عربي دولي

جون أفريك: هل انتهت الأزمة بين مالي والجزائر أم فرضت البراغماتية نفسها؟

جون أفريك: هل انتهت الأزمة بين مالي والجزائر أم فرضت البراغماتية نفسها؟

باريس- : تحت عنوان: “مالي- الجزائر: بين غويتا وتبون خفايا مصالحة غير متوقعة”، قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية، في تقرير لها، إنه بعد أكثر من عام من التوترات التي أدت إلى قطيعة دبلوماسية غير مسبوقة، تستأنف باماكو والجزائر الحوار. وتأتي عملية التطبيع هذه ثمرة لوساطات متعددة، قادتها روسيا والنيجر والكونغو.

وأشارت المجلة إلى تصريحات رئيس الوزراء المالي، الجنرال عبد الله مايغا، في السادس من شهر أغسطس الجاري: “قبل بضعة أشهر، كانت هناك خلافات حول بعض القضايا. لكن اليوم، يجب أن نرحب ونشيد بالتوافق التام في وجهات النظر بين فخامتي أسيمي غويتا وعبد المجيد تبون”، قائلة إنه من المؤكد أن شيئا لم يكن ينبئ بمثل هذه التصريحات، حيث أبدى رئيس الحكومة المالية قدرا كبيرا من التوافق تجاه الجزائر، مشيدا بتحسن العلاقات الثنائية ومعلنا عن الرغبة في طي صفحة أزمة غير مسبوقة.

لم يكن من الممكن بالنسبة لروسيا أن ترى اثنين من شركائها الرئيسيين يتواجهان علنا في قلب منطقة الساحل دون أن تشعر بالقلق، إذ كانت مصالحها في أفريقيا مهددة بالضعف

ففي شهر سبتمبر عام 2025، ومن على منبر الأمم المتحدة، كان عبد الله مايغا قد شن هجوما شديد اللهجة على الجزائر، متهما إياها بالتدخل في الشؤون الداخلية لمالي. وكانت باماكو آنذاك تعتبر الجزائر “مُصدرا للإرهابيين” و”رائدة في الترويج للإرهاب”. وبعد أقل من عام، تغيرت اللهجة بشكل جذري. فبعد صراع بلغ ذروته في شهر أبريل عام 2025، عندما دمر الجيش الجزائري طائرة مسيرة مالية، يبدو أن الجزائر وباماكو تسلكان طريق المصالحة. وكانت بوادر الانفراج قد ظهرت بالفعل في 10 يوليو الماضي، عندما أعلن البلدان بشكل مشترك إعادة فتح مجاليهما الجويين أمام بعضهما البعض وعودة سفيريهما.

لغز فلاديمير بوتين

وتابعت “جون أفريك” القول إن هذه الأزمة بين اثنين من حلفاء روسيا الرئيسيين في أفريقيا كانت قد تحولت إلى ما يشبه اللغز بالنسبة لفلاديمير بوتين. فمنذ رحيل القوات الفرنسية عن مالي، أصبحت روسيا بالفعل الجهة المفضلة للتعامل مع سلطات المرحلة الانتقالية المالية، ولا سيما في المجال الأمني.

أما علاقات موسكو بالجزائر فهي أقدم من ذلك بكثير. فمنذ عدة عقود، تعد الجزائر من أبرز عملاء قطاع الصناعات الدفاعية الروسي. وبين عامي 2018 و2024، حصلت الجزائر على 73% من معداتها العسكرية من روسيا، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). وإلى جانب عقود التسليح، يتسم التعاون الدبلوماسي بين البلدين بأنه موثوق، كما يتبنى البلدان بانتظام مواقف مشتركة بشأن الملفات الدولية الكبرى.

ولم يكن من الممكن بالنسبة لروسيا أن ترى اثنين من شركائها الرئيسيين يتواجهان علنا في قلب منطقة الساحل دون أن تشعر بالقلق، إذ كانت مصالحها في أفريقيا مهددة بالضعف. وإذا كانت قد انتهجت علنا سياسة متوازنة، مؤكدة أنها لا تريد التدخل في القرارات السيادية للدول، فإنها عملت دائما، خلف الكواليس، من أجل تحقيق المصالحة. وقد تكثفت هذه المساعي الروسية لدى سلطات باماكو في أعقاب هجمات 25 أبريل، التي نفذها التحالف الذي يجمع الآن متمردي جبهة تحرير أزواد (FLA) مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) الجهادية. وخلال إحدى تلك الهجمات، قتل ساديو كامارا، وزير الدفاع المالي.

ووفقا لمعلومات “جون أفريك”، فقد أبلغ إيغور غروميكو، السفير الروسي لدى مالي، أسيمي غويتا في 28 أبريل، خلال لقاء في قصر كولوبا، أن موسكو ترغب في أن تقوم باماكو بتسوية النزاع مع جارتها، التي تشترك معها في أكثر من 1300 كيلومتر من الحدود.

وأكد الدبلوماسي أن الجزائر تتمتع بخبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، ما يجعلها طرفا لا غنى عنه في مجال الاستخبارات. ووفقا للطرح الذي قدمه إيغور غروميكو، فإن باماكو، بقطعها العلاقات مع الجزائر، تكون قد حرمت نفسها من معلومات استخباراتية ثمينة كان من الممكن أن تساعد في توقع هجوم 25 أبريل الجهادي-المتمرد.

وقبل يومين من هذا اللقاء في القصر الرئاسي، كانت الجزائر -التي سبق أن لعبت دور الوسيط في عام 2015 بين الحكومة المالية والمتمردين الطوارق الذين تجمعوا اليوم تحت راية جبهة تحرير أزواد- قد لعبت بالفعل دورا حاسما في المفاوضات التي أفضت إلى انسحاب القوات الروسية والمالية من كيدال، المدينة التي كانت هذه القوات متحصنة فيها منذ بداية هجوم تحالف جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

باماكو وبقطعها العلاقات مع الجزائر، تكون قد حرمت نفسها من معلومات استخباراتية ثمينة كان من الممكن أن تساعد في توقع هجوم 25 أبريل الجهادي

وتنقل المجلة الفرنسية عن مصدر أمني مالي: “منذ هجمات 25 أبريل، يحاول الروس الانخراط بشكل أكبر في الاستراتيجية العسكرية التي يتم تحديدها على أعلى مستوى في الدولة المالية. إنهم يريدون فعالية أكبر وألا يكتفوا بمجرد تنفيذ التعليمات”.

عبد الرحمن تياني.. وسيط براغماتي

ومضت “جون أفريك” موضحة أن لقاء روسيا- ماليا آخر، هذه المرة في نيامي، ساهم أيضا في دفع عجلة المصالحة. فخلال لقائهما الثنائي في 8 يوليو الماضي، على هامش الدورة الثانية للمشاورات بين وزراء خارجية تحالف دول الساحل وروسيا، أعاد وزير خارجية مالي عبد الله ديوب ونظيره الروسي سيرغي لافروف مناقشة القضية الجزائرية الشائكة. وبدعم من بوركينا فاسو والنيجر، دعا لافروف مرة أخرى إلى تطبيع العلاقات. وبعد يومين، أعلنت الجزائر وباماكو عودة سفيريهما وإعادة فتح مجاليهما الجويين.

وكان أسيمي غويتا، الذي ظل لفترة طويلة مترددا في تغيير موقفه تجاه الجزائر، التي لا يغفر لها تدميرها في أبريل 2025 للطائرة المسيرة من طراز “Bayraktar Akıncı”، التي تقدر قيمتها بنحو 30 مليون يورو، قد بدأ يتراجع تدريجيا عن موقفه إثر زيارة عبد الرحمن تياني، نظيره النيجري، إلى الجزائر يومي 15 و16 فبراير الماضيين. ومنذ ذلك التاريخ، لم يتوقف تياني، الذي وضع نفسه في موقع الوسيط، عن العمل من أجل التقارب، مستندا خصوصا إلى تحالف دول الساحل.

وفي نهاية فبراير، في واغادوغو، بمناسبة اجتماع عقد لوضع خارطة طريق السنة الثانية للتحالف، وشارك فيه كبار الوزراء في الكونفدرالية الساحلية، كان الوفد النيجري، بقيادة وزير الدفاع الجنرال ساليفو مودي، قد دعا إلى تنسيق العلاقات الدبلوماسية للدول الثلاث مع شركائها الأجانب. وبشكل خاص مع الجزائر، التي تربطها بالفعل علاقات جيدة مع بوركينا فاسو والنيجر. وفي ختام الاجتماع، أدرجت “ضرورة توحيد مواقف الدول الثلاث” في خارطة الطريق، التي يتعين الآن أن يعتمدها رؤساء دول تحالف دول الساحل.

رسالة ساسو نغيسو إلى تبون

وتابعت “جون أفريك” القول إن عبد الرحمن تياني لم يكن الوحيد الذي دعا إلى التهدئة. فقد استخدم الرئيس الكونغولي دينيس ساسو نغيسو هو الآخر نفوذه لتشجيع التقارب بين الجزائر ومالي، باسم استعادة الأمن في منطقة الساحل. وفي مايو، سلم قسطنطين-سيرج بوندا، وزير خارجيته، عبد المجيد تبون رسالة كتبها بهذا الخصوص.

وبعد شهر، أوفد ساسو نغيسو الرئيس النيجري السابق محمدو إيسوفو إلى الجزائر. ويقدر محلل من منطقة الساحل، طلب عدم الكشف عن هويته، أن “البراغماتية هي التي سادت، إلى جانب الوساطات”. فإذا كانت باماكو تريد مراقبة التحركات عبر الحدود بشكل أفضل، فلا خيار أمامها سوى استئناف العلاقات مع الجزائر. وتزداد أهمية ذلك أكثر منذ أن أبرم المتمردون والجهاديون تحالفهم.

لاحظت الجزائر عودة المغرب بقوة إلى منطقة الساحل، والتي تجسدت مؤخرا في اعتراف باماكو بمغربية الصحراء. وقد أدركت الجزائر أنها قد تخسر نفوذها في المنطقة

ويضيف المحلل نفسه: “من جانبها، لاحظت الجزائر عودة المغرب بقوة إلى منطقة الساحل، والتي تجسدت مؤخرا في اعتراف باماكو بمغربية الصحراء. وقد أدركت الجزائر أنها قد تخسر نفوذها في المنطقة، وأن من مصلحتها أن تضع كبرياءها جانبا للتقارب مع مالي”.

وبعد أن كانت الجزائر لفترة طويلة موضع شك من جانب المجلس العسكري المالي، يبدو أنها تستعيد مكانتها بين شركاء البلاد. إلا أن نقاط الخلاف لم تختف. ومن المؤكد أنها ستكون على جدول أعمال المناقشات المقبلة بين قادة البلدين. ومن المقرر أن يتوجه رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر خلال الأسابيع المقبلة، بدعوة من نظيره الجزائري.

أما نقطة الخلاف الرئيسية فتتمثل في الطريقة التي ينبغي اعتمادها لحل الأزمة الأمنية في مالي. فالجزائر، التي كانت في السابق قائدة الوساطة الدولية المكلفة بتطبيق اتفاق السلام الموقع عام 2015 بين تمرد الشمال وباماكو، لا تزال تدعو إلى حل سياسي، في حين تفضل باماكو الاستجابة العسكرية حصريا، توضح المجلة الفرنسية.

إضافة إلى ذلك، تضيف “جون أفريك”، ما تزال السلطات المالية تبدي تحفظات بشأن الاتصالات التي تجريها الجزائر مع بعض قادة المتمردين، وكذلك بشأن منحها اللجوء للإمام محمود ديكو، الذي تحول إلى معارض لأسيمي غويتا.

وطالما لم تتم تسوية هذه القضايا، فإن تطبيع العلاقات الثنائية سيبدو أقرب إلى تسوية براغماتية منه إلى مصالحة سياسية حقيقية، تقول المجلة الفرنسية.

“القدس العربي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب