تقديم ندوة “ميشال عفلق بين نصَّيْن” للدكتور عبده شحيتلي.-طليعة لبنان –
الرفاقُ والأصدقاء أهلاً بكم
كثيرةٌ هي الأسبابُ التي تستدعي الحديثَ عن ميشيل عفلق، وكثيرةٌ هي العناوينُ التي تصلحُ لأن تكونَ موضوعاتٍ للبحثِ والنقاش.
شاءت الأقدارُ أن تُلقيَ بعفلقَ إلى الوجودِ في مرحلةٍ ومحطّةٍ مفصليّةٍ من تاريخ العرب هي من أحرج المحطات: محطةُ خروجِ العربِ من تحتِ الحُكمِ العثماني الذي استمرَّ لأربعةِ قرونٍ طويلة، والدخولِ في ظلِّ وصايةِ الدولِ الأوروبيَّةِ المنتصرةِ في الحربِ الكونيّةِ الأولى، دون أن تكون لديهم (أي لدى العرب) سلطةٌ سياسيَّةٌ تُديرُ البلاد، ودون أن تكون لديهم حدودٌ واضحةٌ لكيانٍ سياسيٍّ أو كياناتٍ سياسيةٍ ناجزة. كان العربُ يشعرون أنهم عرب، وأنّ البلادَ بلادُهم، فكان يأتي الحاكمُ من الحجاز ليحكمَ العراقَ أو الأردنَّ أو سوريَّةَ ما إن يُفرِجُ الانتدابُ عن الولايات التي انتُدب عليها.. بينما كانت الدولُ المنتدَبةُ تعيد رسم الخرائط وحدودِ الكياناتِ السياسيَّةِ بما يتناسبَ مع مصالحِها بالتنافسِ أو بالتفاهم.
في مثل هذه الظروفِ التاريخيَّةِ والسياسيَّةِ وَجدَ ميشيل عفلق الشابُّ نفسَه، في محطّةٍ، هي محطَّةُ الانتقالِ من قرونِ التبعيَّةِ للدولة العثمانيَّةِ إلى الاستقلال، مروراً بمرحلة الانتدابِ الذي كان يصوغ الحدودَ والكياناتِ السياسيةَ على مقاساتِ مصالحِه، بينما لم يكن لدى العربِ إلا واقعٌ مشوَّشٌ يسوده القلقُ، وانتظارُ غدٍ يتأرجح ما بين الأملِ والتوجّسِ من المجهول.
كانت المنطقةُ على مفترقِ احتمالاتٍ كثيرةٍ وغيرِ واضحةٍ، لكن ما كان يغلب على وعيِ الناسِ هو تبلوُرُ الشعورِ بهويتهمُ القوميَّةِ، وطموحٌ بغدٍ يتجاوزُ حالةَ التخلُّفِ والفقرِ والتبعيّة.
هذا المناخُ العامُّ كان مناسباً تماماً لانتشارِ المشاعرِ المؤيِّدَةِ لقيامِ كيانٍ سياسيٍّ يوحِّدُ العربَ ويتجاوزُ محاولاتِ رسمِ حدودٍ لكياناتٍ سياسيَّةٍ ترسمُها الدولُ المُنتدَبة للمنطقة. وهذا ما سيعملُ ميشيلُ عفلق على تحويلِه من مجرَّدِ مشاعرَ ورأيٍ عامٍّ إلى مشروعٍ فكريٍّ وسياسيٍّ وخلقِ الأداةِ الحزبيَّةِ التي تتبنّى أهدافَه وتعملُ على تحقيقِها.
النقلةُ الثانيةُ في مسيرةِ عفلقَ كانت خلالَ مرحلةِ دراستِه الجامعيَّةِ في فرنسا.
في فرنسا يجدُ المهتَمُّ كلَّ ما يرغبُ به لإشباع اهتماماتِه.
ولأنّ اهتماماتِ عفلقَ كانت جِدّيةً وكبيرةً، فقد انغمس في أنواعٍ متعدِّدةٍ من الأنشطة في آن.
يحقُّ لنا أن نفترضَ أنَّ عفلقَ قد أحسَّ بعروبتِه في فرنسا أكثرَ مما أحسَّ بها في دمشق. وهذا شعور يعرفه كلُّ عربيٍّ يسافرُ إلى بلادٍ أجنبيَّة.
