حرب إسرائيل وأمريكا مع إيران… وسقوط ورق التوت عن القضية الفلسطينية

حرب إسرائيل وأمريكا مع إيران… وسقوط ورق التوت عن القضية الفلسطينية
بقلم:رئيس التحرير
مع اتساع دائرة المواجهة بين إسرائيل وإيران، وما يرافقها من انخراط أمريكي سياسي وعسكري مباشر أو غير مباشر، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية. غير أن ما تكشفه هذه المواجهة يتجاوز حدود الصراع العسكري، ليصل إلى مستوى أعمق يتمثل في انكشاف كثير من الخطابات السياسية التي حاولت لعقود طويلة إخفاء حقيقة الصراع في المنطقة خلف شعارات الأمن والاستقرار والتحالفات الإقليمية.
لقد سعت الولايات المتحدة، بصفتها القوة الأكثر تأثيرًا في النظام الدولي، إلى إدارة الصراع في الشرق الأوسط وفق معادلة تقوم على حماية التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته احتواء خصومها الإقليميين، وفي مقدمتهم إيران. وفي هذا السياق، لم يكن الدعم الأمريكي لإسرائيل مجرد موقف سياسي تقليدي، بل جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي بما ينسجم مع المصالح الأمريكية.
غير أن التطورات المتلاحقة كشفت أن محاولة بناء منظومة إقليمية جديدة دون معالجة جذور الصراع التاريخي في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، تظل محاولة قاصرة وغير قابلة للاستمرار. فالصراع في الشرق الأوسط لم يكن يومًا مجرد مواجهة بين محاور إقليمية متنافسة، بل هو في جوهره صراع مرتبط بالاحتلال وحقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.
وفي هذا الإطار، تبدو الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو أكثر تمسكًا بسياسة إدارة الصراع بدلًا من حله. فالتصعيد مع إيران يمنح الحكومة الإسرائيلية فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الدولية بحيث يصبح الأمن الإسرائيلي في مواجهة “التهديد الإيراني” هو العنوان الرئيسي في الخطاب السياسي الدولي، بينما يتم دفع القضية الفلسطينية إلى هامش الاهتمام.
لكن هذا التكتيك لم يعد قادرًا على إخفاء حقيقة أن استمرار الاحتلال وسياسات الاستيطان والحصار يشكل أحد أبرز مصادر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. فكلما اتسعت دائرة الصراع الإقليمي، تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة باعتبارها القضية المركزية التي لم تجد بعد حلًا عادلًا وفق قواعد القانون الدولي.
أما على الصعيد الفلسطيني، فإن تداعيات هذه الحرب لا تقف عند حدود التحليل السياسي، بل تمتد إلى الواقع الميداني في الضفة الغربية وقطاع غزة. فالتصعيد الإقليمي غالبًا ما يترافق مع تشديد الإجراءات العسكرية الإسرائيلية، وتوسيع الاستيطان، وفرض مزيد من القيود على الفلسطينيين، في ظل غياب أفق سياسي حقيقي لإنهاء الاحتلال.
كما أن استمرار الحرب يضع الاقتصاد الفلسطيني أمام تحديات غير مسبوقة، في ظل الأزمات المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، وتراجع الدعم الدولي، وتعطل كثير من الأنشطة الاقتصادية نتيجة التوترات الأمنية والإغلاق المتكرر للمعابر.
ومن الناحية القانونية، فإن ما يجري يعيد طرح سؤال جوهري حول مدى احترام المجتمع الدولي للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. فقد أكدت قرارات الأمم المتحدة مرارًا حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967، كما شددت على عدم شرعية الاستيطان وضرورة إنهاء الاحتلال.
غير أن الواقع السياسي يظهر فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، حيث ما زالت القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين تواجه حالة من التعطيل أو التجاهل في ظل موازين القوى الدولية.
إن الحرب بين إسرائيل وإيران، وما يرافقها من انخراط أمريكي، تكشف اليوم سقوط ورق التوت عن كثير من السياسات الدولية التي حاولت إدارة الصراع بدلًا من حله. فالتجارب أثبتت أن تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يكرّس حالة من التوتر الدائم في المنطقة.
ومن هنا، فإن إعادة صياغة مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن أن تتحقق عبر التحالفات العسكرية وحدها، ولا عبر سباقات التسلح أو سياسات الردع المتبادل، بل عبر معالجة الجذر الحقيقي للصراع، والمتمثل في إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة.
لقد أثبتت الأحداث أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي يمكن تأجيله أو تجاوزه، بل هي مفتاح الاستقرار الحقيقي في الشرق الأوسط. وكل محاولة لإعادة ترتيب المنطقة دون حل عادل لهذه القضية ستبقى محاولة ناقصة، بل وربما مدخلًا لصراعات جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة.
إن اللحظة الراهنة تفرض على المجتمع الدولي إعادة النظر في مقاربته للصراع في الشرق الأوسط، والانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة الحلول الجذرية القائمة على العدالة والقانون الدولي، لأن التاريخ أثبت أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على موازين القوة وحدها، بل على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعوب.



