تعليق المهل القانونية في فلسطين خلال الحرب… ضرورة دستورية لحماية الحق في السكن ومنع التشريد

تعليق المهل القانونية في فلسطين خلال الحرب… ضرورة دستورية لحماية الحق في السكن ومنع التشريد
المحامي علي ابوحبله
تواجه فلسطين منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 ظروفاً استثنائية فرضتها الحرب الإسرائيلية، تمثلت في التدمير الواسع، والتهجير القسري، والاجتياحات، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والإغلاقات، ومنع عشرات الآلاف من العمال من الوصول إلى أعمالهم، إلى جانب أزمة المقاصة وتأخر الرواتب والانكماش الاقتصادي. وقد أوجدت هذه الوقائع حالة من القوة القاهرة جعلت آلاف الأسر عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها بدلات الإيجار.
في مثل هذه الظروف، لا يجوز أن تُطبَّق النصوص القانونية بمعزل عن الواقع، لأن وظيفة القانون تحقيق العدالة وحماية الإنسان، لا مضاعفة معاناته. وقد استقرت الأنظمة القانونية المقارنة على تعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية أثناء الحروب والكوارث، حفاظاً على الحقوق ومنعاً لسقوطها بسبب ظروف خارجة عن الإرادة.
إن الحق في السكن حق إنساني أصيل كفلته المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما ينسجم مع مبادئ القانون الأساسي الفلسطيني التي تحمي الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. ومن ثم، فإن إصدار أحكام بالإخلاء أو تنفيذها بحق مستأجرين فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب يتعارض مع فلسفة العدالة وروح القانون.
وفي المقابل، فإن حماية المستأجرين لا تعني الانتقاص من حق الملكية الخاصة، إذ يعتمد كثير من المؤجرين على دخل الإيجارات لتأمين معيشتهم. لذلك فإن مسؤولية الدولة تكمن في تحقيق التوازن بين الطرفين من خلال تدخل تشريعي ومالي يوزع آثار الأزمة بصورة عادلة، بدلاً من تحميلها لفئة واحدة.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إصدار مرسوم بقانون يتضمن تعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية طوال فترة الحرب والطوارئ، ووقف تنفيذ أحكام الإخلاء المتعلقة بالمساكن، وتعليق دعاوى فسخ عقود الإيجار الناشئة عن عدم السداد بسبب القوة القاهرة، ومنح المحاكم سلطة تقديرية لمراعاة الظروف الإنسانية، وإنشاء صندوق لتعويض المالكين المتضررين، إضافة إلى تجميد الزيادات غير المبررة على بدلات الإيجار وتشجيع التسويات والوساطة.
غير أن هذه الإجراءات، على أهميتها، يجب أن تكون مدخلاً لإصلاح تشريعي أشمل يعالج الخلل في السياسة الإسكانية، وينظم سوق الإيجارات، ويمنع الاستغلال في أوقات الأزمات، بما يحقق التوازن بين حق الملكية والحق في السكن.
إن إصدار مرسوم بقانون لتعليق المهل القانونية لم يعد خياراً تشريعياً، بل ضرورة دستورية ووطنية وإنسانية تفرضها مبادئ العدالة وأحكام القانون الأساسي الفلسطيني والتزامات دولة فلسطين بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. فحماية المواطن من الإخلاء والتشرد في زمن الحرب ليست انتقاصاً من سيادة القانون، بل هي التطبيق الحقيقي لرسالته في صون الكرامة الإنسانية وحماية الاستقرار المجتمعي.

