تحقيقات وتقارير

تكتّل عربي – إسلامي ضد الحرب على إيران… أو أبعد من ذلك؟

تكتّل عربي – إسلامي ضد الحرب على إيران… أو أبعد من ذلك؟

وائل الحجار

: على الرغم من الإشارات المتضاربة بشأن حقيقة القرار الأمريكي بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، فإن المواقف التي عبّرت عنها دول المنطقة من جنوب آسيا إلى آسيا الوسطى، مروراً بالخليج العربي، كشفت عن مشهد يشي بسياسات مختلفة عما تسعى إليه دوائر في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وحلفاؤها.
فالفوضى التي تخشى منها دول عربية وخليجية وإسلامية في مواجهة نزعة توسعية إسرائيلية باتت وصفة جاهزة لزعزعة الاستقرار في دول عدّة، قد تكون دافعا لعدد من الدول الأساسية في هذا المشهد إلى بلورة تحرّك منسّق، كان عنوانه الأبرز معارضة ضربة عسكرية على إيران، لكنه يتشابك مع ملفّات ساخنة من السودان إلى اليمن والصومال، وفلسطين وسوريا.
وإذا كان من المبكّر الحديث عن تكتّل عربي – إسلامي يسعى إلى لعب دور فعّال في المنطقة، وعدم تركها لتحالف متهوّر بين إدارة دونالد ترامب وائتلاف «الليكود» – «الصهيونية الدينية» في إسرائيل، فإن مؤشرات برزت على حراك جدّي يسعى للتأثير في القرار الأمريكي أولاً، ولتحصين المنطقة من مغامرات قد تدفع المنطقة إلى مآلات خطرة على استقرارها.
هذا قد يكون عنوان المشهد الذي أفضى حتى اللحظة إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتأجيل الهجوم العسكري على إيران.
لكن ترامب، الذي شرح الجمعة خلفيات قراره، حرص جدّا على نفي تقارير أفادت بأن قادة عرباً – وإسرائيليين – أقنعوه بعدم توجيه ضربة عسكرية إلى إيران رداً على ما شهدته البلاد من قتل متظاهرين مناهضين للنظام، مبرّرا ذلك بأن إيران ألغت بالفعل عمليات شنق لـ800 مواطن.
أمّا في إسرائيل، فكان الحديث، حسبما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلاً عن مسؤول أمريكي، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب أيضاً من ترامب تأجيل أي ضربة محتملة لإتاحة الوقت لإسرائيل من أجل تعزيز قدراتها الدفاعية.
لكن دولاً عربية وإسلامية كانت تدفع باتجاه آخر، واستناداً إلى رؤية تتخطى القلق من احتمال توجيه إيران ضربات انتقامية على القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج، وإن كان هذا عنصر مهمّ في مخاوفها.
فقد تحدّثت تقارير متطابقة عن أن السعودية مارست ضغوطاً على الإدارة الأمريكية لحثّها على الامتناع عن توجيه ضربة لإيران، بموازاة دفع من قطر وسلطنة عُمان باتجاه حل دبلوماسي يقوم على حوار بين طهران وواشنطن.
ونقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤول خليجي أن أربع دول عربية أجرت خلال الأسبوع المنصرم تحركات دبلوماسية مكثفة مع الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لمنع هجوم أمريكي كان مُهدَّداً ضد إيران، وهي خطوة خشيت هذه الدول أن تكون لها تداعيات تمتد إلى مختلف أنحاء المنطقة.
وأوضح المسؤول أن السعودية وقطر وسلطنة عُمان ومصر شاركت في هذه الجهود الدبلوماسية، وأبلغت واشنطن بأن أي هجوم ستكون له تبعات أمنية واقتصادية على المنطقة بأسرها، وهو ما سينعكس في نهاية المطاف على الولايات المتحدة نفسها.
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية نقلت عن مسؤولين سعوديين قولهم إن الرياض أبلغت طهران بأنها ستبقى على الحياد في أي صراع محتمل، ولن تسمح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ ضربات، في محاولة لتجنب الانجرار إلى مواجهة تقودها واشنطن.
وحسب التقرير، حذّرت دول الخليج أيضاً الولايات المتحدة من السعي إلى تغيير النظام في طهران، مؤكدة أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.
ولم يكن هذا دعما للنظام الإيراني المتّهم بزعزعة استقرار الدول العربية على مدى السنوات الماضية، بقدر ما يتجاوز ذلك إلى قلق عميق من انعكاسات حرب قد تفتح على احتمالات أخطر من الواقع الحالي.
وترى مجموعة الأزمات الدولية في تحليل أخير نشرته أن هذه المخاطر والتكاليف بشأن الاستقرار في المنطقة قد تكون أقل إزعاجاً لإسرائيل، التي قد تفضّل رؤية إيران ضعيفة وفوضوية بدلاً من أن تُدار من قبل نظام معادٍ، وتشير في الوقت نفسه إلى أن مثل هذه السيناريوهات تثير قلق عواصم الخليج العربية، ولا تخدم المصالح الأمريكية على نحو جيد.
أما صحيفة «ذي إيكونوميست» فترى أن هذه الدول تخشى أن يؤدي أي عمل عسكري أمريكي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط ويُلحق أضراراً باقتصادات الخليج المعتمدة على النفط والاستثمار.
وتقول الصحيفة إن السعوديين أمضوا معظم هذا القرن في التعامل مع تداعيات انهيار الدولة في العراق بعد الغزو الأمريكي، ثم في سوريا خلال حرب أهلية طويلة، فضلاً عن أنهم يواجهون حرباً أهلية في اليمن المجاور، وأخرى في السودان، وآخر ما يرغبون فيه هو انهيار الدولة في إيران، البلد الذي يضم 92 مليون نسمة ويقع على بعد 200 كيلومتر فقط عبر المياه.
فاللاجئون مصدر قلق، وكذلك الأسلحة، وإيران مجزّأة قد تفقد السيطرة على ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ناهيك عن آلاف الكيلوغرامات من اليورانيوم التي لا يزال مصيرها مجهولاً بعد الحرب.

