مقالات

حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

 

الحكاية العاشرة

لمّا يِجِي وقته

في زاوية الصالة، جلست الجدة عليّا بهدوئها المعتاد، تُقلِب ألبوم صور قديمة، كأنها تستعيد زمنًا… لا مجرد صور.
على الأريكة المقابلة، كان جود يجلس على الأريكة، ممسكاً بجهازه اللوحي (الآيباد) يقلب الصور بحماس واضح. قال بصوت مرتفع:
«بابا! شوف! هاي هي اللي بحكيلك عنها من أسبوع!»
رفع الآيباد بسرعة: «شوفه… فيه سرعات، وأضواء، وشاشة صغيرة… وموسيقى كمان!».
ضغط، فانطلق لحن خفيف مع موسيقى حلوة تلفت الانتباه، يرافق البسكليت أينما يتحرك.
«اسمع! وحتى المقعد… شوف قديش مريح! مش مثل كرسي بسكليتي… كأنه حجر!»
توقف الأب، نظر قليلًا، ولم يُجب فورًا… ثم قال: « جميل… خلينا نحكي عنه بعدين».
تجمّد جود لحظة… ثم قال بحدّة:
«بعدين؟!»، ثم ضحك ضحكة خفيفة وأجاب: «دائماً بعدين…».
رمى الآيباد بحدّة على الأريكة: «أنا الوحيد بين أصحابي اللي بسكليته… من العصر الحجري».
مشى خطوتين… وضرب الأرض بقدميه بعصبية، ثم عاد: «بدي إياه… اليوم».
اقترب أكثر، وخفّض صوته لكنه بقي حاداً: «يعني مش صعب تقول نعم»…
رفعت الجدّة رأسها، وأغلقت صفحة في الألبوم.
«تعال يا حبيبي جود… خلّيني أورّيك بسكليتي».
اقترب على مضض.
«هاي أنا… وهاي بسكليتي».
حدق جود في الصورة، ثم ابتسم ابتسامة لا تخلو من استغراب: «هاد يا ستّي!  قديم… ومش حلو!».
كان البسكليت بسيطاً: لونه أحمر باهت، إطاره سميك ومقعده صغير، دون أي إضافات.
قال بدهشة: «ما فيه ولا شيء! لا سرعات… ولا حتى ضو… حتى ما فيه مكان أحط فيه قنّينة الميّة».
ضحكت الجدّة: «ومع ذلك كان أجمل شيء في حياتي».
رفع الآيباد: «شوفي هاد!».
أدار الشاشة نحوها، ظهر بسكليت حديث: ألوانه لامعة، شكله رياضي جميل، سرعات متعددة، إضاءة… وموسيقى حلوة». قال بفخر: «هاد اللي بدي إياه».
ابتسمت الجدة وقالت: «يمكن بسكليتك أجمل… بس بسكليتي، كنت أعرفه».
نظر إليها باستغراب: «كيف يعني بتعرفيه؟».
قلبت الجدة الصورة بأصابع بطيئة: «كنت أعرف وين أحطّه… كيف أحافظ عليه… وكيف أنتبه له».
«وين كنتِ تحطيه؟»…. أجابت: «جوّا البيت… جنب الباب من الداخل».
توقف جود وبدأ يفكر: «أنا… يمكن أحطه بالحديقة… أو تحت المظلة…»
ثم قال محدثاً نفسه: «بس… يمكن حدا ياخده… لا، جوّا أحسن».
سألها فجأة: «كنتِ تنظفيه؟»… أجابت: «طبعًا… فوطة، ومَيّة وصابون».
تخيّل نفسه ينحني وينظف، ويُلمِّع، وقال بصوت منخفض: «يا حبيبي هاي غلَبِه وبدها وقت…».
رفع رأسه: «وإذا انكسر؟».
قالت عليا: «نصلّحه».
سكت قليلًا: «لكن أنا… ما بعرف أصلّحه، نشتري بداله أهون… وأسرع… وبدون وجع راس».
اقترب الأب وجلس بجانب جود، نظر إلى البسكليت في الشاشة، ثم قال بهدوء: «كل إشي له وقته… ولما يجي وقته، بنعرف نتعامل معه أحسن».  ثم أضاف: «وهذا مش بس بسكليت… إله ثمن، وبدنا نختاره على مهِل، ونشوف شو متوفر في السوق من موديلات وأنواع، وإضافات، وشو الأسعار، ومن وين نجيبه.. ووين نصلحه لمّا يخرب».
سكت ثم نظر إلى جود مؤكدا: «ورح نجيبه… مع بعض… مش أنا لحالي».
«كيف يعني؟»، سأل جود. ابتسم الأب: «أنا بدفع جزء… وإنت جزء».
نظر جود إلى جدّته باستهجان، فقالت: «أنا كنت أعدّ كل قرش… لحد ما قدرت أحوش وأشتريه…».
وأبوي وقتها… ما وافق من أول مرة».
ابتسم جود وقال: «شكله كل الآباء بيحكوا نفس الحكي…».
نظرت إليه جدّته، ثم قالت بهدوء: «يمكن يا سِّتي الزمن تغيّر… بس في أشياء، لسه بنتعلمها بنفس الطريقة».
صمت جود وشرد ذهنه … بينما بقي البسكليت يلمع على الشاشة… لكن شيئاً بدأ في داخله يتغيّر.
في اليوم التالي، دخلوا محل تصليح.
في الوسط، بسكليت قديم مفكك يشبه بسكليت الجدة القديم. اقتربت عليا، لمسته، فسقط فجأة.
«ستّي»! ركع جود، حاول رفعه لكنه كان مصنوعاً من حديد ثقيل…وسلسلته مفكوكة».
حاول أن يثبتها. مدّ يده، ثم سحبها بسرعة: «اتّسخت…».
قالت: «وقِعِتْ عنه مرة… وانكسر؟ … بكيت يومها… فكّرت أنني خسرته»
سأل جود: «آه وشو عملتي؟».
«صلّحناه».
جلس جود على الأرض، ينظر بدهشة: «لو هذا إلي… أكيد برميه وبشتري واحد جديد…».
تردد قليلا ثم أكمل بصوت منخفض: «أو… يمكن أتعلم أصلّحه».
في المساء، جلس وحده. وضع أمامه الورقة، وكتب:
«بسكليتي.… أنا بدفع جزء منه». «مش لازم أحصل عليه فورًا».
توقف قليلًا… ثم كتب: «بس لما يوصلني… رح أعرفه».
منذ ذلك اليوم، بدأ شيء في سلوكه يتغيّر.
صار يهتم بأشيائه أكثر، ويساعد دون أن يُطلب منه، ويتمّم ما يبدؤه.
وبعد أسابيع، وصل البسكليت.
وقف جود أمامه طويلًا… يمرّر يده عليه بفرح، وكأنه يتعرّف عليه فعلًا.
وفي اليوم التالي، خرج به مع أصدقائه. تجمّعوا حوله: «واو! جديد!».
قال أحدهم: «خلّيني أجربه؟».
توقف جود لحظة… ثم قال بهدوء: «أكيد… بس انتبه عليه… ترى لسّة ما خلصنا دفع حقّه».
أخذه صديقه بحذر.
راقبه جود…ليس بقلق…بل باهتمام.
في المساء، وقف عند النافذة. «هون مكانه أحسن… وبدي أجيب قفل منيح».
ابتسم: «وبعرف كيف أهتم فيه».
في الصالة، أغلقت الجدة عليا الألبوم.
مرّ الأب وسأل: «حكيتي له؟» ابتسمت، وقالت: «لا…».
توقفت لحظة، ثم أضافت بهدوء: «بس… صار يعرف شو يعني يكون إله…وكم يحتاج من الوقت… عشان يصير إله بجد».

جريدة الايام الفلسطينية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب