مقالات

تهافت الأكاديميا: من تهافت الفلاسفة إلى زمن الطالب الاصطناعي

تهافت الأكاديميا: من تهافت الفلاسفة إلى زمن الطالب الاصطناعي

مرام مصاروة

ربما لو كان ابن رشد بيننا اليوم لما احتاج إلى أن يكتب “تهافت التهافت”؛ ربما كان سيكتفي بأن يدخل إلى إحدى جامعاتنا، ويقرأ بعض الوظائف والسير الذاتية، وينظر إلى بعضنا طويلًا ثم يكتب على الغلاف: تهافت الأكاديميا.

كتب الغزالي “تهافت الفلاسفة”، فرد عليه ابن رشد بـ”تهافت التهافت”، وبين التهافتين دار واحد من أشهر سجالات الفكر العربي حول العقل والمعرفة والحقيقة وحدود البرهان. أنا لا أملك مشروع الغزالي ولا عقل ابن رشد، لكنني أراقب منذ سنوات تهافتًا من نوع آخر: تهافت الأكاديميا نفسها. وأعرف مسبقا أن هذا الكلام سيقيم الدنيا علي ولن يقعدها، وأن بعض الطلاب سيغضبون، وربما بعض الزملاء أكثر، لكن بعد باع طويل في الحقل الأكاديمي، وبعد أن بدأت التدريس الجامعي وأنا في السابعة والعشرين، أعتقد أنه من حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل: ما الذي حدث للأكاديميا التي عرفناها؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟

دخلت الأكاديميا في زمن كانت فيه، كما يقال، على ظهور خيلها. لم تكن مثالية، ولم تكن خالية من المحسوبيات والرداءة والتراتبيات، لكن الجامعة كانت تحمل معنى، والحرم الجامعي كان يحمل هيبة، واللقب الأكاديمي كان يفترض مسارًا طويلًا من القراءة والبحث والكتابة والشك والتعب. والرعيل الذي سبق، أو عاصر البدايات الأولى لسياسات الخصخصة الأكاديمية، وخصوصًا من الأكاديميين العرب الذين يعنونني هنا، تعلّم حقًا. كان الوصول إلى الجامعة صعبًا، والبقاء فيها أصعب، والوصول إلى الدراسات العليا يحتاج إلى قدرة معرفية ولغوية وبحثية، وإلى سنوات من العمل الذي لا تستطيع “طنجرة ضغط” اختصاره.

ثم دخل السوق إلى الجامعة، ومع الخصخصة الاقتصادية للتعليم العالي بدأ الطالب يتحول تدريجيًا من متعلم إلى زبون، وتحولت المؤسسة من حارس للمعايير إلى مؤسسة تتنافس على أعداد المسجلين. وفي السوق قاعدة بسيطة: من يريد بيع بضاعته عليه أن يجعلها أكثر جاذبية وأقل كلفة. وهكذا، شيئًا فشيئًا، رخصت البضاعة وزاد الطلب، حتى صرنا نقبل في مؤسسات التعليم العالي طلابًا كان يصعب، قبل عشرين عامًا، تصوّر قبولهم في كلية أكاديمية أو جامعة. لا أتحدث هنا عن الطبقة الاجتماعية، ولا عن الخلفية الاقتصادية، ولا عن ضرورة فتح أبواب التعليم العالي؛ فأنا من أشد المؤمنين بذلك، بل أتحدث عن الحد الأدنى من الجاهزية الأكاديمية: القدرة على القراءة، والكتابة وصياغة فكرة، وبناء حجة، وكتابة فقرة متماسكة.

نواجه اليوم طلابًا يصل بعضهم إلى التعليم العالي وهو عاجز عن صياغة جملة سليمة، أما الأخطاء الإملائية واللغوية فحدّث ولا حرج. والمشكلة ليست في الطالب وحده، فالمؤسسة التي قبلته تعرف مستواه، ثم تطلب من المحاضر أن يتصرف وكأن شيئًا لم يكن.

