مقالات

حكايات في التعلم

الحكاية ١٧

الحكاية ١٧

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

العالم خارج البوابة

خرجت عليا من المدرسة مع انتهاء الدوام.
أمام البوابة الكبيرة، وكعادتها، أبطأت خطواتها قليلاً. كان الهواء بارداً نسبياً، وبدا أن فصل الشتاء بدأ يفرض حضوره، ولو بخجل.
اصطفّت عربات الباعة قرب سور المدرسة.
بائع التفاح المغطّى بالكراميل يرصّ ثماره بعناية، تفاح كبير أخضر، نصفه العلوي مكسوّ بطبقة كراميل حمراء سميكة، مغروس في كل واحدة عود خشبي. وبالقرب منه بائع الحمّص (البليلة) الساخن ينادي بصوته الأجش. وعربة الذرة المسلوقة يتصاعد منها بخار دافئ، وبائع الفول النابت يقلّب حبّاته في الصينية المعدنية.
تحلّقت الطالبات حول العربات، ضحكات سريعة، نقود صغيرة تتبادلها الأيدي، وأصوات تنادي وتساوم.
لكن عيني عليا زاغتا بعيداً عن هذا كله.
كان هناك، في الجهة المقابلة من الشارع، الدكان الصغير.
الدكان الذي تعرفه جيداً، والذي يبيع البسكويت الذي تحبّه.
قطعت الشارع بخطوات سريعة، ووقفت أمام البائع، ورفعت رأسها قائلة بأدب: «من فضلك، بدي بتيفور».
اختارت البتيفور ذا الطبقتين بحشوة مربّى المشمش، ثم الذي بحشوة الفراولة، وأضافت بتيفوراً مقسوماً إلى قسمين، نصفه بنكهة الفانيلا ونصفه بالشوكولاتة. جمعها البائع في كيس ورقي بنيّ، طواه من الأعلى بإحكام، وناولها إيّاه.
خرجت عليا من عنده وبدأت تمشي ببطء. فتحت الكيس وتناولت أوّل قطعة.
كانت هذه الدقائق القصيرة، ما بين المدرسة والبيت، وقتها الخاص، تمشي، تأكل بهدوء، وتترك خلفها ضجيج البوابة والعربات.
وصلت إلى مفترق الطرق الذي تتوسّطه ساحة واسعة، لا يبعد سوى دقائق عن بيتها. كانت قريبة جداً من الوصول.
فجأة، سمعت أصواتاً عالية تقترب بسرعة:
«إحنا معاكي يا السموع!»
«وِحدة، وِحدة عربية!»
ثم ارتفع الهتاف بصوت أقوى:
«بالروح، بالدم، نفديك يا فلسطين!»
تدفقت مجموعات من الشبان من كل الشوارع المؤدّية إلى الساحة. جاؤوا دفعة واحدة، وسرعان ما وجدت عليا نفسها محاصرة بينهم.
تسمّرت في مكانها.
شعرت بخوفٍ مفاجئ قبض على صدرها.
لم تعد تعرف من أين تذهب، ولا كيف تشقّ طريقها نحو البيت. كانت الهتافات حماسية وقوية، ونبرتها العالية أخافتها. حاولت أن تتحرّك، لكن الحشد كان كثيفاً.
بعد دقائق قليلة، رأت رجال الأمن يطوّقون المكان. لم تدرك ما الذي يحدث إلا حين بدؤوا يضربون الشبان بالهراوات. ارتفع الصراخ وتعالى الارتباك. وفي اللحظة نفسها، انهمرت الأمطار بغزارة، كأن السماء قرّرت أن تشارك في الفوضى.
شعرت عليا أن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
بكت بصوت عالٍ، لكن أحداً لم يسمعها. ابتلّ مريولها ونقع شعرها، وارتجفت من البرد والخوف. تمزّق الكيس الورقي، واختلطت قطع البتيفور بالماء.
تفرّق الشبان بسرعة.
بعضهم اختبأ في البيوت القريبة، والبعض الآخر ركض مبتعداً. خلال دقائق، خلت الساحة، وبقيت عليا وحدها.
رفعت رأسها قليلاً، تمسح وجهها بيدٍ مرتجفة، فرأت امرأة تعرفها جيداً.
كانت صديقة لوالدتها، تزورها بانتظام ضمن النساء اللواتي يجتمعن عند أمّها في استقبالٍ اعتادت أمّها إقامته عصر أول يوم إثنين من كل شهر. كانت تلك الاستقبالات عادة متّبعة، تجتمع النساء مرة كل شهر عند إحداهن، يتبادلن الحديث، ويطمئنّ بعضهنّ على بعض، ويستمتعن بحبات شوكولاتة السيلڤانا. وقد ألفت عليا وجوههن من تلك الجلسات الشهرية.
أشارت لها المرأة بسرعة وفتحت باب بيتها قائلة:
«تعالي بسرعة».
ركضت عليا نحوها.
احتضنتها المرأة بقوة وأدخلتها إلى الداخل.
جفّفت شعرها بمنشفة، وساعدتها على تغيير ثيابها المبتلّة، ثم لفّتها ببطانية دافئة.
كان صوتها هادئاً مطمئناً. قالت وهي تربّت على كتفها:
«لا تخافي، بعد قليل تهدأ الأمور، وأوصلكِ إلى بيتك».
توقّف المطر بعد دقائق، وعاد الهدوء إلى الشارع.
أمسكت المرأة يد عليا وقالت:
«هيّا بنا، نذهب إلى بيتك. أمّك بالتأكيد قلقة عليكِ».
خرجتا معاً.
عند رأس الطلعة، رفعت عليا رأسها فرأت أمّها واقفة على الشرفة، تنظر في كل اتجاه. ما إن رأتها حتى ابتسمت براحة، ونزلت الدرج مسرعة. احتضنت ابنتها بحرارة، ثم شكرت صديقتها.
دخلت عليا البيت، غيّرت ملابسها، وجلست لتتناول الغداء.
كانت متعبة، لكن فضولها لم يهدأ. روت لأمّها ما حدث، ثم سألتها:
«ماما، شو يعني السموع؟».
قالت أمّها بصوتٍ منخفض:
«السموع قرية صغيرة قرب مدينة الخليل، المدينة التي تعلّمتِ عنها في المدرسة… هل تذكرينها؟».
قالت عليا محاولة أن تربط ما تسمعه بما تعرفه:
«الخليل، المدينة اللي فيها الحرم الإبراهيمي. وجدّي دائماً بجيب لنا الملْبن منها لما يزور الحرم».
شدّتها أمّها إلى صدرها وقالت:
«نعم، لكن قرية السموع تعرّضت اليوم لعدوان كبير وتعرّض أهلها لاعتداء ظالم».
في المساء، تجمّع الأقارب والأصدقاء في البيت. كان حديثهم ممزوجاً بالغضب والخوف.
قال عمّها الشاب:
«كنت اليوم في التظاهرة. ناس مثلنا، وبيوت مثل بيوتنا، دخلوا عليها عنوة ودمّروها. إذا سكتنا، ممكن ييجي دورنا».
قال الجدّ بصوت متحشرج:
«أخذوا أرضي سابقاً، وفرّقوني عن أقاربي وأصدقائي. لا يجوز أن يتكرّر هذا».
ألقت عليا رأسها على ساق أمّها، وظلّت تستمع بصمت. لم تكن تفهم كل الكلمات، لكنها شعرت بثقل مختلف، ثقل لم تختبره من قبل.
في تلك الليلة، نامت عليا والأسئلة تدور في رأسها.
لم تكن تمتلك الأجوبة.
لكن عدوان السموع كان قد دخل إلى وعيها من الواقع، لا من كتاب المدرسة.
تذكّرت الهتافات، والمطر، واسم القرية التي دُمِّرت.
بدأت تتساءل في نفسها:
من يحمينا إذا دخلوا علينا؟ من هؤلاء المعتدون؟ ومن نحن؟
لم تكن تعرف الإجابات. لكن ما حدث في ذلك اليوم ترك في نفسها إحساساً جديداً بالخطر، وآخر بالانتماء. وكان ذلك بداية وعيٍ يتشكّل ببطء في قلب عليا في الحادية عشرة من عمرها، وخطوةً أولى في رحلة اكتشاف هويتها».

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب