حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية 26
الباب المغلق
في ساحة المدرسة، وقفت عليا خلف شبكة الكرة الطائرة تقود فريقها، بينما قاد عباس الفريق المقابل.
توقفت الكرة، فنادت:
ـ الدور لفريقنا.
اعترض عباس:
ـ بل دورنا نحن.
تمسّك كلٌّ منهما برأيه. كان خلافًا صغيرًا، تكفي قواعد اللعبة لحسمه، لكن الغضب كان أسرع من الحوار. اندفع عباس نحو الشبكة، وقفز من فوقها، وهوت يده على خدّ عليا بصفعة قوية. رفعت ذراعها محاولةً صدّه، فصفعها مرة أخرى.
توقفت اللعبة، وتجمّد اللاعبون.
تمايلت عليا تحت وطأة الصفعتين، لكنها لم تبكِ. تماسكت وأسرعت إلى مكتب المديرة، ترافقها صديقتها. كانت ترتجف، وآثار أصابع عباس لا تزال ظاهرة على خدِّها.
قالت السكرتيرة:
ـ المديرة في اجتماع.
أجابتها عليا بحزم لم يخلُ من اللطف:
ـ من فضلك، أخبريها أن الأمر عاجل، وأنني بحاجة إلى مقابلتها فورًا.
دخلت السكرتيرة وأطلعت المديرة على ما حدث، ثم عادت وحدها. لم تخرج المديرة، وبقي الباب مغلقًا.
استأذنت عليا في الاتصال بوالدها من هاتف المكتب. وما إن أجاب حتى قالت بصوت مرتجف:
ـ أبي… عباس ضربني.
هتف والدها:
ـ إيش؟! ضربك؟ أنا جاي حالًا.
جلست عليا على درج الممر، قبالة باب غرفة المديرة، وصديقتها إلى جوارها.
وصل والدها مسرعًا. لمح الاحمرار على وجه ابنته، وانحنى نحوها:
ـ شو اللي صار؟
عندها انفجرت عليا بالبكاء، ثم روت له ما جرى.
سألها:
ـ وأين عباس الآن؟
ـ في حصة الكيمياء.
وقف والدها، وقد احتدّ صوته:
ـ يعتدي عليك، ثم يعود إلى درسه كأن شيئًا لم يحدث، بينما تتوقفين أنت عن التعلّم؟ اذهبي إلى حصتك، وأنا سأتولى الأمر مع المديرة.
مسحت عليا دموعها، ونهضت وعادت إلى الصف مع صديقتها.
اتجه والدها إلى غرفة الاجتماع، وفتح الباب بقوة:
ـ ابنتي، وهي طالبة في السابعة عشرة، ضُربت هنا في المدرسة. وعندما لجأت إليك، لم تجدي وقتًا حتى لسماعها! أنت المسؤولة عن سلامة الطلبة. كيف يحدث هذا؟
تنقّلت نظرات المديرة بين والد عليا والحاضرين. فتحت فمها كأنها ستجيب، ثم عادت إلى صمتها. بدت ساهمة، كأنها تبحث عن بداية ضاعت منها في اللحظة التي كان ينبغي أن تقود فيها.
قال والد عليا:
ـ أمامكم حتى الغد لاتخاذ إجراء واضح وعادل. بعد ذلك سأقوم بما يلزم.
أخبر أخاه وزوجته بما حدث. وصل عم عليا إلى المدرسة، واستمع إليها، ثم وضع يده على قلبه مقسمًا:
ـ اطمئني. لن نترك ما حدث يمر. سنطالب بحقك، وبحق كل طالب في أن يكون آمنًا.
وكتب إلى مجلس الإدارة مطالبًا بإنصاف عليا وضمان سلامة الطلبة، وأمهل المجلس يومًا للتحرك.
وفي البيت، هاتفت أم عليا زميلًا لها يعمل محاميًا:
ـ أريد أن أعرف كيف نحفظ حق ابنتي إن قصّرت المدرسة.
أجابها:
ـ سأتابع الأمر. ننتظر ما ستفعله المدرسة، ثم نبني عليه.
ثم روت ما حدث للمسؤولة التربوية المختصة في الوزارة، فبادرتها قائلة:
ـ سأتابع الأمر بنفسي، وسأذهب إلى المدرسة غدًا للتحقق واتخاذ اللازم.
عرّفتها الأم إلى المحامي ليعملا معًا على متابعة القضية وإعداد تقرير قانوني.
في تلك الليلة، جافى النوم عيني الأم. رأت في معاناة عليا حقَّ كل مظلوم يطرق باب الإدارة طالبًا الإنصاف. فجلست إلى مكتبها، وكتبت في عمودها الصحافي عن العنف ومسؤولية القيادة التربوية، لتساند ابنتها وكل من يلجأ إلى المؤسسة طلبًا للحماية والعدل. نشرت المقالة، وما زالت تحتفظ بها حتى اليوم.
انقضى اليوم التالي من دون اتصال من المديرة أو مبادرة للحل. وفي عصر ذلك اليوم، التقى والدها وعمها رئيس مجلس الإدارة، وقالا:
ـ لم يعد الأمر اعتداء طالب فحسب، بل عجزًا عن حماية الطلبة. نطالب بتدخلك.
أجابهما:
ـ معكما حق. كان يجب أن نتحرك منذ اللحظة الأولى، وسأتابع الأمر بنفسي.
وفي المساء، وكما جرت العادة، جاء الدكتور عيسى، أحد أقارب عباس، برفقة عدد من الوجهاء؛ لتهدئة النفوس ومنع الخلاف من الامتداد بين الأسرتين. اعتذروا إلى عليا وأسرتها، فقالت:
ـ أشكركم. أريد حقي، وألّا يتكرر هذا.
استكمل والدها:
ـ نحترم مسعاكم، لكن على المدرسة أن تتحمل مسؤوليتها، وعلى عباس أن يخضع للمساءلة.
بعد أيام، استُدعي عباس، واستُمع إلى أقواله، وجرى التحقيق مع شهود الفريقين. ثم صدر تقرير الجهة المختصة بإدانة الاعتداء والتوصية بتوقيفه عن الدراسة مدة أسبوع. اعتمد مجلس الإدارة القرار.
وجمع رئيس مجلس الإدارة الطلبة، وعرض لهم الحادثة بإيجاز، ثم اعتذر إلى عليا عن تأخر المدرسة في الاستجابة، وقال:
ـ لا مكان للعنف في مدرستنا.
وبعد أسبوع، أُعلن تعيين مديرة أخرى.
مرّ خمسة وعشرون عامًا.
وفي حديث أعاد ذلك اليوم إلى الذاكرة، سألت الأم:
ـ هل اعتذر عباس يومًا؟
هزّت عليا رأسها بثبات:
ـ لا… ولم أعد أنتظره.
تأملتها أمها وهي تمضي في حديثها، كأن السنوات وضعت الحادثة في ناحية بعيدة من حياتها. كانت عقوبة عباس قد انتهت بعد أسبوع، وتغيّرت إدارة المدرسة، ومضى كلٌّ منهما في طريقه. أما كلمة «آسف»، فبقيت خلف باب لم يمتلك عباس شجاعة فتحه.
لم تبقَ عليا على درج الممر تنتظر. عادت يومها إلى صفها، ومنه مضت نحو مستقبل لم تسمح للحادثة أن تختصره، وشقّت طريقها بقوة وحضور طاغٍ. ولم يعلّمها الباب الذي أُغلق في وجهها أن تغلق الأبواب في وجوه الآخرين.
تأخر باب الإدارة، لكن الأسرة لم تترك حق عليا واقفًا في الممر؛ حملته إلى الوزارة ومجلس الإدارة، حتى تحرك القانون واستعادت المؤسسة مسؤوليتها. ومضت عليا، فيما بقي اعتذار عباس محبوساً خلف الباب المغلق.
ومنذ ذلك اليوم، ظل سؤال الحكاية يطرق أبواب المؤسسات التربوية:
حين يقف إنسان متألم أمام بابها، هل تفتحه له في الوقت المناسب، أم تتركه يبحث عن العدالة خلف أبواب أخرى؟




