حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية التاسعة
لم يكن مجرد مقعد
فاز جود برئاسة نقابة المعلّمين في الجامعة في مساءٍ مزدحمٍ بالتصفيق والتهاني.
وحين غادر القاعة أخيرًا، كان الفرح الذي يحمله صادقًا، وليس صاخبًا. شعر بثقلٍ هادئ يرافق الإنجاز؛ ثقل ما بعد المنصّة، حيث تبدأ المسؤوليات ولا تنتهي عند الصور.
قاد سيارته عائدًا إلى البيت.
توقّفت عند إشارةٍ حمراء، ومع هذا التوقّف القصير، انفتح باب الذاكرة.
عاد جود طفلًا في الصف السابع.
كان أطول من زملائه جميعاً، وشعره الأحمر الكثيف يجعله حاضرًا حتى وهو صامت. جلس، كما اعتاد الجميع، في المقعد الأخير قرب الحائط الخلفي. لم يكن القرار جديدًا ولا شخصيًا، بل ترتيبًا ثابتًا: الأقصر في الأمام، والأطول في الخلف.
في البداية، لم يعترض.
بدا الأمر تنظيميًا، بسيطًا، لا يستحق التوقّف. لكن شيئًا ما تغيّر مع مرور الأيام. كان بعيدًا عن اللوح، عن أدقّ التفاصيل، وعن التفاعل السريع الذي يولد في اللحظة نفسها ثم يمضي. وحين يرفع يده أحيانًا، يكون السؤال قد طُرح، أو الجواب قد قُدِّم.
وكان هناك همسٌ آخر.
لا يُقال بصوتٍ عالٍ، ولا يُوجَّه إليه مباشرة، لكنه حاضر في ترتيب المقاعد ونظرات الطلبة.
همسٌ من قبيل:
«الصفّ الأخير لضعاف التحصيل».
«ومن يُكثِر الحركة، مكانه هناك قرب الحائط الخلفي».
لم يُتَّهَم جود بشيء، ولم يُوصَف مشاغبًا.
غير أن الجلوس في المكان نفسه كان أحيانًا يعطي إحساسًا بأن هناك فرقًا بينه وبين من يجلسون في الأمام. شعر أن ترتيب المقاعد لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم الأجساد حسب الطول.
في أحد الأيام، رفع يده وتكلّم دون تردّد: أستاذ، هل يمكنني الجلوس في الصف الأول؟
نظر المعلّم إليه مستغربًا أكثر مما هو منزعج: ولماذا الصف الأول يا جود؟
قال بهدوء: أفهم أكثر عندما أكون أقرب.
ابتسم المعلّم ابتسامة قصيرة وقال:
المسألة تتعلّق بطولك فقط، لا نريد أن يحجب جلوسك الرؤية عن زملائك.
توقّف جود عند الجواب. لم يكن رفضًا، لكنه لم يكن كافيًا أيضًا.
فكّر قليلًا: هل يبقى ساكتًا كما اعتاد؟ أم يحاول مرة أخرى؟
ثم شعر أن سؤاله مهم… وأنه يستحق أن يُسمَع.
انتهى الدرس، وبقي السؤال.
في اليوم التالي، دخل جود مكتب مدير المدرسة.
لم يأتِ معترضًا ولا شاكياً. تحدّث بوضوح عمّا يشعر به، وقال: إنّ الترتيب مفهوم بشكل عام، لكنه لا يساعده كما يجب: لا يتيح له رؤية اللوح بوضوح، ولا المشاركة في الوقت المناسب، ولا يستفيد من الدرس بالقدر الذي يستطيع.
لم يطلب امتيازًا، ولم يسعَ إلى مقعدٍ مميّز.
فقط طلب مكانًا يساعده أن يتعلم مثل باقي زملائه.
استمع المدير باهتمام، ولم يُصدر حكمًا سريعًا. قال: إنه سينظر في الأمر، لأنّ السؤال لا يتعلق بمقعد بعينه، بل بكيفية تنظيم الصف بطريقة تساعد جميع الطلبة.
بعدها، اجتمع المدير بالمعلّمين.
لم يكن الحديث عن مشكلة أو سلوك مقلق. قال أحدهم: جود طالب منظّم ونبيه، ولا يسبّب أي إزعاج.
وقال آخر: حين يشارك، يُضيف للفهم، لا يكتفي بالملاحظة.
قال المدير: سؤاله ليس عن مقعد مميز، بل عن موضع يسمح له بالتعلم كما ينبغي. هل نملك خيارًا يحقّق ذلك دون أن يحجب الرؤية عن غيره؟
ساد صمت قصير، ثم قال أحد المعلّمين بعد تفكير: يمكن أن يكون مقعده في الصف الأول، قرب الجدار. قريبًا من الشرح، ومن دون أن يحجب رؤية أحد.
جاء الاتّفاق بهدوء، كما جاءت الفكرة نفسها.
في الصباح التالي، دخل جود الصف.
أشار المعلّم إلى المقعد القريب من الجدار وقال: هنا سيكون مكانك، اليوم، يا جود.
تحرّك المقعد بضع خطوات إلى الأمام، لكن ما تحرّك في داخله كان أعمق. جلس، نظر إلى اللوح، ثم حوله. لم يقل شيئًا، لكنه شعر بارتياحٍ واضح. كانت تلك أوّل مرة يطلب فيها أمرًا يخصّه، وأوّل مرة يرى أثر العدل بشكل حقيقي: حين تساوت فرصه في الرؤية والتفاعل والفهم.
تحوّلت الإشارة إلى خضراء.
عاد جود إلى الحاضر، وضغط على الوقود، فتحرّكت السيارة بهدوء.
ابتسم وهو يفكّر أن ذلك السؤال الصغير لم يكن عن مقعدٍ واحد، ولن يكون الأخير. واليوم، وهو يتقدّم لتحمّل مسؤوليّاته الجديدة، وجد نفسه يستعيد تلك اللحظة الأولى؛ لا للدفاع عن مكانٍ في ترتيبٍ صغير، بل للدفاع عن حقوق المعلّمين وتحصيلها كما ينبغي: بسؤالٍ مشروع، وموقفٍ منصف.