تركيا

في تركيا مخاوف أيضا. فصحيح أن أنقرة حافظت دائماً على قنوات مفتوحة مع طهران، لكن مساحات الاشتباك كانت خلال العقد الأخير مضبوطة بقواعد تحرص الدبلوماسية التركية على اعتمادها في كل نهجها، أي المزج بين الردع ـ القوّة، والحوار – الدبلوماسية. وهذا تحديداً ما طبقته في سوريا على الرغم من تعارض المصالح، ووقفت على نقيض الموقف الإيراني في حرب قره باغ الأخيرة داعمة حليفتها أذربيجان، وضربت الشبكات الإيرانية الأمنية على الأراضي التّركية من حين إلى آخر، ونظرت بتوجّس غير علنيّ للعلاقات المعقّدة بين «قنديل» والنظام الإيراني، ولنشاطه في العراق، وصلاته مع ميليشيات محسوبة على إيران.
وفي الوقت نفسه، حافظت تركيا على علاقات وثيقة مع إيران وأنجزت معها تسويات.
لكنّها اليوم تبدي معارضة حازمة لأي مغامرة أمريكية – إسرائيلية بشكل خاص ضد إيران. فلهذا البلد حدود تمتد على أكثر من 530 كيلومتراً مع إيران. وإيران هي إحدى بوابات تدفّق اللاجئين إلى تركيا، وأيّ زعزعة للاستقرار فيها قد يدفع بموجات لجوء إضافية، فيما تشكّل قضايا اللاجئين الشّغل الشاغل في السياسات الداخلية التركية.
فضلاً عن أن تركيا تنظر بتوجّس كبير إلى السياسات الإسرائيلية التي تشعل الحرائق في أكثر من بلد، وخصوصاً في سوريا، من خلال حلفائها المحليين، سواء عبر دعم الحراك الانفصالي الدّرزي جنوب سوريا، أو دعم «قوات سوريا الديمقراطية» الذي تعدّه أنقرة الواجهة السورية لحزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً في تركيا، (وفي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة).
وقد عبّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان علناً عن موقف تركيا هذا الأسبوع بتأكيده أن أنقرة تعارض أي عملية عسكرية ضد إيران، وأن القضايا الداخلية الإيرانية يجب أن تُحل من قبل الإيرانيين أنفسهم، في حين أن أي ضربات خارجية من شأنها زيادة حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وردد متحدثون باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، ومن بينهم عمر تشليك، الموقف نفسه، محذّرين من أن أي تدخل خارجي قد يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار في إيران وفي المنطقة الأوسع.
ويذهب دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية الشريك في الائتلاف الحكومي، أبعد من ذلك بتحذيره من أن «عدم استقرار إيران مسألة حياة أو موت بالنسبة لتركيا».
وتسعى تركيا إلى لعب دور وسيط في هذا النزاع، وهو ما عبّرت عنه مقالة نشرتها صحيفة «دايلي صباح» القريبة من السلطات بحديثها عن «دبلوماسية السلام» التركية.
وحسب الصحيفة، تواصلت أنقرة بالفعل مع الإيرانيين والأمريكيين في مسعى لخفض حدة التوتر.
ويرى مصطفى جانير، الباحث في مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية «سيتا»، القريبة من دوائر القرار في تركيا، في مقال نشرته الصحيفة نفسها، أن لا أحد في المنطقة باستثناء إسرائيل يرغب في رؤية إيران منهارة، وأن ما تحتاجه المنطقة اليوم هو الاستقرار والأمن. ويقول إنه عبر هذا المنظور ينبغي قراءة الصمت الإقليمي حيال الاحتجاجات في إيران، وكذلك الدعم الضمني لاستمرار الدولة الإيرانية.
ويتطرق الباحث إلى ملفات الصراع في المنطقة وموقف كل من إسرائيل وإيران منها، مشيراً إلى التهديد الذي تشكله إسرائيل التي «باتت المصدر الأهم لعدم الاستقرار الإقليمي».
كما يشير إلى دور إسرائيل المهدِّد للاستقرار سواء من خلال «الإبادة في السودان، وما يسمى إعلان استقلال «أرض الصومال»، والهجمات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن»، وكلها مرتبطة بحسابات إسرائيل المتعلقة بالبحر الأحمر. ويرى أن إيران تتقاطع مع تركيا والسعودية في المواقف المتعلقة بالسودان و«أرض الصومال».

باكستان

الموقف الباكستاني يتلاقى مع تركيا والسعودية. فقد أعربت إسلام آباد عن قلقها البالغ إزاء التحذيرات الأخيرة الصادرة عن ترامب بشأن احتمال اتخاذ إجراء ضد إيران، ودعا مندوبها في مجلس الأمن جميع الأطراف إلى «ضبط النفس والتصرف بمسؤولية»، وحلّ الخلافات المتعلقة بإيران عبر الحوار السلمي.
وحرصت باكستان على نفي كل التقارير التي أشارت إلى إمكانية استخدام الأراضي الباكستانية كقاعدة لشن ضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد إيران، ووصفت وزارة الإعلام مزاعم بهذا الشأن بأنها «محاولة متهوّرة» لجرّ باكستان إلى صراع أمريكي ـ إيراني.
وكتب زاهد حسين في صحيفة «داون» الباكستانية أن الأوضاع في إيران تشكل تحدياً بالغ الصعوبة بالنسبة لباكستان التي تمتلك حدوداً مع إيران لمسافة تقارب 900 كيلومتر. ورأى بأن أي تدخل عسكري أمريكي يهدف إلى تغيير النظام في إيران ستكون له تداعيات مباشرة على باكستان.
وقال إن من شأن أي تصعيد عسكري يقوده ترامب أن يزعزع استقرار المنطقة بأكملها، ما يفرض تحدياً خطيراً للأمن القومي الباكستاني.
أما صحيفة «باكستان توداي» الأقرب إلى الحكم في إسلام آباد، فترى أن باكستان تشعر بأمان أكبر على حدودها الغربية مع إيران في ظل الترتيبات الحالية، «لأن بروز دولة إيرانية قومية ذات علاقات وثيقة محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد يضعف أهمية باكستان الجيوسياسية».
ويضع الصحافي الباكستاني الكندي المستقلّ علي مصطفى زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الأخيرة إلى الرياض في سياق تزايد القلق في كل من السعودية والصين وباكستان إزاء تصاعد الخطاب الأمريكي ضد إيران.
ويشير إلى اتصالات يجريها السعوديون مع جماعة الحوثي في اليمن المدعومين من إيران.
ويحذّر مصطفى، من أن إسلام آباد دُفعت إلى رسم خط أحمر واضح، في ظل مخاوف حقيقية من امتداد تداعيات أي هجوم أمريكي/إسرائيلي على إيران إلى باكستان والسعودية.
وهو يضع هذا بمعزل عمّا يصفه بالطموحات الشخصية للمشير عاصم منير، «سواء مع الإمارات أو حتى في مسألة قوة الاستقرار الدولية في غزة التي يطرحها ترامب»، لأن الأمر بات يتخطى ذلك عند المؤسسة الحاكمة في باكستان، التي دٌفعت اضطرارا لأن تختار في أي صفّ تقف.
ويندرج ما يثيره مصطفى في سياق تنسيق عسكري باكستاني – سعودي محتمل فيما يخص اليمن، وربما السودان.

اتفاقية دفاعية

ويأخذ التنسيق بين هذه الدول مداه في الحديث عن استعداد ثلاث قوى إقليمية هي باكستان والسعودية وتركيا لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق دفاعي ثلاثي بارز، يهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي في المنطقة.
وأعلن وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حياة حرّاج بالفعل هذا الأسبوع من إسطنبول أن «باكستان والسعودية وتركيا أعدّت مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات استمرت نحو عام».
ويشير هذا الاتفاق الثلاثي، الذي يجري العمل عليه منذ نحو عام، إلى تحول محتمل في مشهد الأمن الإقليمي. وقال حرّاج «إن الاتفاق الثلاثي بين باكستان والسعودية وتركيا موجود بالفعل على جدول الأعمال. لدينا مسودة الاتفاق، وهي موجودة أيضاً لدى السعودية ومتاحة لدى تركيا، وجميع الدول الثلاث تتداول بشأنها. وهذا الاتفاق مطروح منذ عشرة أشهر».
وأوضح أن هذا الميثاق منفصل عن اتفاق ثنائي سابق بين السعودية وباكستان.
ولاقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا الطرح بالإشارة إلى أن مناقشات جرت بالفعل، لكنه أوضح أنه «لم يتم توقيع أي اتفاق حتى الآن».
لكن فيدان حذّر من أن «الشقوق والمشكلات بيننا تفتح الباب أمام الهيمنات الخارجية والحروب وعدم الاستقرار».
وقال: «في نهاية المطاف، لدينا اقتراح يتمثل في أن تجتمع جميع دول المنطقة لإنشاء منصة تعاون في مجال الأمن».
وبالتوازي مع المبادرة الثلاثية، تعمل السعودية أيضاً على استكمال تحالف عسكري ثانٍ، هذه المرة مع مصر والصومال، حسب تقارير نُشرت أخيراً.
وقد لا يكون هذا الحراك باتجاه تفاهمات دفاعية مشتركة بين هذه الدول مرتبطاً بما يحدث في إيران بالضرورة، لكنه يندرج في إطار حراك منسق بين دول عربية وإسلامية بارزة لتحصين المنطقة من سياسات باتت تُعد وصفة مثالية لزعزعة الاستقرار، وهو ما تسعى إليه علناً إسرائيل التي تطمح بعد حرب غزة إلى إعادة رسم المشهد حولها بإضعاف الكيانات القائمة وتفتيتها.

 ـ «القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب