حرب إيران تفتح «الصناديق السوداء»: فانس يستعيد «حرية الكلام»… ضدّ إسرائيل

حرب إيران تفتح «الصناديق السوداء»: فانس يستعيد «حرية الكلام»… ضدّ إسرائيل
في حين قد تبدو مواقف جي دي فانس «مفاجئة»، إلّا أنه بالنظر إلى المواقف التي طبعت مسيرته، يبدو الرجل كمَن استغلّ «الخلاصات» التي أجبرت إيران، ترامب، على «ابتلاعها» على مضض، للتعبير عن الأفكار التي اضطرّ، طوال الفترة الماضية، إلى تداولها خلف الأبواب المُغلقة.
وصلت الانتقادات الداخلية الأميركية لإسرائيل إلى ذروتها، الثلاثاء الماضي، وذلك عقب توجيه نائب الرئيس، جي دي فانس، تحذيراً غير مسبوق إلى حكومة بنيامين نتنياهو، وتذكيره إيّاها بأن الرئيس دونالد ترامب هو «القائد العالمي الوحيد المتبقّي الذي يتعاطف معها»، وتحذيرها من مغبّة مهاجمة الولايات المتحدة أو خسارتها. كما طالب فانس، تل أبيب، علانية، بخفض حدّة عملياتها العسكرية في لبنان، محذّراً من أن تحرّكاتها تهدّد مسار عملية السلام الإقليمية الهشّة. وفي توبيخ لاذع استهدف وزراء إسرائيليين متطرّفين يعارضون المسار الدبلوماسي، شدّد نائب الرئيس على أن دولة يبلغ عدد سكانها تسعة ملايين نسمة، لا يمكنها الاعتماد على «القتل وحده لحلّ كلّ مشكلة من مشاكل أمنها القومي».
وعلى الرغم من أن لهجة فانس قد تبدو «مفاجئة» للوهلة الأولى، إلّا أنه بالنظر إلى المواقف التي طبعت مسيرة الرجل السياسية، يبدو الأخير كَمَن استغلّ «الخلاصات» التي أجبرت إيران، ترامب، على تجرّعها على مضض، للتعبير عن الأفكار التي اضطرّ هو، طوال الفترة الماضية، إلى تداولها خلف «الأبواب المُغلقة». وتأتي تصريحات فانس في خضمّ تكهّنات متزايدة بشأن ترشّحه المحتمل للرئاسة عام 2028، حيث كشف أحدث استطلاع للرأي أجرته «كلية إيمرسون» عن منافسة محتدمة على ترشيح «الحزب الجمهوري»، في وقت يتقدّم فيه نائب الرئيس بفارق نقطة مئوية واحدة فقط على وزير الخارجية ماركو روبيو (36% مقابل 35%). وتعقيباً على ما تَقدّم، قال فانس إنه «سيدرس الخطوات التالية لمسيرته السياسية بعد الانتخابات النصفية»، وإنه يركّز، حالياً، على دوره كنائب للرئيس.
من هو فانس؟
اشتُهر جي دي فانس، نائب رئيس الولايات المتحدة الخمسون، لفترة طويلة كمؤلّف كتاب «مرثية هيلبيلي» (Hillbilly Elegy) الصادر عام 2016، وهو عبارة عن مذكّرات تَصدّرت قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، وتناول فيها تجارب نشأته في «بلدة صلب في أوهايو كانت تستنزف الوظائف والأمل». وبالتزامن مع صدور الكتاب، كانت الولايات المتحدة تشهد انقساماً شديداً من جرّاء تصاعد الدعم الشعبوي لترامب، الذي كان آنذاك مرشّحاً عن «الحزب الجمهوري» في الانتخابات الرئاسية لعام 2016. وُلد فانس باسم جيمس دونالد بومان في مدينة ميدلتاون في ولاية أوهايو، وهو يتحدّر من أصول إسكتلندية أيرلندية. انفصل والداه في طفولته المبكرة؛ ومع زواج والدته – التي عانت لسنوات طويلة من اضطرابات إدمان الكحول والمخدّرات ممّا دفع جدّه وجدّته لأمه إلى تولّي تربيته – من زوجها الثالث، تغيّر اسمه إلى جيمس ديفيد هامل، وظلّ يُعرف بهذا الاسم طوال مرحلته الثانوية، وفترة خدمته في قوات مشاة البحرية (المارينز)، وسنوات دراسته الجامعية في ولاية أوهايو.
