حكايات في التعلم الكاتب: تفيدة الجرباوي

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية 25
ليس لك وحدك
كانت عليا تجلس مع سلمى، وهي طالبة جامعية شابة، على شرفة منزلها، حين تعالت من الشارع أصوات طلبة يضحكون ويصفّرون.
سألت عليا:
ـ ما الذي يحدث؟
قالت سلمى:
ـ إنه آخر يوم في الامتحانات. عاد الطلبة سعداء؛ فقد انتهى ضغط الدراسة والسهر، وبدأت العطلة أخيراً.
قطع حديثهما صوت جرس الباب. فتحت عليا، فوجدت صديقها جود، وقد بدا الغضب على وجهه، وتعلقت بملابسه قصاصات ورقية.
رحبت به، ودعته إلى الشرفة. نفض ملابسه، والتقط ما تساقط منها وهو يتمتم، ثم قال:
ـ في طريقي إليكما، هبّت ريح قوية، فتطايرت نحوي قصاصات من كتب ودفاتر مزقها بعض الطلبة احتفالاً بانتهاء الامتحانات. قذفوها في الهواء، وتركوها للريح توزعها في الشوارع وعلى شرفات البيوت.
تناولت عليا قصاصة، وتأملت نصف معادلة كيميائية بقي عليها، ثم قالت:
ـ كيف يهون عليهم تمزيق كتب ودفاتر رافقتهم عاماً كاملاً، وحملت ملاحظات أساتذتهم؟
صمتت لحظة، وتابعت:
ـ ثم من سيجمع هذه القصاصات؟ هل فكروا في عامل النظافة، أو في أصحاب البيوت التي تدخلها الأوراق؟
قالت سلمى:
ـ إنها أحد طقوس الاحتفال. يشعرون، وهم يقذفونها، بأنهم يتخلصون من ضغط الامتحانات.
قال جود:
ـ أتفهم فرحتهم، لكن المشكلة أن يدفع الآخرون ثمنها. في أيامنا، كنا نحافظ على كتبنا ودفاترنا لينتفع بها بعدنا إخوتنا الأصغر أو أقاربنا.
ثم التفت إلى عليا:
ـ هل تذكرين استعدادنا للعام الدراسي الجديد؟
ابتسمت عليا، وعادت بذاكرتها أكثر من نصف قرن:
ـ ما زلت أذكر اليوم الذي كانت المدرسة تسلّمنا فيه الكتب. كنت أحملها إلى البيت بفرح، وأقلّب صفحاتها الجديدة بشوق.
تابعت:
ـ وبعد ذلك، كان أبي يصطحبني إلى المكتبة الوحيدة في البلدة لشراء الدفاتر والأقلام وما نحتاج إليه لتجليد الكتب. كنت أمسك بيده فرحة، وأحسب ذلك اليوم عيداً صغيراً.
سألتها سلمى:
ـ وكيف كانت المكتبة؟
أجابت عليا:
ـ كان قربها فرن للخبز تفوح رائحته في المكان. وفي الداخل، جلس صاحبها خلف منضدة طويلة، ومن ورائه رفوف خشبية رُصّت عليها الدفاتر والأقلام و»المحايات» و»البرايات» والمساطر وأدوات الهندسة، إلى جانب القصص وورق التجليد.
ابتسمت وأضافت:
ـ كنا نقلب الدفاتر الجديدة ونشم رائحة الورق وهي تختلط برائحة الخبز الآتية من الفرن. وما زلت أربط تلك الرائحة ببداية العام الدراسي.
ثم قلّدت صوت أبيها:
ـ أريد دفتراً من أربعين صفحة بسطر واحد، وآخر من اثنتين وثلاثين صفحة بسطرين، وآخر بأربع سطور للغة الإنجليزية، ودفتراً للخط العربي.
توقفت لحظة، ثم أضافت مقلدة طريقته حين يتذكر شيئاً:
ـ آه، وأعطني دفتر أبو الست وتسعين صفحة أيضاً لابنتي، وقلمَي رصاص، ومبراة، وورق تجليد بنيّاً، وصمغاً، وبطاقات بيضاء.
ثم قالت:
ـ كنت أساعده في حمل أحد الأكياس. وفي طريق عودتنا، كان يشتري ربطة خبز وقرشلة أتناولها وأنا أسير إلى جانبه، ثم يتوقف عند «الكندرجي» ويعطيه حذائي ليلمّعه.
ضحكت سلمى:
ـ كان الاستعداد يشمل حتى الحذاء!
قالت عليا:
ـ كان يشمل كل شيء: مريولاً نظيفاً بياقة بيضاء، وكتباً تسلّمناها من المدرسة ثم غلّفناها بعناية، ودفاتر مرتبة، وحذاءً لامعاً. كانت تلك طقوس العودة إلى المدرسة؛ بدايةً ننتظرها بشوق.
ثم تابعت:
ـ في المساء، كان أبي يفرد ورق التجليد على الطاولة، ويضع الكتاب عند طرفه، تاركاً مساحة من الجهات الأربع قبل أن يقص. وكانت أختي تساعده وفق إرشادات حازمة: زوايا متشابهة، وطيات مستقيمة، وحواف لا تزيد على إصبعين؛ فالترشيد ضروري.
وأضافت:
ـ وعند الانتهاء، كان يكتب على البطاقة بخط جميل: الاسم، والمبحث، والسنة الدراسية، والفصل، ثم يلصقها في وسط الغلاف.
قال جود:
ـ عندما أصبحت في الصف الخامس، أصرّ والدي على أن أتولى التجليد بنفسي. كان يراقبني وأنا أقيس وأقص وأطوي، ويوجهني كلما استعجلت.
ثم أضاف:
ـ وكان يقول: قد يحتاج إلى هذا الكتاب أخوك من بعدك، فحافظ عليه كأنه ليس لك وحدك.
استوقفت العبارة سلمى، فيما تابع جود:
ـ وكان المعلمون يتفقدون الكتب والدفاتر ليتأكدوا من نظافتها وترتيبها. وكانت العناية بها جزءاً من تقييم الطالب، ويظهر ذلك في بند السلوك على الشهادة: «حسن السلوك ودفاتره مرتبة».
وأضاف:
ـ كنا نفتح الكتب برفق، ولا نكتب على صفحاتها، ونصلح أي تمزق فوراً. وحين ينتقل الكتاب إلى أخ أصغر أو قريب، كان يتسلمه نظيفاً، كأنه أمانة وصلته من طالب سبقه.
قالت عليا:
ـ كانت المدرسة تسلّم الكتب للتلاميذ في بداية العام. ولم يكن حصولنا عليها من دون أن تدفع أسرنا ثمنها يعني أنها قليلة القيمة؛ فقد كان الحفاظ عليها احتراماً للمعرفة وللجهد الذي أوصلها إلى أيدينا.
أكمل جود:
ـ كنا نتعلم أن ما يُمنح لنا ليس مباحاً لإهماله، وأن الاستفادة تقترن بالمسؤولية.
سألته سلمى:
ـ هل ما زلت تحتفظ بشيء من كتبك؟
أشرق وجهه:
ـ نعم، ما زلت أحتفظ ببعض الكتب والدفاتر. أشعر أنها كنزي؛ ففي صفحاتها شيء مما تعلمته، وشيء من الشخص الذي أصبحت عليه.
نظرت سلمى إلى القصاصات وقالت:
ـ لكن المعلومات اليوم متاحة على الهواتف والأجهزة، وربما لم يعد الطلبة ينظرون إلى الكتب بالطريقة نفسها.
قالت عليا:
ـ تغيرت الأدوات، لكن انتهاء حاجتنا إلى كتاب لا يبرر تمزيقه وإلقاءه في الطريق.
وأضاف جود:
ـ ما يصلح منه ينتفع به طالب آخر، وما لم يعد صالحاً يُجمع لإعادة التدوير. هكذا نحترم المعرفة ونحافظ على البيئة.
جمعت سلمى القصاصات بعناية وقالت:
ـ يمكن للمدارس أن تجمع الكتب والدفاتر في نهاية العام؛ فتتيح الصالح منها لمن يحتاج إليه، وترسل الباقي إلى إعادة التدوير.
ابتسم جود:
ـ عندها تصبح نهاية العام بداية دورة جديدة للكتاب.
بعد أن غادر جود وسلمى، بقيت عليا تتأمل قصاصة حملتها الريح. تذكرت الكتب التي كانت تحملها من المدرسة، وورق التجليد البني، ويد أبيها تقيس الحواف، وأختها تقصّها بحذر.
لم يكن التجليد غلافاً يحمي الكتاب فحسب، بل كان درساً في الصبر والدقة والنظام، ومراعاةً لمن قد ينتفع به. فالكتاب ليس لنا وحدنا، كما الطريق والبيئة؛ والعناية بها جميعاً مسؤولية نتعلمها معاً.
وترددت في خاطرها وصية والد جود:
«حافظ عليه كأنه ليس لك وحدك».




