جيل إسرائيلي أقل ديمقراطية وأكثر تطرفًا… إلى أين يتجه المجتمع الإسرائيلي؟

جيل إسرائيلي أقل ديمقراطية وأكثر تطرفًا… إلى أين يتجه المجتمع الإسرائيلي؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تكشف الدراسة الإسرائيلية الأخيرة حول خريجي المرحلة الثانوية لهذا العام عن مؤشر بالغ الأهمية يتجاوز نتائجه التربوية، ليطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل المجتمع الإسرائيلي. فالدراسة تشير إلى تراجع الالتزام بالقيم الديمقراطية لدى الشباب اليهود، مقابل تصاعد النزعات القومية والعدائية تجاه المواطنين العرب الفلسطينيين، في ظل بيئة سياسية وأمنية تشكلت بفعل سنوات من الحروب والاستقطاب الداخلي.
هذه النتائج لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات التي شهدتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من الانقسام السياسي حول التعديلات القضائية، مرورًا بأحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من حرب طويلة وتوترات متصاعدة. فالمجتمعات التي تعيش تحت وطأة الصراعات الممتدة تصبح أكثر قابلية لتغليب الاعتبارات الأمنية على قيم الحرية والمساواة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على وعي الأجيال الجديدة.
ولا تقتصر أسباب هذا التحول على تداعيات الحرب وحدها، بل تمتد إلى الخطاب السياسي والإعلامي، وإلى المناهج التعليمية التي تعرضت لانتقادات متكررة من أكاديميين وباحثين إسرائيليين، باعتبارها لا تسهم بالقدر الكافي في ترسيخ قيم التعددية وقبول الآخر. وعندما تتضافر لغة التخويف مع الخطاب الشعبوي والسياسات القائمة على الاستقطاب، يصبح إنتاج أجيال أكثر تشددًا نتيجة متوقعة.
وتحمل هذه المؤشرات أبعادًا استراتيجية تتجاوز الداخل الإسرائيلي، إذ إن الشباب الذين يدخلون اليوم الجامعات والمؤسسات العسكرية ويشكلون قاعدة الناخبين المستقبلية، سيكون لهم دور حاسم في رسم السياسات الإسرائيلية خلال العقود المقبلة. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن فرص التوصل إلى تسويات سياسية عادلة ستصبح أكثر تعقيدًا، في ظل تنامي التيارات الرافضة للحلول السياسية القائمة على الاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية.
وفي الوقت ذاته، تثير هذه الدراسة تساؤلات حول مستقبل الديمقراطية الإسرائيلية نفسها. فالديمقراطية لا تُقاس بإجراء الانتخابات فقط، بل بمدى احترام حقوق الإنسان، وحماية الأقليات، والمساواة أمام القانون. وعندما تتراجع هذه المبادئ في وعي الأجيال الصاعدة، فإن ذلك يعكس أزمة بنيوية تتطلب مراجعة عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي.
إن استمرار سياسات الاحتلال، وتصاعد العنف، وهيمنة الخطاب المتشدد، لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يترك أثرًا مباشرًا على بنية المجتمع الإسرائيلي وقيمه السياسية والأخلاقية. وقد أثبتت تجارب التاريخ أن المجتمعات التي تبني أمنها على الخوف والإقصاء، لا تحقق استقرارًا دائمًا، بل تدخل في دوامات متواصلة من الصراع الداخلي والخارجي.
إن السلام الحقيقي لا يصنعه التفوق العسكري، وإنما تبنيه العدالة، واحترام القانون الدولي، والاعتراف بحقوق الشعوب. ومن دون مراجعة جادة لخطاب الكراهية وسياسات الاستقطاب، ستبقى المنطقة رهينة أجيال تنشأ على الخوف والعداء، بما يجعل فرص السلام أكثر بعدًا، ويعمق حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بأسره.



