
حرب المياه : الحرب العالمية الثالثة ومؤشرات بدايتها فى منطقتنا
د. صبرى محمد خليل / أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم
مشكلة ندرة المياه العذبة وأسباب تفاقمها : يتعرض العالم فى العقود الأخيرة ، لمستويات غير مسبوقة، من الجفاف والندرة ” النسبية ” للمياه العذبة، نتيجة لعوامل متعددة، أهمها التغير المناخى، الناتج عن التوسع فى التصنيع غير الخاضع للضوابط البيئية، والإفراط فى إستهلاك المورد الطبيعية “وكلها إفرازات تطبيق النظام الإقتصادى الراسمالى على مستوى العالم “، وإزدياد معدل سكان الأرض…
تفاقم النزاعات المائية : كما إزدادت معدلات النزعات المائية المحلية ” حروب اهلية بسبب الصراع حول الموارد المائيه”، والإقليمية “نزاعات قانونية وعسكرية بين دول تشترك فى انهار ” ، والعالمية”محاولات قوى دولية السيطره على الموارد الطبيعية بما فيها المياه”.
المياه موضوع الحروب القادمة : كل هذا يجعل الموضوع الأساسى لأى حروب أوصراعات او نزعات قادمة هو المياه، بعد أن كان موضوعها الأساسى فى الماضى موارد طبيعية أخرى ” أهمها النفط” .
إختلاف طبيعة الحروب العالمية بين العصور الماضية والراهنه: وهنا يجب تقرير ان الحروب العالمية فى عصرنا وما يليه” الحرب العالمية الثالثة مثلا ” ، تختلف فى طبيعتها عن الحروب العالمية فى العصور الماضية ”الحربين العالميتين الأولى والثانية مثلا “، فهى غير خاضعة لذات التحديد المكانى ” اى أن تأثيرها يتجاوز أماكن حدوثها ” ، أو التحديد الزمانى” أى انها تحدث فى مدى زمنى متداخل البداية والنهاية “، أو التحديد الموضوعى’ المجالى’ ” اى انها تشمل مجالات متعدده”.
بداية الحرب العالمية الثالثة فى منطقتنا : إتساقا مع ما سبق ، فإننا نقرر أن الحرب العالمية الثالثة، قد بدأت فى منطقتنا، منذ العقد السابع من القرن الماضى، بتطبيق المخطط الإمبريالى- الصهيونى، الذى أطلق عليه إسم ” مشروع الشرق الأوسط الجديد” .
المياه كموضوع أساسى للحرب العالميه الثالثه: فكما اشرنا سابقا فإن الموضوع الأساسى للحرب العالمية الثالثه – التى بدأت فعليا فى منطقتنا – هو المياه، فقد بدأت القوى العالمية- والقوى الإقليمية والمحلية المتحالفه معها او التابعه لها، منذ ذلك الحين ،فى وضع و تنفيذ مخططات للسيطره على الموارد المائيه الرئيسيه فى العالم.
نماذج : ومن أشكال تنفيذ هذا المخطط فى منطقتنا :
المخطط الصهيونى ” من الفرات إلى النيل ” : فقد أنشأت القوى الغربية الإستعمارية – القديمة والجديدة- الكيان الصهيونى ودعمته، كحارس لتجزئه وتفتيت الأمة ، بما يضمن نهب مواردها ا الطبيعية” واهمها الموارد المائية “. لذا فان المخطط الصهيونى يهدف الى الإستيلاء على كل الأراضى العربيه، من الفرات إلى النيل ، كما هو واضح فى العلم الصهيونى ” خطان أزرقان يرمزان للفرات والنيل تتوسطهما نجمه داؤود”.
مشروع الشرق الأوسط الجديد ” الصهيونى- الامبريالى “: ويهدف الى تفتيت الدول العربية إلى دويلات طائفيه- قبليه، لذات السبب ، اى نهب الموارد الطبيعيه للأمة ” بما فيها الموارد المائية”.
حرب السودان (مخطط للتفتيت والسيطرة على النيل وليس مجرد صراع مسلح) : كل ماسبق يوضح لنا الحرب التى دارت وتدور رحاها فى السودان منذ عام ٢٠٢٣ ، ليست مجرد صراع مسلح على السلطه، بين أطراف داخليه متساوية – كما يحاول إيهامنا الذين هم مجرد ادوات تنفيذ لهذا المخطط – بل مرحلة جديده من مراحل تطبيق ذات المخطط ( مشروع الشرق الأوسط الجديد ” الإمبريالى – الصهيونى “)، ويهدف الى تفتيت السودان ،إلى دويلات قبلية- طائفية ، على أنقاض الدولة الوطنية السودانية، لضمان تطبيق مرحله جديده من مراحل السيطره على النيل- اطول نهر فى العالم- سبقتها مراحل عديده منها:
* فصل جنوب السودان ٢٠١١
* الإستمرار فى تشجيع النزعات الإنفصالية فى مناطق متعددة.
* العمل على انشاء سدود مائية فى عده دول افريقية نيلية، دون اتفاق مع دولتى المصب’ السودان ومصر’ ( انشاء سد النهضة فى اثيوبيا نموذجا) .
والإستمرار فى تطبيق هذا المخطط فى المرحله الحالية – وما يليها من مراحل- سياخذ أشكال متعددة منها:
* تعميق الإستقطاب” الصراع” السياسى بين النخب السياسية السودانية، ومن مظاهرة الحصر الثنائي بين العلمانيين، والإسلاميين” مذهب التفسير السياسى للدين ‘ الإسلام السياسى’ “، وما يلزم منه من دوران فى حلقة استعمارية مفرغه، يلزم منها الحيلوله دون حل مشاكل الواقع الحقيقية، وتعميق الإستقطاب السياسى …
* الضغط على النخب السياسية السودانية الحاكمة المتعاقبة، لتمرير السياسات التى تحقق أهداف هذا المخطط ، ومن امثلتها:
١. التطبيع مع الكيان الصهيونى.
٢. تغيير هوية الدولة ” الوطنية والقومية والدينية…” ، من خلال تغيير العلم والعملة والدستور ومناهج التعليم… بما يضمن تحقيق ذلك.
٣ . رهن الإقتصاد الوطنى بسياسات المؤسسات الاقتصادية الراسمالية- الصهيونية الدولية “البنك الدولى، صندوق النقد الدولى ومنظمة التجاره الدولية…”، بزياده معدلات تطبيق النظام الراسمالى” رفع – ترشيد الدعم- تقويم العملة الوطنية…”.
٤.تغيير التركيبه السكانية” الديموغرافية” للدولة بإعادة توطين جماعات قبليه ، فى غير أماكن وجودها الأصلية.
نهب الثروه المائية لشعوب الامة: ومن مظاهرها:
* سرقه الكيان الصهيونى لمياه بحيره طبريه التى استولى عليها عام ٦٧، والتى ترفد نهر الاردن بالمياه، رغم أن اتفاق السلام بينه والاردن يتعارض مع ذلك.
* استيلاءدول اقليميه على مياه انهار عربية” نموذجا إستيلاء تركيا على مياه نهرى دجله والفرات فى العراق وسوريا ، رغم وجود اتفاقيات بينها وهذه الدول.
الضغط المستمر للكيان الصهيونى على الحكومات المصرية المتعاقبة، لإنشاء خط أنابيب يمد الكيان بمياه النيل.
انشاء نظم محلية تابعة للقوى التى تقف خلف المخطط مشاريع ، تضمن من خلالها السيطره على الموارد المائيه، والتحكم فى البحار والموانئ ، وذلك كجزء من مرحلة الهيمنة الإستعمارية بالوكالة الحالية .
المعركة وأسباب الإنتصار:
الوعى ببداية الحرب العالمية الثالثة فى منطقتنا : يتضمن الإنتصار فى هذه المعركة – على المستوى الفكرى- الوعى بأن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت فعليا فى منطقتنا، منذ العقد السابع من القرن الماضى، بتطبيق المخطط الإمبريالى- الصهيونى، الذى أطلق عليه إسم( مشروع الشرق الأوسط الجديد” الإمبريالى – الصهيونى”)،والذى يهدف إلى التفتيت” الطائفى- القبلى للأمة، لضمان نهب مواردها الطبيعية” واهمها الموارد المائية”.
الوعى ببداية المعركه الفاصلة بين (الإستخلاف الثانى للأمة ) و(الإستكبار العالمى الخامس): كما يتضمن ايضا الوعى بالبداية- المتزامنة- للمرحلة الأولى ” الحضارية “ للمعركة الفاصلة بين الإستخلاف الثانى للأمة ، والإستكبار العالمى الخامس” الإمبريالى- الصهيونى”، طبقا لمستواها الاساسى ” الشعبى” ، وأنها امتداد لمعارك فاصلة متعددة ( اليرموك، حطين ، عين جالوت، السويس ٥٦) ،بين أنماط متعددة من إستخلاف الأمة( الاول، الثانى) ، و الإستكبار العالمى (الفارسى ،الرومانى، المغولى، الصليبي، الاستعمار القديم والجديد… ) ، وأنها تشترك معها فى كون هذة الامة هى محلها، لكن تختلف عنها فى أن المرحلة الأساسيه لهذه المعارك كانت مرحلتها العسكرية، وأن مستواها الرئيسى كان مستواها الرسمى، بينما المرحلة الأساسية لهذه المعركة هى مرحلتها الحضارية، وان مستواها الاساسى هو مستواها الشعبى.
ضرورة الإنتقال من التفعيل التلقائي إلى التفعيل القصدى : لذا فإن إنتقال الإرادة الشعبية للأمة،من مرحله التفعيل التلقائى (رد الفعل العفوى ، العاطفى ،المؤقت ) ، إلى مرحلة التفعيل القصدى ( الفعل المنظم ” المخطط” ، العقلانى ، المستمر ” المؤسسى ”) ، هو شرط الإنتصار فى هذه المرحله من المعركه، وفى ذات الوقت مؤشر على بداية مرحلتها الثانيه .
الأمن المائى كمكون أساسى للامن الوطنى والقومى للأمة: ويتضمن أيضا الإنتصار فى هذه المعركة – على المستوى الرسمى- الوعى بأن الامن المائي اصبح مكون رئيسى للامن الوطنى والقومى للامة ، وانه يجب التنسيق بين الدول العربيه لتحقيق الأمن المائي.
الوعى البيئى: كما يتضمن – على المستوى الشعبى- تفعيل الوعى البيئى، والذى يتضمن الوعى بأهمية الموارد المائية، والحفاظ عليها ، ومنع تلوثها ، وترشيد إستخدامها. و انشاء أو تفعيل مبادرات شعبية لوعى البيئي و حمايه الأمن المائي.
تفعيل إشتراكيه المياة كمفهوم إسلامى ومحاربه رسملتها (المياه بين مفهومى السبيل و التسليع) : كما اشرنا سابقا ، فإن من اسباب تفاقم مشكله ندره المياه ، هو تطبيق النظام الاقتصادى الراسمالى على مستوى العالم كله، لأنه يقوم على نهب الموارد الطبيعية للشعوب- ومنها الموارد المائيه- وإحتكارها بواسطه القوى الراسماليه الكبرى . وهنا نجد اننا كمجتمعات مسلمه تخلينا عن مفهوم إشتراكية المياه، الذى قرره المنظور الاقتصادى الأسلامى: ( الناس شركاء فى ثلاث : الماء والنار والكلاء)، وكان من امثلته التطبيقية سبيل الماء المجانى ، واخذنا بالمنظور الرأسمالى للموارد الطبيعية – ومنها الموارد المائية- ممثلا فى المياه المحفوظة فى قوارير ، والتى تباع كسلعه فى الأسواق ” مياه الصحة “.
لذا فان الإنتصار فى هذه المعركه ، يتضمن ايضا – على المستوى الشعبى- المقاومة الشعبية السلمية المنظمة، للنظام الإقتصادى الرأسمالى ، والذى يتم تطبيقه فى المنطقه، منذ العقد السابع من القرن الماضى، تحت شعارات مثل : الإنفتاح /الإصلاح / التحرير : الإقتصادى ، الخصخصة ، رفع – أو ترشيد – الدعم…
التحرر من الحصر الثنائي بين العلمانيين والإسلاميين وما يلزم منه من آثار سالبة- كما اشرنا اعلاه- وذلك من خلال تجاوز الحلول – الخاطئة- التى قدموها لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة، والتى تتعارض مع جوهر الحل الاسلامى الصحيح للعلاقة، والذى مضمونه أنها من جهة علاقة إرتباط ” بتقييد السلطة بمفاهيم كلية كالشورى والعدل والمساواة…”- وليست علاقه خلط كما فى مذاهب أجنبية كالكهنوت والثيوقراطيه ، كما يفترض خطأ مذهب التفسير السياسى للدين- ، ومن جهة أخرى هى علاقة تمييز” بتميز الإسلام بين التشريع كوضع الهى ثابت والإجتهاد ككسب بشرى متغير”- وليست علاقة فصل كما يفترض خطأ مذهب العلمانية الليبرالى.وهذا الحل يتحقق من خلال تقرير مدنية السلطة” لأن الحاكم فى الإسلام نائب ووكيل عن الجماعة”، ودينية أصول التشريع” لأن مصدرها الوحى”.


