تحقيقات وتقارير

حقوقيون يوثّقون تصاعدا في الانتهاكات ضد الصحافيين والناشطين في عهد السوداني: مخاوف على سمّعة العراق الدولية

حقوقيون يوثّقون تصاعدا في الانتهاكات ضد الصحافيين والناشطين في عهد السوداني: مخاوف على سمّعة العراق الدولية

بغداد / مشرق ريسان

كشفت منظمة «فريدم هاوس» الأمريكية، عن تراجع ملحوظ في مستوى الحريات السياسية والإعلامية في العراق، مصنفة البلاد ضمن خانة «غير حر»، وهي أدنى درجة في تصنيفاتها.

بغداد ـ :في الوقت الذي أنتج فيه الضغط الحقوقي على البرلمان، سحب مسودّة قانون «حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي»، من مجلس النواب العراقي (البرلمان)، وإجهاض محاولات تشريعه من دون الأخذ بمقترحات المنظمات الحقوقية والنشطاء، وثّقت مراصد معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان والصحافيين، تصاعداً في الانتهاكات المسجّلة بحق ناشطي الرأي والصحافيين في العراق، في عهد الحكومة الحالية، برئاسة محمد شياع السوداني.
ووفق معلومات أوردها «مركز النخيل للحريات والحقوق الصحافية»، فإنه «على الرغم من تأكيدات الحكومات المتعاقبة على التزامها بحرية الرأي والتعبير، تُظهر الحقائق الموثقة من منظمات دولية ومحلية أن الواقع مختلف تمامًا، فقد شهدت فترات حكم الحكومات العراقية، بما فيها حكومة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، تصاعدًا في الدعاوى القضائية والانتهاكات ضد الصحافيين والناشطين، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام الدولة لهذا الحق الأساسي».
وخلال فترة حكومة السوداني، يشير المركز إلى تسجيل «عشرات الحالات من الملاحقات القضائية والاعتداءات التي استهدفت صحافيين وناشطين بسبب آرائهم وانتقاداتهم السياسية»، معتبراً أن «هذه الملاحقات غالبًا ما تستند إلى مواد قانونية فضفاضة في قانون العقوبات أو شكاوى التشهير، ما يفتح الباب أمام استغلال السلطة لقمع الأصوات المعارضة».
وأشار إلى أن «من بين أبرز الحالات التي وثقتها المنظمات، ملاحقة إعلاميين وصحافيين مثل عدنان الطائي ومحمد نعناع، كما تعرضت صانعة المحتوى شايان علي لحكم بالسجن سنتين في كركوك بسبب انتقادها للقضاء، وتوفيت في ظروف غامضة داخل سجن بغداد المركزي في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2024».
ولفت إلى أنه «في بعض الحالات، انتهت الملاحقات القضائية بـ(تنازل) شخصي من رئيس الوزراء، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد حملات تضامن واسعة النطاق، ما يشير إلى أن الهدف الأساسي من هذه الدعاوى هو التضييق والترهيب».
ويرى المركز أن الإحصائيات الرسمية والتقارير الصادرة عن الجمعيات المهنية، تؤكد حجم المشكلة، إذ أنه في عام 2024 «وثقت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة 457 حالة انتهاك بحق الصحافيين والإعلاميين. تضمنت هذه الانتهاكات اعتقالات، ورفع دعاوى قضائية، وحالات عنف، ومنع من التغطية، وحجب مواقع إخبارية، بالإضافة إلى مخالفات من هيئة الإعلام والاتصالات ونقابة الصحافيين».
أما في عام 2025 الحالي، فقد «استمرت الانتهاكات، حيث وثقت الجمعية العديد من حالات التضييق، منها حكم بالسجن على رئيس تحرير صحيفة الدستور، باسم الشيخ، على خلفية مقال رأي، وذلك بدعوى رفعها نقيب الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي»، فيما «وثقت نقابة الصحافيين (في إقليم كردستان) 45 حالة انتهاك خلال العام الماضي، شملت اعتقالات تعسفية واعتداءات على الصحافيين».
واعتبر أن «هذه الانتهاكات المتكررة لها تأثير مباشر على سمعة العراق الدولية فيما يخص حرية الصحافة».
وأشّر المرصد الحقوقي وضّع مؤشر «مراسلون بلا حدود» لعام 2025 العراق في المرتبة 155 عالميًا، حسب رئيس «المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق»، فاضل الغراوي، عادّاً هذا المؤشر «دليلًا واضحًا على أن العراق لا يزال يسجل أعلى عدد من الصحافيين الشهداء على مستوى العالم خلال الثلاثين عامًا الماضية، ما يجعل حماية الصحافيين وضمان حرية التعبير تحديا كبيرا أمام الحكومة».
وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي، كشفت منظمة «فريدم هاوس» الأمريكية، في تقريرها الدولي السنوي حول أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان، عن تراجع ملحوظ في مستوى الحريات السياسية والإعلامية في العراق، مصنفة البلاد ضمن خانة «غير حر»، وهي أدنى درجة في تصنيفات المنظمة.
وأشار التقرير إلى أن تراجع الحريات في العراق تزايد بشكل ملحوظ خلال الأعوام 2023 و2024 و2025، بالتزامن مع تولي حكومة محمد شياع السوداني السلطة، حيث سجلت البلاد انخفاضاً في المؤشرات المتعلقة بحرية التعبير، واستقلال الإعلام، والمشاركة السياسية.
وحددت المنظمة عدداً من الأسباب الرئيسية لهذا التراجع، أبرزها: ضعف مؤسسات الدولة، تفشي الفساد، تدخل الجماعات المسلحة في صنع القرار السياسي، قمع الحريات الصحافية وعدم الالتزام بمعايير حقوق الإنسان.
يأتي ذلك فيما أفلح ضغط المنظمات الحقوقية المحلية والدولية في وقف مشروع برلماني لتشريع قانون «حرية التعبير عن الرأي وحق الحصول على المعلومة»، لما تضمنّه من تعابير فضفاضة يمكن لها أن تضيّق على الحريات بعكس الهدف المرجوّ من القانون.
وأواخر الأسبوع الماضي، كشف رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية ارشد الصالحي، عن إجراء تغييرات جذرية على القانون المُرسل من قبل الحكومة، مؤكداً أن النسخة الحالية تضمن حقوق المتظاهرين جميعاً، غير أنه قرر سحبه من على طاولة التشريع.
ووفق الصالحي، فإن «قانون التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي الذي أرسلته الحكومة إلى البرلمان رفض من قبل اللجنة كونه كان يتضمن مواد تمس جوهر حرية التعبير بل وتكاد تكمم الأفواه من خلال اشتراط الموافقات المسبقة للتظاهر واستخدام كلمات غير منضبطة قانونيا الاخلال بالنظام العام والآداب، الأمر الذي رفضته اللجنة بشكل قاطع».
وأضاف: «من هذا المنطلق عملت عليه لجنة حقوق الإنسان النيابية على إعادة صياغة القانون بصورة تحفظ جوهرة التظاهر السلمي ومن أبرز التعديلات الجوهرية أولاً إلغاء شرط الحصول على إذن مسبق للتظاهر واستبداله بمجرد إشعار رئيس الوحدة الإدارية دعما لحرية التعبير وعدم تقييد الحريات، وإزالة العبارات التي كانت تستخدم لتأويلات غير قانونية مثل الإخلال بالنظام».
وأشار إلى أن «اللجنة غيرت تسمية القانون من حرية التعبير عن الرأي إلى قانون التظاهر السلمي والاجتماعي، وأن اللجنة قامت بإلغاء الفقرات التي تتضمن عقوبات جزائية مبالغ بها تصل إلى خمس أو ست سنوات باعتبار أن قانون العقوبات العراقي كان في التعامل مع أي خروقات مع أية خروقات أن وجدت».
وأكد الصالحي، إضافة فقرة جديدة اتيحت تحويل التظاهر إلى اعتصام وهو ما لم يكن متاحاً في النسخة الحكومية من القانون، ما يمثل مكسباً حقوقياً كبيراً للمتظاهر السلمي منع القوات الأمنية من استخدام الرصاص الحي، والتأكيد على حظر أي اعتداء على المتظاهرين السلميين تحت أي ذريعة كانت، وإضافة فقرة جديدة لم تكن موجودة في المشروع الحكومي وهي السماح للإعلاميين والصحافيين لتغطية التظاهرات من دون وضع العراقيل أمامهم، وعلى القوات الأمنية توفير الحماية اللازمة للصحافيين والإعلاميين».
ولفت إلى إنه «في الوقت الذي نؤكد على ان التظاهر السلمي لا التعدي على الممتلكات العامة أو الخاصة، وهو ما يجب ان يكون واضحاً في سلوكيات جميع المشاركين في أي حراك، ورغم أن هذه التعديلات الجوهرية والتي صبت بشكل واضح في مصلحة حرية التظاهر فوجئنا برفض من بعض منظمات لهذا المشروع رغم تعديله، بدون الاطلاع بأنصاف على تفاصيلها أو تفسير الجهد التي بذلتها اللجنة بهذا الخصوص».
وختم قائلاً: «قررت اللجنة سحب مشروع القانون في الوقت الحالي حفاظاً على المبادئ التي نؤمن بها. في مقدمتها أن (الشعب) هو مصدر السلطات، وايمانا منا بالمحافظة على آراء المنظمات المدنية والشعب ولكننا نحتفظ بحقنا الدستوري في إعادة رفعه للتصويت مستقبلا وبصيغة تحترم الجميع».
وجرت القراءة الأولى لمشروع القانون في 3 كانون الأول/ديسمبر 2022 والقراءة الثانية في 9 أيار/مايو 2023. وتسببت المسودات حينها باحتجاجات هائلة من جانب المجتمع المدني العراقي، لأنها إذا أقرت كقانون، «ستنتهك الحقوق المصانة بموجب القانون الوطني العراقي والمعاهدات الدولية التي صادق عليها العراق»، حسب رأي «منظمة العفو الدولية».
وأثار تحليل المنظّمة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم، للمسودات السابقة للقانون التي اطلعت عليها «بواعث قلق بشأن القيود غير المتناسبة المفروضة على حرية التعبير» استنادًا إلى «الآداب العامة» أو «النظام العام»، وبشأن تأثيرها على الحق في الحرية، إذ سيؤدي القانون، حال اعتماده، إلى حالات اعتقال واحتجاز تعسفيَّيْن، حسب موقفها.
ووفق رازاو صاليي، الباحثة المعنية بشؤون العراق في منظمة «العفو الدولية»، فإنه «ينبغي للمشرّعين أن يصوّتوا ضد أي قوانين يمكن أن تعزز ترسانة الأدوات التي تستخدمها السلطات أصلًا لتقييد الحيز المدني، أو أن يقترحوا تعديلات عليها، وإلا يخلفون بالتزامات العراق الدستورية والدولية لحماية الحقَّيْن في حرية التعبير والتجمع السلمي».
وأكدت تعرض «النشطاء والصحافيون في شتى أنحاء العراق للمضايقة، والتهديد، والاعتقال التعسفي. غالبًا بموجب تهم تشهير مبهمة ونصوص أخرى في قانون العقوبات تتعارض مع حقوق الإنسان. ووسط درجات الحرارة القُصوى ونقص شديد في الماء والكهرباء، أُلقي القبض على نشطاء بسبب المجاهرة برأيهم ضد الفساد، وتعرّض صحافيون لمضايقات قضائية بسبب انتقادهم السلطات. وقد كان للترهيب، وحملات تشويه السمعة، وسلسلة من الإجراءات القمعية تأثيرٌ مرعب على حرية التعبير».

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب