإعلام والرأي العام. لذلك فإن المسؤولية السياسية تقتضي الدقة في المصطلحات، خاصة عندما يصدر الكلام عن شخصية شغلت موقع رئيس الوزراء وتحتل موقعاً قيادياً في حركة فتح.
والجانب الأكثر حساسية هو الفلسطينيون في سوريا. هؤلاء ليسوا طرفاً في أي سجال سياسي، ولا يجوز أن يتحملوا نتائج تصريح صدر عن مسؤول أو قيادي فلسطيني. لقد عانى الفلسطينيون في سوريا سنوات من النزوح والدمار وعدم الاستقرار، ومن ثم يجب أن تكون سلامتهم وكرامتهم ومصالحهم جزءاً أساسياً من الحسابات السياسية الفلسطينية.
إن استقلال القرار الفلسطيني لا يتعارض مع احترام سيادة الدول العربية، بل يقتضي الحفاظ على علاقات متوازنة معها. وفلسطين بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويركز على الاحتلال والاستيطان والحقوق الوطنية، ولا يفتح سجالات جانبية مع الأشقاء.
الدرس الاستراتيجي هنا واضح: الشعب الفلسطيني أكبر من تصريح، ولا يجوز إشراكه في موقف لم يتخذه، ولا تحميل الفلسطينيين في سوريا تبعات تصريحات فردية قد تكون فُهمت خطأ أو جاءت في سياق غير موفق.
فالقوة السياسية ليست في حدة العبارة، وإنما في دقة الموقف وحسن اختيار الكلمات والتوقيت.
وفلسطين أحوج ما تكون اليوم إلى دبلوماسية هادئة ومسؤولة تحمي مصالحها، وتحافظ على علاقاتها العربية، وتؤكد احترام سيادة الدول، وتعيد توجيه البوصلة دائماً نحو القضية المركزية: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، حماية الشعب الفلسطيني، وتثبيت حقوقه الوطنية المشروعة