وفي فرنسا يتمُّ التعاملُ معه كونَه عربياً أولاً، كما يتمُّ التعاملُ مع التونسيِّ أو الجزائريِّ أو المغربيِّ أو المصريّ، على أنَّهم عربٌ أوَّلاً وقبلَ النظرِ إلى هُويّتِهم الوطنيَّة.
ولا شكَّ أنَّ إقامةَ عفلقَ في فرنسا قد أتاحت له فرصةَ التواصلِ والتفاعلِ مع الطلبةِ العربِ من الأقطارِ الأخرى، والتعرّفَ على خصوصيّاتِ تلك الأقطارِ والمشاكلِ التي تعاني منها، وهو ما سيظهرُ أثرُه في كتاباتِه وحواراتِه حول تلك الخصوصياتِ وتلك المشاكل.
إضافةً إلى الدراسةِ الأكاديميَّةِ، فقد أتاحَت اهتماماتُ ميشيل عفلق له بالتعرُّفِ على أساطينِ الفكرِ والأدبِ والفلسفةِ في العاصمةِ الفرنسيّة، من أمثال أندريه جِيد وهنري برغسون ونيتشه، وقد ظهر أثرُ تفاعلِه مع تلك الشخصياتِ في كتاباتِه اللاحقةِ، الأدبيَّةِ بدايةً، ثم الفكرِيَّةِ والسياسيَّةِ لاحقاً.
لكنَّ تفاعلَ عفلقَ مع المناخِ الفكريِّ في فرنسا لم يدفعه إلى الانبهارِ والبحثِ عن انتماءٍ بديلٍ أو هُويَّةٍ بديلة، بل هو وظَّفَ تلك الأفكارَ والمناهجَ التي تفاعلَ معها في قراءتِه التاريخَ العربيَّ وفي استشرافِ المستقبلِ الذي يحقِّقُ إمكاناتِ العربِ الكامنةِ وتحيِيدِ المعوِّقاتِ التي تُعطِّلُ تلك الإمكانات.
وإذا كانت المسِيرةُ العفلقيَّةُ وما ارتَبط بها جديرةٌ بالمراجعةِ المُنصِفةِ والنقديَّةِ، بالبحث في نقاط القوَّةِ ونقاطِ الضعفِ أو القصور. ما قدَّمَتْهُ وما عجزت عن تقديمِه أو الذي مازال في الإمكان أو الواجبُ تقديمُه اليوم، من الإرثِ الفكريِّ إلى التجربةِ الحزبيَّةِ المنضويةِ تحتَ رايةِ الشرعيَّةِ الحزبيَّةِ أو الخارجةِ عن تلك الشرعيَّةِ، إلى تجربةِ الحزبِ في السُلطةِ وطبيعةِ العلاقةِ بين الحزبِ والسُلطةِ في تلك التجربة، فإنَّ ما نحن بصددِه الآن يرتبطُ بتسليطِ الضوءِ على النصوصِ العفلقيَّةِ نفسِها، التي هي مثلُ كلِّ النصوصِ الهامَّةِ تَقبلُ أكثرَ من قراءةٍ ومستوياتٍ متعددةً من الفهم وقابلةٌ للتأويل.
وما يساعدُ في تسليطِ الضوءِ على تلك النصوصِ هو فهمُ الخلفيَّةِ الثقافيَّةِ أو الاختمارِ الثقافيِّ الذي ساهمَ في إنتاجِ تلك النصوصِ وفي المحمولاتِ الفكريَّةِ لمفاهيمِها.
يبدو لي أنّ الدكتور عبده من أهم من يتنكّبُ لهذه المهمَّة. فهو الحزبيُّ المطّلعُ على نصوصِ الأستاذِ ميشيل عفلق، وهو الأكاديميُّ وأستاذُ الفلسفةِ المطَّلعُ والباحثُ في الفكر الغربيِّ الحديثِ والمعاصر، وله اطلاعٌ عميقٌ وواسعٌ على فلسفةِ برغسون الذي تأثر به عفلقُ خلال مرحلتِه الباريسيةِ، وربما رافقه هذا التأثُّرُ بقيَّةَ حياتِه.
لنستمعْ إلى الدكتور عبده في محاضرته عن الموضوع. تليها مداخلاتُ وأسئلةُ الحضور. فليتفضّل.
محمد الحجيري
صيدا في 27 تموز 2025