عقب تخرّجه من المدرسة الثانوية عام 2003، التحق فانس بقوات مشاة البحرية الأميركية، وأُرسل للمشاركة في حرب العراق. وفي وقت لاحق، نال شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والفلسفة من جامعة ولاية أوهايو عام 2009، ثمّ حصل على شهادة في القانون من «كلية ييل للحقوق» عام 2013. دخل فانس البيت الأبيض بأفكار أيديولوجية واضحة، تشمل تبنّي سياسة خارجية انعزالية، ونموذج اقتصادي جمهوري يركّز على دعم العمال، وفرض قيود صارمة على الشركات الكبرى، تُذكِّر بأسلوب تيدي روزفلت. وعلى الرغم من امتلاكه نظريات هيكلية متماسكة، من مثل إعطاء الأولوية للتنافس مع الصين على حساب الصراعات في أوكرانيا أو الشرق الأوسط، إلّا أن تأثيره داخل إدارة ترامب كان يبدو في حالة «انحدار مستمر»، وذلك على خلفية تحفّظه على خياراتها.
رتّب أحد أقطاب «وادي السيليكون» لقاءً اعتذر فيه فانس لترامب وأسفر عن كسبه دعم الأخير
من هنا، لا تبدو مواقف فانس الأخيرة مفاجِئة تماماً، وإن اضطرّ الرجل إلى «التكيّف» مع إدارة قرّرت أن «تبطش» بالعديد من دول العالم، وذلك بهدف الحفاظ على موقعه فيها. وبحسب تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» في أعقاب الهجومَين الأميركيَّيْن على الأراضي الإيرانية، فقد اضطرّ نائب الرئيس إلى «تكييف مواقفه الانعزالية لتتماشى مع التدخلات الفعلية للإدارة، فدافع عن عملية اعتقال الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو، كما روّج لتطلّعات ترامب بشأن السيطرة على جزيرة غرينلاند». على أنه في السرّ، حافظ – طبقاً لما أظهرته محادثات خاصة مُسرّبة عام 2025 على تطبيق «سيغنال» حصلت عليها، عن طريق «الخطأ»، المجلّة الأميركية -، على مواقفه المناهضة للتدخّل العسكري، معارضاً توجيه ضربات إلى «أنصار الله» في اليمن، قبل أن يذعن سريعاً، في العلن، للموقف الرسمي الأميركي. كذلك، واصل فانس تشكيكه الحادّ في الجهود الحربية الأوكرانية، ووصل به الأمر إلى حدّ توبيخ الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، علناً، خلال اجتماع في المكتب البيضاوي.
وفي أعقاب الهجوم العسكري المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، جرى تحييد رؤية فانس الانعزالية بالكامل، وهو ما تمظهر في صمته الذي استمرّ أياماً على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يتّضح أنّه تمّ استبعاده، أصلاً، من الدائرة التي أُعطيت إيجازاً عسكرياً أساسياً في مارا لاغو قبل الضربة. على هذا النحو، ظهر فانس وهو يدير اجتماعاً ثانوياً، بدلاً من المشاركة في توجيه القرارات الاستراتيجية للإدارة، ما يسلّط الضوء على تراجع نفوذه، وحقيقة أن أفكاره الأساسية المتعلّقة بالسياسة الخارجية والاقتصاد الشعبي، كانت، طوال الفترة الماضية، تفتقر لأيّ وزن حقيقي في عملية صنع القرار.
«خصم» ترامب الشرس
اللافت، أن المسؤول الذي يحرص حالياً على إظهار «وحدته» مع ترامب أمام شاشات التلفاز، كان من أشرس منتقدي الأخير خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016، حيث أعلن، بوضوح، في مقابلة مع «الإذاعة الوطنية العامة» (NPR)، أنه «لا يطيق ترامب»، معرباً عن قلقه العميق من أن خطاب الأخير يقود الطبقة العاملة البيضاء نحو «مسار مظلم وخطير». كذلك، أعلن فانس أنه سيصوّت على الأرجح لمرشّح من حزب ثالث، قبل أن تأتي علاقاته بأقطاب «وادي السيليكون»، وتُغيِّر المعادلة. في الواقع، وخلال دراسته في «كلية ييل» للحقوق عام 2011، حضر فانس محاضرة ألقاها المستثمر التكنولوجي، بيتر ثيل. وبحسب موسوعة «بريتانيكا»، لَامَسَ حديث ثيل حول كيفية إضرار الطموح التقليدي بالابتكار، شكوكاً كانت تُراود فانس بالفعل بشأن مستقبله في المحاماة. وعلى الرغم من إتمام الأخير لدراسته القانونية وعمله لفترة وجيزة في مكتب محاماة وكمساعد قضائي، إلّا أنه سرعان ما غيّر مساره المهني لينتقل إلى «وادي السيليكون»، حيث اشتغل في شركات التكنولوجيا الحيوية والاستثمار المغامر.
وبطبيعة الحال، بنى فانس، خلال عمله التكنولوجي، شبكة علاقات مع أسماء بارزة في القطاع، بمن فيهم ستيف كيس وإيلون ماسك وبيتر ثيل (الذي عمل لديه بين عامَي 2016 و2017). وكانت هذه العلاقات، ولا سيما مع ثيل وماسك، حاسمة في انتقاله اللاحق من عالم التكنولوجيا إلى معترك السياسة. وبعد محاولة فاشلة في عام 2017 لتأسيس منظّمة غير ربحية، أغلقت أبوابها بعد سنوات، عاد فانس، عام 2020، إلى قطاع الأعمال، وذلك عبر تأسيس شركة للاستثمار المغامر (Venture Capital)، حظيت بدعم مالي قوي من أقطاب بارزين في قطاع التكنولوجيا، بمن فيهم بيتر ثيل، والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميت، والملياردير مارك أندريسن.
وعندما أعلن سيناتور ولاية أوهايو، روب بورتمان، تقاعده في أوائل عام 2021، أطلق فانس العنان لمسيرته السياسية بالترشّح للمقعد الشاغر. لكنه كان يواجه معضلة كبيرة بسبب تصريحاته السابقة المناهضة لترامب في ولاية تدعم «الحزب الجمهوري» بشدة، ما دفَعه إلى الاستعانة بعلاقاته في «وادي السيليكون»؛ إذ تبرّع بيتر ثيل بأكثر من 15 مليون دولار لحملته، والأهمّ، أنه رتّب لقاءً اعتذر فيه فانس لترامب، ما أثمر عن نيل الأوّل تأييد الأخير، وإن على مضض. هكذا، فاز فانس على المرشح «الديمقراطي»، تيم رايان، في تشرين الثاني عام 2022، مستنداً إلى دعم ترامب. كما تبنّى خطاب حركة «ماغا»، مشارِكاً أحياناً في رعاية مشاريع قوانين اقتصادية مشتركة بين الحزبَين، ومتصادِماً مع قادة الحزب الجمهوري التقليديين من مثل ميت رومني وميتش ميكونيل، ولا سيما بسبب معارضته الشديدة للمساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا.
وعام 2024، دعم فانس، ترامب، خلال الانتخابات التمهيدية لـ«الحزب الجمهوري» لعام 2024، فيما كانت فرص اختيار الأول كزميل للثاني في السباق الرئاسي تتزايد، وذلك بفضل ضغوط قوية من أقطاب «وادي السيليكون»، وعلى رأسهم بيتر ثيل وإيلون ماسك. وبالفعل، أعلن ترامب، رسمياً، خلال «المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري» في 15 تموز 2024، تسمية فانس مرشحاً لمنصب نائب الرئيس. وعلى الرغم من الانتقادات التي طاولت قلّة خبرته النسبية، كونه لم يمضِ في مجلس الشيوخ سوى عامَين فقط عند اختياره، أظهر فانس مهارة قتالية في الحملة الانتخابية، ما ساهم في فوز بطاقة «ترامب-فانس» في الانتخابات الرئاسية في 5 تشرين الثاني 2024، وخسارة منافسَيهما «الديمقراطيَّيْن» كامالا هاريس وتيم والز.
الاخبار اللبنانية



