مقالات

حكايات في التعلّم

حكايات في التعلّم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

الحكاية ١٥
التوجيهي بعد ٦٦ عاماً
كانت عليا تقضي المساء في منزل ابنة أختها التي وضعت مولودها الأول قبل أيام قليلة.
في غرفة الجلوس، كانت الجدة تأخذ غفوة قيلولة وقد انزلقت نظارتها إلى طرف أنفها.
وعلى السجادة قرب النافذة كان طفلان منهمكين في لعبة «الجرسون».
أما المولود الصغير فقد نام بعد محاولات طويلة لتهدئته.
تنفست أمه الصعداء وقالت: «أخيراً نام».
وما أن أنهت عبارتها حتى دوّى صوت مفرقعات في الشارع، تبعتها أبواق سيارات وموسيقى صاخبة وصيحات احتفال.
انتفض المولود باكياً، وهرع الطفلان إلى حضن جدتهما التي استيقظت فزعة وضمّتهما إلى صدرها.
تنهدت الأم وهي تحمل صغيرها وقالت: «بدأت نتائج التوجيهي».
في تلك اللحظة، رن هاتف عليا.
كان جود. قال: «ما هذا الضجيج الذي اسمعه؟».
أجابته: «يبدو أن المدينة كلها تحتفل بالتوجيهي».
ضحك جود: «قبل قليل كنت أفتش في صندوق الذكريات، ووجدت شهادتي التوجيهي مصفرة اللون».
أجابت عليا: «رضيع لا يستطيع النوم بسبب نتائج التوجيهي، وأنت تحتفظ بشهادة عمرها أكثر من خمسين عاماً».
سكت جود لحظة ثم قال: «ربما لأن التوجيهي لم يغادر حياتنا بعد».
قالت عليا: «ورغم كثرة الأسئلة حول جدواه، ما زلنا نتعامل معه بالطريقة ذاتها بعد كل هذه السنوات».
قال جود: «ابنة أخي نجحت هذا العام. أدعوكِ مع بعض الأقارب والأصدقاء إلى سهرة صغيرة في الحديقة. ولنكمل هذا الحديث هناك».
ابتسمت عليا وقالت: «اتفقنا».
بعد أيام، اجتمع المدعوون في الحديقة.
كانت أشجار الرمّان والليمون تحيط بالمكان، بينما كان الأطفال يركضون بين أحواض الخيار والبندورة الكرزية يقطفون منها بفضول وفرح.
عُلّقت شاشة عرض بين شجرتين، وجلس الجميع حول الطاولات تحت عريشه العنب المضيئة بالمصابيح الملونة.
قالت ابنة أخيه، بطلة السهرة: «منذ ظهور النتائج والجميع يسألني عن معدلي».
وأضافت: «ولم يسألني أحد ماذا تعلمت».
ثم أكملت: «اشعر كأنني وصلت إلى خط النهاية بعد سباق طويل، كنت أحرص فيه على أن أحفظ لأجيب، لا أن أفهم لأتعلم».
ابتسمت عليا وقالت: «هذا الشعور ليس جديداً، فبعد كل هذه السنوات ما زلت أتذكر شدة خفقان قلبي عند دخولي قاعة الامتحان، حتى إصبعي الذي أمسكت به القلم كان يرتجف».
«في ذلك الوقت ظننت أن حياتي كلها متوقفة على نتيجتي في هذا الامتحان».
نهض جود وعرض صورة لمدرسة في ستينيات القرن الماضي: سبورة سوداء كبيرة. وطلبة يجلسون على مقاعد خشبية، ودفاترهم مفتوحة أمامهم.
ثم عرض صورة حديثة لطلبة يستخدمون الحواسيب وأدوات الذكاء الاصطناعي.
علّق: «العالم الذي دخلناه طلبةً لم يعد موجوداً: تغير الطب، وازداد الاقتصاد تعقيداً، واتسعت آفاق الفنون، وظهرت مهن جديدة واختفت أخرى. وتبدلت طرق العمل والتعلّم».
أشار إلى الصورة الأولى: «ومع ذلك، ما زال جوهر التوجيهي قريباً مما كان عليه قبل ٦٦ عاماً».
ثم تساءل: «فهل يقيس التوجيهي ما نريد فعلاً أن يتعلمه أبناؤنا؟ أم يقيس ما يسهل امتحانه فقط؟ وهل ما نقيسه، اليوم، هو حقاً ما سيحتاجونه غداً؟
هزّت أستاذة جامعية متقاعدة رأسها وقالت: «هذا السؤال ليس جديداً».
«ولهذا لم تعتمد الجامعات في السبعينيات من القرن الماضي على علامة الثانوية العامة وحدها. كانت تنظر إلى نتائج المقابلات واختبارات المستوى في اللغة الإنجليزية والرياضيات».
«وأحياناً كانت تطلب من بعض الطلبة اجتياز مواد استدراكية قبل الالتحاق بتخصصاتهم. كانت تحاول أن ترى ما وراء العلامة. فالتوجيهي صُمم أساساً لقياس التحصيل الدراسي والاستعداد للتعليم الجامعي، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يقيس جميع جوانب شخصية الطالب ومواهبه وقدراته.
تابعت: «وربما لم يعد السؤال عن الامتحان وحده، بل عن أدوات قياس إضافية تساعدنا على تكوين صورة أشمل عن قدرات الطلبة ومهاراتهم».
فقال جود: «إذاً، المشكلة ليست في الامتحان وحده. بل في أن التعليم والتقييم والقبول الجامعي ما زال بعض أجزائها يعمل كأن العالم لم يتغير».
ساد صمت… كسره صوت رجل الأعمال المشهور: «كنت من أوائل الطلبة، ثم مرضت أثناء امتحانات التوجيهي. فانخفض معدلي كثيراً».
«ما زلت أذكر يوم ظهور النتائج. شعرت بغصة في حلقي. وأظلمت الدنيا في عيني».
«رمقني والدي بنظرة …كانت كافية لأشعر أنني خذلته، فذهبت إلى غرفتي مقتنعاً أن مستقبلي قد انتهى».
تنهد… ثم قال: «لكنني سمعت أمي تقول لأبي: يكفي ما يشعر به الآن، علينا أن نسانده لا أن نكسره».
وأضاف: «تلك الليلة أنقذتني أمي أكثر مما أنقذني أي معدل».
«وبعد سنوات حصلتُ على منحة وأكملت دراستي».
ثم نظر إلى الحاضرين وقال: «لو سمحتُ لتلك النتيجة أن ترسم مستقبلي، لما كنت هنا، اليوم».
قالت عليا: «التوجيهي لا يضغط على الطالب وحده، بل يغيّر إيقاع البيت كله».
«تتراجع الزيارات، وتؤجَّل المناسبات، ويتحول برنامج الأسرة إلى برنامج امتحانات، ويعيش الأهل موسماً كاملاً من القلق».
أضافت: «وعند إعلان النتائج يمتد التوتر ليطال البلد برمتها».
ثم روت ما حدث مع الرضيع والجدة والطفلين.
بعدها، توالت القصص: قصة عن مريض أيقظته المفرقعات. وأخرى عن حادث سير بعد إعلان النتائج، وثالثة عن كاتبة كانت تحاول إنهاء مقال دون جدوى.
عندها قالت عليا: «من حق الجميع أن يفرح». «لكن إزعاج الناس ليس حقاً».
أومأ الحضور موافقين. فقال جود: «وربما لهذا السبب نحتاج إلى أن نفكر في شكل الفرح أيضاً، لا في الفرح نفسه».
ابتسمت مديرة مدرسة، ثم نظرت حولها وأجابت: «تماماً مثل هذه السهرة. «أصدقاء وأقارب، وحديث يتنقل بين الذكريات والضحكات، ومائدة تجمع الناس أكثر مما تجمع الطعام. هذا النوع من الفرح هو الذي يبقى».
ضحك الجميع، ودعتهم روائح الطعام إلى المائدة المليئة بالمعجنات والسلطات وصينية الكوسا المحشي وورق الدوالي تتوسطها عصاعيص اللحم المطهوة على مهل.
وبعد العشاء بدأت الهدايا تتوالى: حاسوب محمول، وهاتف جديد، وساعة أنيقة.
بعد الانتهاء من فتح الهدايا، رفعت عليا يدها. كان في إصبعها خاتم ذهبي يتوسطه حجر أزرق جميل.
قالت: «أهداني والداي هذا الخاتم يوم نجاحي. مرّت عقود طويلة وما زلت أرتديه». «ليس لقيمته المادية …بل لأن ذاكرتي ما زالت تعود إلى فرحة أمي وأبي يومها».
سادت ابتسامة هادئة بين الجالسين.
وفجأة دوّى جرس المنزل. نظر الجميع نحو البوابة.
فضحك جود وقال: «أخيراً وصل الضيف الأهم».
وبعد لحظات دخل سدر كنافة تفوح منه رائحة السمن والفستق، فارتفعت الهتافات: «الآن فقط اكتملت السهرة».
وبعد أن غادر الضيوف، جلس جود وعليا في الحديقة التي استعادت هدوءها.
فقال جود: «ربما لم يعد السؤال كيف ننجح في امتحان».
«بل كيف نبني تعليمًا يساعد أبناءنا على اكتشاف قدراتهم، ويُنمّي تفكيرهم، ويمنحهم الأدوات التي يحتاجونها للحياة».
أومأت عليا موافقة. واستحضرت صورة ابنة أخيه وهي تتحدث عن معدّلها في بداية السهرة، ثم تبتسم لهداياها. وقالت: «أظن أن ابنة أخيك اختصرت أهم ما في الأمر».
التفت إليها جود، فتابعت: «نقضي سنوات طويلة نسأل أبناءنا: كم مُعدّلك؟ ونادرًا ما نسألهم: ماذا تعلّمت؟ «ربما آن الأوان أن نمنح السؤال الثاني ما يستحقه من اهتمام».
وكان في الحديقة ما يكفي ليكمل ما عجزت الكلمات عن قوله.
فالتحدي الحقيقي ليس أن نجتاز امتحانًا واحدًا، بل أن نبني تعلّماً يفتح الأبواب، ويكتشف المواهب، ويهيئ أبناءنا لمستقبل لا يزال في طور التشكّل.

صحيفة الايام الفلسطينية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب