جامعة النجاح الوطنية… حين تتحول الجامعة إلى قوة ناعمة لفلسطين

جامعة النجاح الوطنية… حين تتحول الجامعة إلى قوة ناعمة لفلسطين
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في عالمٍ أصبحت فيه الجامعات أحد أهم أدوات التأثير الدولي، لم تعد المؤسسات الأكاديمية مجرد مراكز للتعليم ومنح الشهادات، بل تحولت إلى ركيزة من ركائز الأمن القومي، ومحرك للتنمية المستدامة، وأداة فاعلة لتعزيز القوة الناعمة للدول. وفي الحالة الفلسطينية، حيث يواجه الشعب الفلسطيني تحديات الاحتلال، ومحاولات طمس الهوية الوطنية، وتقييد التنمية، تكتسب الجامعات الفلسطينية أهمية استثنائية بوصفها مؤسسات تصنع الإنسان، وتحافظ على الهوية، وتنتج المعرفة، وتدافع عن الرواية الفلسطينية في المحافل الأكاديمية الدولية.
ومن بين هذه المؤسسات، تبرز جامعة النجاح الوطنية باعتبارها نموذجاً وطنياً متقدماً استطاع أن يحول التحديات إلى فرص، وأن يؤسس لمسيرة أكاديمية جعلتها تتبوأ مكانة مرموقة على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية. فالإنجازات التي أعلنتها الجامعة خلال مؤتمرها الصحفي الأخير، وفي مقدمتها تصدرها الجامعات الفلسطينية في اثني عشر تصنيفاً عالمياً، وحصولها على المرتبة الثالثة والثلاثين عالمياً في تصنيف التايمز للتأثير، وإسهامها بما يقارب أربعين بالمائة من الإنتاج البحثي الفلسطيني المنشور عالمياً، ليست مجرد أرقام، وإنما تعكس رؤية استراتيجية وإدارة مؤسسية راسخة واستثماراً طويل الأمد في رأس المال البشري.
لقد أثبتت جامعة النجاح الوطنية أن القوة الناعمة الفلسطينية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعلم والبحث والابتكار والانفتاح على العالم. فكل بحث علمي ينشر في المجلات الدولية المحكمة، وكل اتفاقية تعاون مع جامعة عالمية، وكل خريج يتبوأ موقعاً قيادياً في دولة عربية أو أجنبية، يمثل سفيراً لفلسطين، ورسالة حضارية تؤكد قدرة الشعب الفلسطيني على الإبداع رغم الاحتلال والحصار والتحديات الاقتصادية.
وتبرز أهمية الجامعة اليوم في ظل ما يتعرض له قطاع التعليم العالي الفلسطيني من ضغوط متزايدة، واستهداف للبنية التعليمية، وهجرة للكفاءات، وشح في الموارد المالية. ولذلك فإن الحفاظ على الجامعات الفلسطينية، ودعمها وتمكينها، لم يعد شأناً تعليمياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية واستثماراً استراتيجياً في مستقبل فلسطين، لأن الدول التي تمتلك جامعات قوية تمتلك اقتصاد معرفة، وقوة علمية، وحضوراً دولياً مؤثراً.
ولا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون التوقف أمام منظومة الحوكمة والإدارة التي أسهمت في ترسيخ مكانة الجامعة. فقد لعب مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية دوراً محورياً في رسم السياسات العامة، وتعزيز الاستقرار المؤسسي، ودعم استقلالية القرار الأكاديمي، وترسيخ ثقافة الجودة والتميز.
ويستحق رئيس مجلس الأمناء، الأستاذ صبيح المصري، التقدير لما وفره من رؤية استراتيجية ودعم متواصل عزز قدرة الجامعة على تنفيذ خططها التطويرية والانفتاح على الشراكات الإقليمية والدولية. كما يبرز الدور المهم لنائب رئيس مجلس الأمناء، دولة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور رامي الحمد الله، بخبرته الأكاديمية والإدارية الطويلة، وإسهاماته في تطوير التعليم العالي الفلسطيني وترسيخ مكانة الجامعة كمؤسسة وطنية رائدة.
كما أن أعضاء مجلس الأمناء، بما يمتلكونه من خبرات أكاديمية واقتصادية ووطنية، أسهموا في توفير البيئة المؤسسية التي مكنت إدارة الجامعة من تنفيذ برامجها الاستراتيجية، ودعم مسيرة التطوير المستمر، بما يعزز مكانة الجامعة على المستويات كافة.
ويحسب لرئيس الجامعة الأستاذ الدكتور عبد الناصر زيد، إلى جانب نواب الرئيس، وعمداء الكليات، وأعضاء الهيئتين الأكاديمية والإدارية، أنهم نجحوا في ترجمة الرؤية الاستراتيجية إلى برامج وإنجازات ملموسة، من خلال تطوير البرامج الأكاديمية، وتعزيز البحث العلمي، والتوسع في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وإطلاق برامج أكاديمية حديثة، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية، بما جعل الجامعة نموذجاً فلسطينياً في الإدارة الأكاديمية الرشيدة.
إن نجاح جامعة النجاح الوطنية هو نجاح لفلسطين كلها، لأنها ليست جامعة مدينة أو محافظة، وإنما مؤسسة وطنية احتضنت أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وأسهمت في تخريج آلاف الأطباء والمهندسين والمحامين والقضاة والعلماء والوزراء والدبلوماسيين ورجال الأعمال الذين تركوا بصماتهم في فلسطين والعالم.
واليوم، وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، فإن المطلوب هو بلورة استراتيجية وطنية شاملة لدعم التعليم العالي والبحث العلمي، باعتبارهما أحد أهم عناصر الصمود الوطني والقوة الناعمة الفلسطينية. فالاستثمار في الجامعات لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية أو الاقتصاد، لأنه استثمار في الإنسان، وهو الثروة الحقيقية لأي شعب يسعى إلى الحرية والتنمية وبناء الدولة.
لقد أثبتت جامعة النجاح الوطنية أن فلسطين، رغم الاحتلال وما يفرضه من قيود، قادرة على المنافسة في ميادين العلم والابتكار، وأن المعرفة تبقى أقوى أدوات الشعوب في الدفاع عن حقوقها وصناعة مستقبلها. ومن هنا فإن المحافظة على هذا الصرح الأكاديمي، ودعم رسالته، وتعزيز مكانته العالمية، تمثل مسؤولية وطنية مشتركة، لأن الجامعات ليست مؤسسات للتعليم فقط، بل هي مصانع للعقول، وحاضنات للإبداع، وأحد أهم أعمدة المشروع الوطني الفلسطيني، وجسر يربط فلسطين بالعالم عبر لغة العلم والبحث والمعرفة



