عربي دولي

حصاد «الدبلوماسية» السورية: شهيّة التوسّع الإسرائيلية تتعاظم

حصاد «الدبلوماسية» السورية: شهيّة التوسّع الإسرائيلية تتعاظم

يعود الحديث مجدّداً عن المفاوضات السورية – الإسرائيلية، فيما يستعدّ أحمد الشرع لزيارة الولايات المتحدة. ويأتي ذلك رغم أن سياسة الدبلوماسية والاعتماد على واشنطن لم تُفضِ، على مدار عامين، إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو حلحلة ملفّ السويداء.

عامر علي

«إسرائيل باتت تسيطر على المنطقة الممتدّة من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك، ومن هنا إلى البحر المتوسط، بشكل مطلق لم يسبق له مثيل»؛ بهذه الكلمات، تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال زيارته إلى قمّة جبل الشيخ الذي تحتلّه تل أبيب منذ نهاية عام 2024، في وقت تتابع فيه السلطات الانتقالية مساعيها «الدبلوماسية» للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، بدعم أميركي. وإذ تعبّر التصريحات التي أطلقها نتنياهو، بشكل مباشر، عن السياسة التي تتّبعها إسرائيل في المنطقة عموماً، وفي سوريا على وجه الخصوص – حيث تحتلّ مناطق واسعة في جنوب البلاد، وتفرض منطقة منزوعة السلاح تصل إلى تخوم العاصمة دمشق، كما تدعم «الإدارة الذاتية» في السويداء في أقصى الجنوب -، يُنظر إليها، في الوقت نفسه، على أنها جزء من الدعاية التي يمارسها نتنياهو عشيّة انتخابات «الكنيست الـ26»، المُقرَّر عقدها في 27 تشرين الأول المقبل.

وتتّسق تلك التصريحات مع أخرى أطلقها مسؤولون إسرائيليون زاروا المناطق السورية المحتلّة، بينهم، على سبيل المثال، وزير الأمن يسرائيل كاتس، الذي وجّه رسالة، خلال زيارة أجراها إلى قمّة جبل الشيخ في الـ25 من آب الماضي، إلى الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، قائلاً: «عندما ينظر من دمشق إلى جبل الشيخ ويرى الجيش الإسرائيلي، فعليه أن يعلم أن إسرائيل موجودة هناك لحماية بلداتها وحدودها»، مضيفاً أن قواته لن تنسحب من هذه المناطق. كذلك، يتّسق التبجّح الكلامي الإسرائيلي مع المتغيّرات على الأرض في سوريا، حيث فقدت دمشق، بُعيد سقوط النظام السابق، ما تبقّى من قدراتها العسكرية، ولا سيما وسائل الدفاع الجوي، وتعرّض جيشها لأكبر موجة هجمات استهدفت بنيته التحتية، الأمر الذي أفضى إلى تدمير قدراته، وفتح الأجواء السورية أمام الطائرات الإسرائيلية.
في مقابل ذلك، انتهجت السلطات الانتقالية سياسة «دبلوماسية»، مبديةً استعدادها للقبول بجانب كبير من الشروط الإسرائيلية، بما فيها إقامة منطقة منزوعة السلاح جنوبي البلاد. وفي وقت أعلنت فيه أنها تعوّل على الولايات المتحدة و«حلفائها» في هذا الملفّ، لم يفضِ رهانها، حتى الآن، إلى أيّ نتيجة. فمنذ نحو عام، عقدت السلطات، بدفع أميركي ووساطة فرنسية، اجتماعات متعدّدة مع إسرائيل، في سبيل التوصّل إلى اتفاقية أمنية، تمهّد الطريق أمام اتفاقية تطبيع كاملة. وفيما تضمّنت الخطّة الأميركية ذات الصِّلة «مغريات اقتصادية»، بينها إقامة مناطق اقتصادية في الجنوب السوري، إلى جانب جميع المطالب الإسرائيلية، سواء قطع طرق إمداد المقاومة في لبنان، أو ضمان عدم وجود أيّ «تهديدات»، تمّ التوافق، بالارتكاز على تلك الأسس، إلى مُسوّدة تفاهم، كان يُفترض أن يُوقّع عليها خلال زيارة للشرع إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتمعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. غير أن التفاهم المنشود لم يبصر النور، بعدما رفضت تل أبيب التوقيع عليه، الأمر الذي تسبّب بتجميد المحادثات، علماً أن دمشق كانت بادرت إلى تنفيذ جميع المطالب التي نصّت عليها المُسوّدة المذكورة، أملاً في استدراج ضغط أميركي على إسرائيل.

إلّا أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي أصدر عام 2019 قراراً باعتبار الجولان السوري «أرضاً إسرائيلية»، لم تبادر إلى اتّخاذ أيّ إجراء حقيقي حتى الآن، بينما واصلت إسرائيل توغّلاتها العسكرية التي وصلت إلى تخوم دمشق، وسيطرت أيضاً على منابع المياه العذبة، كما عاودت، بين وقت وآخر، تنفيذ اغتيالات أو غارات على مواقع مختلفة، أبرزها الاعتداء الذي استهدف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، بحجّة منع تركيا من التموضع في المطار. كذلك، لم يكفّ المسؤولون الإسرائيليون عن إطلاق تصريحات تشدّد على ضرورة بقاء سوريا «مفتوحة» أمام حركة جيش الاحتلال، وترفض أيّ تمدّد عسكري تركي فيها، الأمر الذي جعل الاتفاقية الأمينة المُعلَّقة بين دمشق وتل أبيب، رهناً باتفاقات أخرى مع أنقرة، التي باتت تملك حضوراً غير مسبوق في الملف السوري.
هكذا، وعلى مدار نحو عامَين، لم تنجز سياسة الدبلوماسية والاعتماد على الولايات المتحدة، أيّ نتائج حقيقية؛ إذ لم تفلح في منع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها أو في حلحلة ملفّ السويداء الذي تقبض عليه تل أبيب – بعد تدخّلها في المحافظة بحجة حماية الدروز – باعتباره «أحد المكاسب» من التغيير في سوريا. واليوم، يعود الحديث مجدّداً عن مفاوضات سورية – إسرائيلية، في وقت استؤنفت فيه اللقاءات بين الجانبَين، عبر اجتماع ضمّ وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، ورئيس جهاز «الموساد» رومان غوفمان، الشهر الماضي، بوساطة أميركية في عمّان. وبينما لم تتسرّب عن هذا اللقاء أيّ معلومات دقيقة حول ما تمّ الاتفاق عليه، باستثناء الحديث الإسرائيلي عن أنه كان «مفيداً»، وناقش بشكل أساسي التمدّد التركي في سوريا، بقيت القضية الأبرز (استباحة سوريا واحتلال مناطق جنوبي البلاد)، مُعلّقة.
وبينما تستعدّ الولايات المتحدة لاستقبال الشرع مُجدّداً للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، كتب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس برّاك، بعد اجتماع عقده مع الشيباني في أنقرة، عبر حسابه على موقع «إكس»، أن «الدبلوماسية ليست مسرحاً، بل تقوم على المواءمة بين المصالح قبل تحوّل الخلافات إلى أزمات»، ليَعقب ذلك بساعات قليلة ظهور نتنياهو على قمّة جبل الشيخ وتوعّده السلطات الانتقالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب