حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية السابعة
حـبّـة الـمْـلـبّـس
كان جود في الصف الخامس، في مدرسة تُحسن تنظيم الصفوف بدقّة.
لم يكن الصف صاخباً بطبيعته، لكنّه، حين يغادر المعلّم لبضع دقائق، يتحوّل إلى مساحة اختبار صغيرة: ماذا يحدث حين تغيب العين التي اعتاد الجميع أن يعملوا في ظلّها؟
كان الإجراء بسيطاً ومتكرراً؛ يعيّن المعلّم أحد التلاميذ عريفاً للصف، ويقول له بسرعة: «اضبط النظام، واكتب أسماء المشاغبين».
لم يكن المعلّم يشرح ما هو الشغب، ولا يضع له حدوداً واضحة. كان التفويض واسعاً، يُترك لتقدير العريف وحده. وعندما يعود المعلم، يكتفي بالنظر إلى السبورة، دون أن يسأل لماذا كُتبت الأسماء، أو ما الذي فعله من كُتبت أسماؤهم.
بعد خروج المعلّم، تتحرّك الأجساد قبل الأصوات: حركة خفيفة، همسات قصيرة، وتبديل في الجلوس.
ليست فوضى… بل ما يحدث عادةً حين تُترك مجموعة أطفال وحدها لدقائق.
في ذلك اليوم، وقف العريف قرب السبورة. بدت عليه ثقة مختلفة، كأن التكليف منحه شيئاً إضافياً.
قال بنبرة حازمة: «أيّ واحد يتحرّك أو يتكلّم أو يضحك… سأكتب اسمه على اللوح».
ما حدث بعد ذلك لم يكن متعمّداً. أحدهم همس طالباً قلماً من جود، فأعطاه إياه سريعاً. والثاني تمطّى في مقعده بعد طول جلوس، فأصدر المقعد صريراً خفيفاً. والثالث تناول حقيبته، أخرج منها دفتراً وأغلقها ليعيدها مكانها، فسقطت من يده وأصدرت صوتاً عابراً.
تفاصيل عادية، تمرّ كل يوم… دون أن تُحسب.
لكن العريف لم يرها كذلك؛ فرفع الطبشور، وكتب الأسماء.
نظر بعضهم إلى السبورة، وكأن الأمر صار متوقعاً. تمتم أحدهم بخفة: «يبدو أن القائمة أصبحت ثابتة»، بينما ابتسم آخر وكأنه يقول: على الأقل لسنا وحدنا!
لم تكن تلك ضحكة اعتراض، بل محاولة خفيفة لتجاوز الموقف، قبل أن يصبح أثقل مما يبدو.
بعد الحصة، وفي الفسحة اليومية، خرجوا إلى الساحة.
كان هناك صخب الأطفال وحركة مفتوحة، لكنهم وقفوا جانباً.
لم يكن الغضب هو الشعور الأبرز، بل إحساس غير مريح… يصعب تفسيره.
حاولوا مناقشة العريف وشرح ما جرى، وأنّهم لم يقوموا بما يخالف النظام، إلا أنه لم يتراجع. لم يكن مهتماً بالتفاصيل، بل بما كُلِّف به، وبما منحه هذا التكليف من شعورٍ بالأهميّة.
لم يَطُل النقاش. توقّفوا، لا لأنهم اقتنعوا، بل لأنهم أدركوا أنّ الأمر لا يتعلّق بما حدث فعلاً.
جلسوا يفكّرون.
لم يكن السؤال: هل كنّا مخطئين؟ بل: كيف نتعامل مع هذا الوضع؟ مرّت الخيارات سريعاً: المواجهة قد تُبقي الأسماء، وإعادة المجادلة لن تغيّر النتيجة، والشكوى قد تُضخِّم الموضوع دون أن توضّحه، وتجاهل الموقف يعني تكراره.
في اليوم التالي، أعاد العريف تسجيل الأسماء نفسها على السبورة.
لكنهم هذه المرة لم يتعاملوا معه كما فعلوا من قبل.
حين كُتب اسم جود، تقدّم نحو العريف بهدوء. لم يكن في خطوته تردّد، ولا دفاع عن النفس، ولا رغبة في التفسير. أخرج من جيبه حبّة ملبّس، ومرّرها إليه بخفّة، دون أن يلتفت أحد، وقال، بصوت منخفض: «امحُ اسمي… وأعطيك مثلها غداً».
لم تكن لحظة عابرة. تردّد العريف قليلاً، لكنّ التردّد لم يكن طويلاً. أخذ الحبة، ومسح الاسم.
في تلك اللحظة، لم يكن الأمر صفقة بقدر ما كان كشفاً سريعاً لما يمكن أن يؤثّر.
اقترب الآخرون، وفعلوا الشيء نفسه، واحداً بعد الآخر. مُحيت الأسماء، وعاد الهدوء إلى الصفّ، وكأنّ المسألة انتهت.
بدا المشهد بسيطاً: لا أسماء، ولا عقوبة. ابتسم أحدهم وقال بخفّة:
«المسألة كانت سهلة… بحبة ملبّس حللنا المشكلة».
ضحكوا قليلاً، وكأن الأمر انتهى.
لكن جود لم يشعر أنه انتهى. توقّف عند ما حدث، كأنّ داخله لم يوافق على بساطة النتيجة. راح يتساءل: هل كان ما جرى حلّاً… أم مجرّد تحوّل في الطريقة؟ لم يجد جواباً جاهزاً، لكنه شعر أنه بدأ يرى ما لم يكن يراه من قبل. أحسّ بيقظة جديدة، كأنّ شيئاً انفتح في داخله.
كان هناك ما تغيّر… لا في النتيجة، بل في الطريقة.
لاحظ أن العريف لم يعد فقط ينفّذ، بل بدأ ينتظر. وأن النظام عاد… لكن بشكل مختلف.
بدأ يرى ما وراء ما حدث. لم يكن يدرك كل شيء حينها، لكنه شعر أن هناك خللاً يتجاوز ما جرى.
لاحقاً، سيكتشف أن المشكلة لم تكن في الأفعال الصغيرة، بل في الإطار الذي وُضعت فيه. حين تغيب القواعد الواضحة، ويُترك التقدير دون توجيه، يصبح الحكم سريعاً… والاعتراض عليه أصعب، لأنه يتحوّل إلى أمر واقع يُفرض ولا يُناقش.
حينها، لم يعد جود ينظر إلى ما يُكتب فقط، بل إلى من يكتبه… ولماذا.
ومن ذلك الإدراك، بدأ يتكوّن في داخله شغفٌ عميق لفهم ما يجري خلف الظاهر؛ كيف تُسجَّل الأسماء دون تفسير، وكيف تُقبَل الأحكام كما هي، فقط لأنها كُتبت في موقع يُفترض أنه صحيح.
ومع الوقت، اتّسع هذا الشغف، ليقوده إلى تأمّل العلاقة بين من يمسكون بزمام الأمور ومن يعيشون أثرها، والبحث عمّا يجعل السلطة أقرب إلى الناس.
الايام الفلسطينية