أما الطالب فقد فهم المعادلة الجديدة: إذا كنت زبونًا، فالزبون دائمًا على حق. لم يتوقف التهافت عند أبواب البكالوريوس، ففي مجتمع يجيد التقليد أكثر مما يحتفي بالابتكار؛ تحولت الألقاب الأكاديمية لدى البعض إلى شكل جديد من أشكال الوجاهة الاجتماعية، وصار اللقب شيئًا ينبغي اقتناؤه لأن فلانًا حصل عليه، ولأن الوظيفة تحتاج إليه، ولأن الاسم يبدو أجمل حين تسبقه كلمة “دكتور” أو تتبعه سلسلة من الألقاب.

لست ضد البراغماتية في التعليم؛ فالمجتمعات المتقدمة أيضًا تدرس لكي تعمل وتتقدم اجتماعيًا، لكن الفرق هائل بين أن يكون التعليم وسيلة للحراك الاجتماعي، وبين أن تتحول الشهادة نفسها إلى سلعة. نعم، أصبح بالإمكان في بعض المسارات شراء شهادة، وإن اتخذ الشراء أشكالًا قانونية وأنيقة ومختومة.

صرنا نسمع عن دكتوراه تُنجز في سنتين أو ثلاث كحد أقصى، وكأن المعرفة طبخة تأخرت على أصحابها فوضعوها في طنجرة ضغط أكاديمية: قليل من المنهجية، وفصلان نظريان، وشيء يشبه النتائج، وغلاف أنيق، ومبروك يا دكتور. ثم يصبح بعض هؤلاء محاضرين، وهنا يبدأ فصل آخر من الكوميديا السوداء، لأن من لم يتعلم كيف ينتج المعرفة سيصعب عليه أن يعلّم غيره كيف ينتجها؛ فتتكاثر الألقاب، وتتناقص المعرفة، وتكبر السير الذاتية، وتصغر المكتبات الداخلية لأصحابها، ويصبح لدينا أحيانًا تضخم في حملة الدكتوراه يقابله انكماش في الفكر. لا يقف التهافت عند الطالب، ولا عند أطروحات الدكتوراه المستعجلة، بل الأخطر أنه قد يتسلل إلى الطاقم الأكاديمي نفسه، وإلى معنى “الإنتاج العلمي” الذي يفترض أن يمنح الأكاديميا شرعيتها.

وحين يصبح النشر عددًا، والبحث بندًا للترقية، والسيرة الذاتية واجهة ينبغي تسمينها باستمرار؛ يصبح الإغراء كبيرًا بإنتاج شكل المعرفة بدل المعرفة نفسها. وهنا تتعدد أشكال التزييف: مبالغة في توصيف الإنتاج العلمي، ونشر لا يضيف معرفة حقيقية، وإعادة تدوير الأفكار والنصوص، وسباق محموم وراء أسماء المجلات ودور النشر والتصنيفات، وأحيانًا ادعاء إنجازات أكبر من حقيقتها. وهكذا لا يعود السؤال: ماذا قرأ الأكاديمي؟ أو ماذا بحث؟ أو ماذا أضاف إلى حقله؟ بل: كم نشر؟ وأين نشر؟ وكم بندًا أضاف إلى سيرته الذاتية؟

وهذه، في نظري، لحظة أشد خطورة من غش الطالب؛ فالطالب الذي يتحايل على وظيفة أكاديمية يخرق قاعدة، أما الأكاديمي الذي يزيّف إنتاجه أو يفرّغه من مضمونه فإنه يضرب القيمة التي تقوم عليها القاعدة نفسها. وحين يصبح من يفترض به أن يحرس الأمانة العلمية جزءًا من أزمة الأمانة العلمية، تفقد المؤسسة سلطتها الأخلاقية قبل أن تفقد سلطتها المعرفية، وعندها يصبح من العبث أن نقف أمام الطلاب لنحدثهم طويلًا عن الأصالة، والتوثيق، والسرقة الأدبية، وأخلاقيات البحث إذا كانت الأكاديميا نفسها تكافئ أحيانًا المظهر أكثر من الجوهر، والكم أكثر من القيمة. وربما هنا تكمن المفارقة الأكثر إيلامًا: أن الأخلاق الأكاديمية تحولت هي الأخرى، في بعض الأحيان، إلى خطاب أكثر منها ممارسة. نتحدث كثيرًا عن النزاهة، ونضع لها اللوائح واللجان والنماذج، لكن النزاهة ليست مادة ندرّسها للطلبة، ولا خانة نضع عليها إشارة في استمارة أخلاقيات البحث؛ إنها الشرط الأول الذي يمنح الأكاديمي حقه في أن يطلب من طلابه ما يطلبه من نفسه.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وهنا، في رأيي، وصلنا إلى اللحظة التي انكشف فيها كل شيء؛ لأن الذكاء الاصطناعي لم يصنع أزمة الأكاديميا، هو فقط وصل في الوقت المناسب ليفضح أزمة كانت موجودة أصلًا. صرنا أمام ما أسميه “الطالب الاصطناعي”: طالب يطلب من الذكاء الاصطناعي أن يقرأ عنه، ويفكر عنه، ويبني الحجة عنه، ويكتب الوظيفة عنه، ثم يسلم النص بثقة كاملة. وإذا واجهته، لا يشعر بعضهم حتى بأنه ارتكب مشكلة أكاديمية، بل يدخل معك في نقاش طويل حول حقه في استخدام التكنولوجيا.

ثم تأتي لحظة العلامة، وهنا يشمر عن ساعديه، ويستعيد فجأة إيمانه العميق بالأكاديميا وبقدسية التحصيل العلمي:

“دكتورة، أنا بحاجة إلى علامة عالية لأنني أريد إكمال دراساتي العليا”. وللعام الثاني على التوالي، أجد نفسي راغبة في تهنئة “ChatGPT” على إنجازه الأكاديمي المتميز في مساقاتي. فهو، على الأقل، قرأ المطلوب، ورتب الأفكار، واستعمل علامات الترقيم؛ ليصبح الطالب المجتهد في الصف.

المشكلة إذن ليست أن الذكاء الاصطناعي أصبح ذكيًا إلى هذا الحد، المشكلة أننا سمحنا للأكاديميا بأن تصبح قابلة للاستبدال إلى هذا الحد.

فحين تتحول الوظيفة إلى عدد صفحات، واللقب إلى سلعة، والطالب إلى زبون، والمحاضر إلى مقدم خدمة، والمؤسسة إلى شركة تبحث عن التسجيل، والبحث إلى بند للترقية، والنشر إلى رقم في السيرة الذاتية؛ يصبح السؤال الحقيقي: ما الذي سيبقى للجامعة حين تستطيع الآلة أداء معظم هذه الطقوس أسرع منا وأفضل منا؟

أعطي الأكاديميا، بصورتها الحالية، خمسة أعوام على الأكثر قبل أن تضطر إلى مواجهة سؤال وجودي حقيقي. لا لأن الذكاء الاصطناعي أقوى منها، بل لأنها استقبلته وهي أضعف مما ينبغي؛ فالجامعة التي تقوم على التفكير، والحوار، والشك، والبحث، والأصالة، والأمانة العلمية لن يقضي عليها الذكاء الاصطناعي، أما الجامعة التي اختزلت نفسها في شهادات ووظائف وعلامات وعدد صفحات وملفات ترقية، فالذكاء الاصطناعي لا يهددها.

إنه فقط يكشف أنها كانت قد بدأت تتهافت قبل وصوله بوقت طويل. ولهذا، ربما لو كان ابن رشد بيننا اليوم لما احتاج إلى أن يكتب تهافت التهافت؛ ربما كان سيكتفي بأن يدخل إلى إحدى جامعاتنا، ويقرأ بعض الوظائف والسير الذاتية، وينظر إلى بعضنا طويلًا ثم يكتب على الغلاف: تهافت الأكاديميا.

عرب 48

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب