حصاد الزيارة الباهتة: «الأوراق كلّها»… في أيدي الصين!

حصاد الزيارة الباهتة: «الأوراق كلّها»… في أيدي الصين!
بعد تسع سنوات من آخر زيارة له إليها، وصل ترامب إلى «صين مختلفة» عمّا دار في باله؛ إذ وجد دولةً تعطي الأولوية لـ«الاكتفاء الذاتي» على حساب الصفقات التجارية مع كبرى شركاته، من دون أن تبدو مستعدّة لتقديم تنازلات في الملفات الساخنة، وعلى رأسها الملف الإيراني.
قبيل مغادرته القمّة التي استمرّت يومَين في بكين، وإلى جانب محاولته الإيحاء بأنه تمكّن من «انتزاع» مواقف صينية داعمة لموقفه إزاء طهران، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنه أبرم العديد من الصفقات التجارية مع الصين، وذلك بعدما كان قد حضر برفقة مجموعة من مليارديرات التكنولوجيا الذين وصفهم بـ«الرائعين». على أن تفاصيل تلك الصفقات ظلّت، حتى اللحظة، مبهمة، وهو ما انعكس تراجعاً في الأسهم في الداخل الأميركي، حيث كان ساد «تفاؤل» بمخرجات إيجابية محتملة للزيارة. ولعلّ أبرز ما طبع زيارة ترامب، تأكيد الرئيس الصيني، شي جين بينغ، له أن «مسألة تايوان هي القضية الأكثر أهمية في العلاقات الصينية»، وتحذيره إيّاه من أنه في حال عدم التعامل معها «بشكل صحيح»، فإن هذا قد يؤدي إلى اشتباكات أو حتى إلى اندلاع صراع، في تحذير وصفه مراقبون بـ«غير المسبوق».
وقبيل قمة ترامب – شي، بدا المستثمرون متفائلين جدّاً، إلى حدّ حمَلهم على رفع أسعار الأسهم إلى مستويات قياسية. ولكن، عندما جاءت نتائج القمة مليئة بـ«الكلام السياسي العام»، وغابت عنها العقود الملزمة والأرقام المحدّدة، شهدت الأسواق تراجعاً فورياً؛ إذ انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بأكثر من 300 نقطة أو 0.6%. كما انخفضت العقود الآجلة الأوسع لمؤشر «ستاندرد آند بورز» بنحو 500 بنسبة 1%، فيما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنسبة 1.4%. وفي ظلّ عدم وجود قرار حاسم بإعادة فتح مضيق هرمز، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 3%، لتتجاوز الـ108 دولارات للبرميل. حتى إن العقود الآجلة لفول الصويا شهدت، بدورها، ارتفاعاً حاداً، وذلك بعدما تحدثت الولايات المتحدة عن التزام، إنّما «غامض»، من جانب الصين بشراء المنتجات الزراعية من الولايات المتحدة.
ودفع ذلك ببعض المراقبين إلى المقارنة بين زيارة ترامب الحالية وتلك التي أجراها عام 2017. وأفاد تقرير نشرته شبكة «سي أن أن» بأنه قبل تسع سنوات، أحضر ترامب معه ما يقرب من 30 مديراً تنفيذياً أميركياً، فيما أعلنت وزارة التجارة الأميركية، آنذاك، عن 37 صفقة بقيمة إجمالية تزيد على 250 مليار دولار، بما فيها التزام من الصين بشراء 300 طائرة «بوينغ»، وهو الالتزام الذي لم يتمّ الوفاء به بعد. أمّا اليوم، فقد جاء ترامب برفقة 17 مديراً تنفيذياً، بدوا «أكثر تركيزاً على وصول بضائعهم إلى السوق الصينية»، وعلى الأرجح، الخروج بصفقات لـ«تلميع» صورة الرئيس الأميركي في الداخل. على أنه، بحسب الشبكة نفسها، واجه المديرون التنفيذيون «مهمةً أصعب بكثير» مقارنة بما سجّلته زيارتهم السابقة؛ إذ إنهم عاينوا هذه المرّة نجاح «الجمهورية الشعبية» في رعاية وتطوير الشركات المحلية كجزء من مسعى وطني إلى تعزيز «الاكتفاء الذاتي»، سواءً في مجالات التكنولوجيا، أو التصنيع، أو الاستهلاك المحلي، وهو مسعى كانت قد عزّزته الحرب التجارية التي شنّتها إدارة ترامب الأولى.
واجه المديرون التنفيذيون الذين يبحثون عن موطئ قدم في السوق الصينية «مهمةً أصعب بكثير» مقارنة بالزيارة السابقة
على سبيل المثال، ضغط جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، والذي انضمّ إلى رحلة ترامب في اللحظات الأخيرة، على الحكومة الأميركية للموافقة على بيع رقائقها الأقلّ تقدّماً إلى الصين. ومع ذلك، أحجمت بكين عن الشراء، ممّا يرجع، جزئياً، إلى تفضيلها دعم صانعي الرقائق المحليين. أمّا شركة «تسلا»، التي سافر رئيسها التنفيذي، إيلون ماسك، إلى بكين أيضاً، فقد بدأت تفقد مكانتها داخل الصين وفي معظم أنحاء العالم، لصالح منافستها الصينية «بي واي دي» (BYD). ووفقاً لشركة «كونتربوانت» للأبحاث، انخفضت حصّة «تسلا» في سوق السيارات الكهربائية في الصين إلى 10% في الربع الأخير من عام 2025، مقارنة بـ14% قبل عام. كما خسرت الشركة مكانتها كأكبر بائع للسيارات الكهربائية في العالم لصالح «بي واي دي» العام الماضي. وفي غياب أيّ إعلانات عن استثمارات أميركية في الصين، قال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، الخميس، إن البلدَين ناقشا إنشاء مجلس استثمار للاستثمار الصيني في القطاعات غير الحساسة في الولايات المتحدة، منوهاً إلى إمكانية إنشاء مجلس للتجارة من شأنه تسهيل إلغاء بعض الرسوم الجمركية على سلع تبلغ قيمتها نحو 30 مليار دولار.
ومن بين الاتفاقات التي تمّ التحدث عنها بـ«اقتضاب»، أعلن ترامب عن «صفقة بوينغ»، والتي وافقت بكين بموجبها على شراء 200 طائرة، مشيراً إلى أن العدد قد يتوسّع ليصل إلى 750. كما أعلنت الولايات المتحدة أن الصين أعربت عن اهتمامها القوي بإجراء مشتريات سنوية بـ«ملايين الدولارات» من النفط الأميركي والغاز الطبيعي المسال (LNG) وفول الصويا على مدى السنوات الثلاث المقبلة، جنباً إلى جنب استمرار تجميد التعريفات الجمركية عبر الحفاظ على الهدنة التجارية السابقة التي تمّ التوصل إليها في كوريا الجنوبية. وتعقيباً على ذلك، ذكرت شبكة «يورو نيوز» الإخبارية الأوروبية، أنه بعدما «غذّى»، بنفسه، التوقعات حول زيارته إلى بكين، ورفع سقفها، غادر الرئيس الأميركي البلاد من دون أن يحقّق الكثير، مما خيّب آمال المستثمرين. وفي ما يتعلّق ببؤر التوتّر الرئيسة – مثل إيران وتايوان -، فإن «الصين لم تتنازل عن أيّ شيء». وتردف الشبكة أن ذلك يعود، إلى حدّ كبير، إلى أن الصين هي من تمتلك «اليد العليا»، في الوقت الراهن. أمّا الشق الإيجابي الوحيد من الزيارة، فيتمثّل، على الأغلب، في منع التنافس بين القوتين من «الخروج عن نطاق السيطرة».
«تعويم» إعلامي
بدت لافتةً، في خلال الزيارة، «الفجوة» الواضحة بين التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين من جهة، وتلك الآتية من نظرائهم الصينيين من جهة أخرى، في ما يتعلّق بالملف الإيراني، ممّا يوحي بمحاولة أميركية لـ«تعويم» وسائل الإعلام بـ«إنجازات»، هي في معظمها، مختلقة. وكانت إيران جزءاً من مجموعة القضايا التي تمّ بحثها على مدى أكثر من ساعتين من المناقشات بين شي وترامب الخميس؛ وخلال مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، قال الرئيس الأميركي إن شي «عرض المساعدة في حلّ الصراع، وتعهّد بعدم تزويد إيران بالمعدات العسكرية»، فيما جاء في بيان صادر عن البيت الأبيض أن البلدَين اتفقا على أن «مضيق هرمز يجب أن يظلّ مفتوحاً، وأن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً»، وأن «شي أكد معارضة الصين لعسكرة المضيق وأيّ جهد لفرض رسوم على استخدامه (…)».
على أنّ كلّ ما تقدّم ظلّ، بشكل عام، محصوراً بـ«المصادر» الأميركية، بينما حرصت الصين، من جهتها، عبر التصريحات التي وردت على لسان مسؤوليها عقب اللقاء، على الحفاظ على مواقفها السابقة كافة في ما يتعلّق بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، والوضع الإيراني، بما في ذلك حق إيران في التخصيب السلمي لليورانيوم، والدعوة إلى إنهاء الحرب «غير الضرورية»، والتي ما كان يجب أن تبدأ من الأساس. وفي حديث إلى «الأخبار»، يؤكّد الكاتب وعضو مجلس الإدارة في «الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط»، رونغ هوان، أنه في ما يتعلّق بمضيق هرمز، فإن «موقف الصين كان، منذ اللحظة الأولى، يدعو إلى العبور الطبيعي للسفن في المضيق واستعادة السلام والاستقرار في المنطقة»، في إشارة إلى أن موقف «الجمهورية الشعبية» لم يتأثّر بالزيارة الأخيرة.
على أيّ حال، لم يتنظر العديد من المراقبين مخرجات الزيارة للتأكيد أن تغيّراً وحيداً قد طرأ، قبل وصول ترامب إلى الصين، على العلاقات بين البلدَين، تسبّبت به، إلى حدّ كبير، الحرب التجارية «الخاسرة» على الصين، وفي وقت لاحق، «التورّط» الأميركي في حرب جديدة في الشرق الأوسط. وبالحديث عن الحرب التجارية، شبّه تقرير لمجلة «فورين أفيرز»، الانفراجة الدبلوماسية التي توصّل إليها الطرفان سابقاً في كوريا الجنوبية، بمفاوضات الحدّ من الأسلحة النووية إبان الحرب الباردة، مشيراً إلى أنه بعدما ترنّحا على شفا دمار اقتصادي مؤكّد، نجح الجانبان في التراجع عن حافة الهاوية. على أنه للمفارقة، افتقر «اتفاق بوسان» إلى التناظر الذي اتّسمت به معاهدات نزع السلاح في القرن العشرين، والتي خضعت فيها القدرات العسكرية المتطابقة لقيود متبادلة. وبدلاً من ذلك، تراجعت الصين عن استخدام سلاح واحد، وهو قيودها الأكثر صرامة على صادرات المعادن النادرة، في مقابل امتناع الولايات المتحدة، من جهتها، عن فرض ضوابط على الصادرات في جميع المجالات، بما فيها التكنولوجيا، والأمن السيبراني، وحظر الانتشار النووي. وقد أدى عدم التوازن هذا، بحسب أصحاب الرأي المتقدّم، إلى «تعزيز موقف الصين العام في إطار العلاقات الثنائية».
وإذ تمسك بكين بـ«خناق» المعادن النادرة، والتي ستحتاجها الولايات المتحدة لبعض الوقت، فقد يجد صنّاع السياسات الأميركيون الحاليون والمستقبليون صعوبة في إعادة إرساء «أساس أكثر ملاءمة» للاستقرار الأميركي – الصيني، من معاهدة كرّست، في الأصل، التفوق الصيني. وبالنسبة إلى بكين التي يترّبع ملف تايوان على عرش أولوياتها، فقد أسهمت الحرب الطاحنة على طهران في استنزاف القوة النارية الأميركية بشدة، إلى درجة أن المحللين العسكريين والجيوسياسيين الصينيين باتوا يشكّكون، علناً، في قدرة واشنطن على الدفاع عن الجزيرة. لا بل إنه من وجهة نظر بعضهم، حطّمت الحرب «هالة الهيمنة الأميركية» بشكل لا رجعة عنه.
الاخبار اللبنانية




