جرس إنذار في طولكرم.. الأمن والاستقرار شرطٌ لحماية الاستحقاق الانتخابي

جرس إنذار في طولكرم.. الأمن والاستقرار شرطٌ لحماية الاستحقاق الانتخابي
– المحامي علي أبو حبلة
مع اقتراب فلسطين من استحقاق الانتخابات التشريعية، تكتسب مسألة الأمن والاستقرار وحماية السلم الأهلي أهمية مضاعفة؛ فالانتخابات لا تُجرى في بيئة يسودها التوتر والفوضى، وإنما تحتاج إلى مناخ آمن ومستقر يطمئن فيه المواطن إلى ممارسة حقه الانتخابي بحرية، وتتمكن فيه الجهات المختصة من أداء مسؤولياتها في موعد الاستحقاق وبأعلى درجات المهنية والشفافية.
ومن هنا، فإن استقرار الشارع الفلسطيني والحفاظ على الأمن والأمان ورفض مظاهر الفوضى والفلتان ليست قضايا أمنية عابرة، بل تمثل شرطًا أساسيًا لتهيئة المناخ الوطني الملائم لإجراء الانتخابات في موعدها، وصون حق المواطن في اختيار ممثليه بعيدًا عن الخوف أو الضغوط أو محاولات فرض الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، فإن البيان الصادر عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» – إقليم طولكرم، وما تضمنه من تحذير بشأن أحداث ووقائع أمنية، من بينها إطلاق النار والتهديدات ومحاولة اختطاف أحد أفراد المؤسسة الأمنية، يستحق التوقف عنده بجدية ومسؤولية، لا باعتباره مجرد موقف تنظيمي، وإنما باعتباره جرس إنذار يستدعي الحذر واليقظة ومنع أي انزلاق محتمل نحو الفوضى.
والتعامل المسؤول مع مثل هذه التحذيرات لا يكون بتبادل الاتهامات أو إطلاق الأحكام المسبقة، وإنما بالاحتكام إلى القانون، وترك مهمة تحديد المسؤوليات والوقائع للجهات المختصة، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع وضمان الإجراءات القانونية السليمة.
إن الخشية الحقيقية ليست من حادثة منفردة فحسب، وإنما من أن تتراكم مظاهر التوتر والعنف والتهديد والسلاح غير المنضبط، فتتحول من وقائع محدودة إلى مناخ عام يضعف هيبة القانون ويهز ثقة المواطن بالمؤسسات. وعندها تصبح الفوضى خطرًا على المجتمع وعلى العملية السياسية في آن واحد.
فالفتونة والفوضى والسلاح المنفلت نقيض للأمن والاستقرار، ونقيض كذلك للمناخ الديمقراطي الذي تحتاجه الانتخابات.
ومن الضروري هنا التأكيد أن حماية الأمن لا تعني التضييق على الحريات السياسية أو الانتخابية، بل على العكس؛ فالأمن القانوني الحقيقي هو الذي يوفر الحماية المتساوية للمواطن والمرشح والناخب، ويضمن حرية التعبير والمنافسة السياسية في إطار القانون، ويحمي مراكز الاقتراع والعاملين فيها، ويمنع أي محاولة للتأثير على إرادة الناخب بالقوة أو التهديد أو الضغط الاجتماعي.
كما أن مسؤولية الحفاظ على الاستقرار لا تقع على المؤسسة الأمنية وحدها. فهي مسؤولية وطنية مشتركة تشارك فيها القوى السياسية والتنظيمية والعائلات والفعاليات المجتمعية والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، من خلال خطاب مسؤول يرفض التحريض والشائعات، ويشجع على الاحتكام إلى القانون، ويضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الفئوية.
إن فلسطين لا تحتمل في هذه المرحلة فتح أبواب جديدة للصراع الداخلي. فالظروف السياسية والأمنية والاقتصادية الصعبة تتطلب تحصين الجبهة الداخلية، لا إضعافها، وتحتاج إلى التوافق على قاعدة واضحة: الاختلاف السياسي يُدار بالحوار والمنافسة الديمقراطية، ولا يُدار بالسلاح أو الفتونة أو فرض الأمر الواقع.
ومن هنا، فإن بيان «فتح» في طولكرم ينبغي أن يكون مناسبة لاتخاذ موقف وقائي مسؤول، وليس مناسبة لتبادل الاتهامات. فالتحذير المبكر أفضل من انتظار اتساع دائرة الأحداث، ومعالجة أسباب التوتر قبل تفاقمها أكثر حكمة من التعامل مع نتائجها بعد وقوعها.
والمطلوب في هذه المرحلة هو إشاعة جو من الهدوء والاستقرار، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ومنع أي مظاهر يمكن أن تهدد السلم الأهلي أو تؤثر في قدرة الجهات المختصة على التحضير للانتخابات وإجرائها في موعد استحقاقها.
كما أن نجاح العملية الانتخابية يتطلب أن يشعر المواطن بأن صوته محمي، وأن المنافسة السياسية تجري في بيئة آمنة، وأن الخلافات لا تتحول إلى خصومات شخصية أو اجتماعية، وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.
إن الانتخابات الحرة تحتاج إلى بيئة مستقرة، والبيئة المستقرة تحتاج إلى سيادة القانون، وسيادة القانون تحتاج إلى مؤسسات مهنية وعدالة مستقلة وثقة متبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ولهذا، فإن جرس الإنذار الذي صدر في طولكرم يستحق الإصغاء إليه وأخذ الحذر منه، لا تهويلًا ولا تقليلًا من شأنه؛ فالهدف ليس صناعة الخوف، وإنما منع أسبابه، وليس اتهام أحد، وإنما حماية المجتمع، وليس تعطيل الحياة السياسية، وإنما توفير الظروف التي تمكن الفلسطينيين من ممارسة حقهم الديمقراطي في موعده وبصورة آمنة ونزيهة.
فإذا كانت فلسطين تستعد لاستحقاق انتخابي، فإن حماية الأمن والاستقرار والسلم الأهلي تصبح مسؤولية وطنية تتقدم على الحسابات الضيقة؛ لأن صندوق الاقتراع لا يحتاج إلى الفوضى، بل يحتاج إلى مواطن آمن، ومجتمع مستقر، ومؤسسات تحمي القانون وإرادة الناخب.
وهذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تُقرأ من جرس الإنذار في طولكرم: الحذر من الانزلاق، الوقاية قبل المعالجة، القانون فوق الجميع، والاستقرار شرطٌ لحماية الاستحقاق الديمقراطي.



