مقالات

حكايات في الحكايات في التعلّم

حكايات في الحكايات في التعلّم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية الثامنة
كيس العيدية

في مساءٍ دافئ يسبق العيد، كانت تكبيرات العيد تتسلل من النوافذ، وتستقر في قلب عليا.

لم تكن تسمعها فقط…كانت تعيشها.
وقفت أمام خزانتها، تتأمل فستانها الأزرق بياقةٍ تشبه القارب، تمتد بانسيابٍ بين الكتفين وتلتقي بياقة قميص خفيفة.
مرّرت يدها على القماش، تعدّل طيّاته، وتبتسم لنفسها.
كانت فرِحة… فرحاً ساكناً يملؤها من الداخل.
ارتدت حذاءها الأبيض الجديد، مشت به خطوات صغيرة داخل الغرفة، ثم نزعته بحرص، ووضعته تحت سريرها، قريباً منها… كأنه جزء من الغد الذي تنتظره.
ثم التفتت إلى كيسها الصغير، المصنوع من المخمل المزركش. كان من صنع جدتها.
مرّت أصابعها على خيوطه، تستعيد أثر تلك اليدين. في أعلاه شريط رفيع ينتهي بخرز أبيض صغير، يُزمّ به الكيس فيغلق، فيحفظ ما بداخله بعناية.
ابتسمت.
لم يكن مجرد كيس… بل وعداً بيوم ينتظره قلبها.
لم تكن العيديات بحد ذاتها ما يفرحها، بل ما تفتحه أمامها من احتمالات.
في صباح العيد، رافقت والدها في زياراته. بيت بعد بيت، ووجوه مألوفة لا تفقد دفئها مهما تكررت.
وفي بيت عمتها، كانت تنتظر ما تعرفه جيداً، ذلك الكعك الذي اعتادت أن تشتاق إليه كل عام، وتحرص أن تأكله هناك تحديداً.
استقبلتها عمتها بفرح، احتضنتها، وأمسكت بكتفيها تتأملها، تعبّر عن إعجابها بملابسها وترتيبها، كأنها تشاركها بهجة العيد.
جلست قليلاً، تبتسم، ثم تمتد إليها يدٌ هنا، وأخرى هناك، لتستقر النقود داخل كيسها المخملي.
وبين زيارة وأخرى، كانت تنفلت من تلك الطقوس، تركض مع الأطفال، تضحك، تنشغل، وتكاد تنسى الكيس… بل تنسى الوقت.
في المساء،
جلست على سريرها، وأفرغت ما جمعته.
ثم توقفت.
النقود أقل مما يجب.
انقبض قلبها، كأن شيئاً صغيراً في داخلها لم يعد في مكانه.
لم يكن الفارق كبيراً، لكنه كان واضحاً. أعادت العدّ مرة، ثم مرة أخرى، كأن النتيجة قد تتغيّر إن طال النظر إليها. لكنها بقيت كما هي.
جلست أمها إلى جانبها، تستمع دون استعجال. وفيما كانت عليا تستعيد تفاصيل يومها، رنّ الهاتف.
جاء صوت عمتها مطمئناً: «نقود عليا هنا… يبدو أن الكيس لم يكن مغلقاً جيداً، وسقط منه بعضها أثناء اللعب. الأطفال أخبروني».
مرّت لحظة ساكنة. ثم ابتسمت عليا ابتسامة أعمق… وأصدق.
كأن شيئاً عاد إلى مكانه.
في اليوم التالي،
جلست أمام حصالتها الفخارية، ووضعت نقودها فيها قطعة تلو الأخرى. كانت هذه المرة أكثر تمهّلاً.
لم تعد ترى النقود كما كانت.
كانت تلك القطع الصغيرة تفتح لها أبواباً: إما أن تشتري بها مجلاتها المصوّرة من المكتبة الوحيدة في مدينتها، أو تستعير مجلداتها، في العطلة الصيفية، من المكتبة المتنقلة الأسبوعية، التي كانت تنتظر قدومها بلهفة.
كانت تقرؤها بشغف، تغوص في تفاصيلها، وتنسى ما حولها.
وأحياناً، كانت تنزعج حين يخطفها أخوها من يدها ليقرأها قبلها، لكنها كانت تصبر، وتعود إليها بشوقٍ أكبر.
كانت تفتح «السندباد»، فتبحر معه بعيداً، وتنطلق مع بساط الريح فوق العوالم، وتبتسم مع «سمير» و»ميكي»، ثم تنتقل إلى عالم الأبطال: سوبرمان بقوّته، وباتمان الرجل الوطواط بدهائه، وتان تان الذي يرى ما لا يراه غيره، ويربط التفاصيل حتى يصل إلى الحقيقة.
لم تكن تلك المجلات مجرد تسلية. كانت تعلّمها، دون أن تدرك: الصدق، والتمييز بين الصواب والخطأ، وأن الأذكى… ليس الأقوى دائماً، بل من يرى ما لا يُرى للآخرين.
ومع الوقت، دخلت عالماً أكثر عمقاً، مع آرسين لوبين. هناك، كان الغموض حاضراً، والأحاجي تستدعي التفكير، وكانت تجد نفسها تحاول تخمين من يقف خلف الأحداث، ومن سيفهم اللغز قبل انكشافه.
تعلّمت أن ما يبدو واضحاً قد يخفي أكثر مما يظهر، وأن الحقيقة تحتاج صبراً… وانتباهاً.
ومع مرور السنوات، اتسعت القراءة. انتقلت إلى الروايات، فقرأت لأدباء كبار، حيث شكلت ثلاثية نجيب محفوظ باباً مختلفاً؛ باباً ترى من خلاله الناس، وتفهم المجتمع، وتدرك أن الحكايات ليست بعيدة… بل تعيش في حياتنا.
اتسعت معها الدائرة أكثر. امتد خيالها إلى عوالم أبعد، من الخيال العلمي، إلى طرق فهم الأحداث، إلى فن تقصّي الحقائق، وإلى القضايا الاجتماعية التي بدأت تراها بوعيٍ مختلف.
ولم تكن تقرأ وحدها. في المدرسة، كانت تجلس مع صديقاتها، يتبادلن ما قرأنه، يحكين القصص بطريقتهن، يضحكن، ويقارنّ بين الشخصيات، ويتساءلن بحماس: من كان الأذكى؟ ولماذا؟
كانت تلك اللحظات…
تجعل الحكايات تعيش مرةً أخرى.
وشيئاً فشيئاً، تغيّر شيء في داخلها. لم تعد تقرأ لتتابع فقط، بل لتفهم.
لم يعد الخيال هروباً، بل أداة. والأسئلة التي بدأت بين الصفحات، امتدت إلى حياتها.
وفي مرحلة لاحقة،
حين اختارت طريقاً يعتمد على التفكير والتحليل، لم تتوقف لتبحث عن البداية. لكنها، في لحظة ساكنة، عادت بذاكرتها إلى هناك. إلى كيس عيد صغير، كاد يفقد ما فيه…ثم فتح لها باباً لم يُغلق بعد.
وأدركت، أن المعرفة لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً، تبدأ من شيء بسيط جداً…قطعة نقدية، فتحت طريقاً، ودعت طفلةً صغيرة… لتدخل حكاية.تعلّم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية الثامنة
كيس العيدية

في مساءٍ دافئ يسبق العيد، كانت تكبيرات العيد تتسلل من النوافذ، وتستقر في قلب عليا.

لم تكن تسمعها فقط…كانت تعيشها.
وقفت أمام خزانتها، تتأمل فستانها الأزرق بياقةٍ تشبه القارب، تمتد بانسيابٍ بين الكتفين وتلتقي بياقة قميص خفيفة.
مرّرت يدها على القماش، تعدّل طيّاته، وتبتسم لنفسها.
كانت فرِحة… فرحاً ساكناً يملؤها من الداخل.
ارتدت حذاءها الأبيض الجديد، مشت به خطوات صغيرة داخل الغرفة، ثم نزعته بحرص، ووضعته تحت سريرها، قريباً منها… كأنه جزء من الغد الذي تنتظره.
ثم التفتت إلى كيسها الصغير، المصنوع من المخمل المزركش. كان من صنع جدتها.
مرّت أصابعها على خيوطه، تستعيد أثر تلك اليدين. في أعلاه شريط رفيع ينتهي بخرز أبيض صغير، يُزمّ به الكيس فيغلق، فيحفظ ما بداخله بعناية.
ابتسمت.
لم يكن مجرد كيس… بل وعداً بيوم ينتظره قلبها.
لم تكن العيديات بحد ذاتها ما يفرحها، بل ما تفتحه أمامها من احتمالات.
في صباح العيد، رافقت والدها في زياراته. بيت بعد بيت، ووجوه مألوفة لا تفقد دفئها مهما تكررت.
وفي بيت عمتها، كانت تنتظر ما تعرفه جيداً، ذلك الكعك الذي اعتادت أن تشتاق إليه كل عام، وتحرص أن تأكله هناك تحديداً.
استقبلتها عمتها بفرح، احتضنتها، وأمسكت بكتفيها تتأملها، تعبّر عن إعجابها بملابسها وترتيبها، كأنها تشاركها بهجة العيد.
جلست قليلاً، تبتسم، ثم تمتد إليها يدٌ هنا، وأخرى هناك، لتستقر النقود داخل كيسها المخملي.
وبين زيارة وأخرى، كانت تنفلت من تلك الطقوس، تركض مع الأطفال، تضحك، تنشغل، وتكاد تنسى الكيس… بل تنسى الوقت.
في المساء،
جلست على سريرها، وأفرغت ما جمعته.
ثم توقفت.
النقود أقل مما يجب.
انقبض قلبها، كأن شيئاً صغيراً في داخلها لم يعد في مكانه.
لم يكن الفارق كبيراً، لكنه كان واضحاً. أعادت العدّ مرة، ثم مرة أخرى، كأن النتيجة قد تتغيّر إن طال النظر إليها. لكنها بقيت كما هي.
جلست أمها إلى جانبها، تستمع دون استعجال. وفيما كانت عليا تستعيد تفاصيل يومها، رنّ الهاتف.
جاء صوت عمتها مطمئناً: «نقود عليا هنا… يبدو أن الكيس لم يكن مغلقاً جيداً، وسقط منه بعضها أثناء اللعب. الأطفال أخبروني».
مرّت لحظة ساكنة. ثم ابتسمت عليا ابتسامة أعمق… وأصدق.
كأن شيئاً عاد إلى مكانه.
في اليوم التالي،
جلست أمام حصالتها الفخارية، ووضعت نقودها فيها قطعة تلو الأخرى. كانت هذه المرة أكثر تمهّلاً.
لم تعد ترى النقود كما كانت.
كانت تلك القطع الصغيرة تفتح لها أبواباً: إما أن تشتري بها مجلاتها المصوّرة من المكتبة الوحيدة في مدينتها، أو تستعير مجلداتها، في العطلة الصيفية، من المكتبة المتنقلة الأسبوعية، التي كانت تنتظر قدومها بلهفة.
كانت تقرؤها بشغف، تغوص في تفاصيلها، وتنسى ما حولها.
وأحياناً، كانت تنزعج حين يخطفها أخوها من يدها ليقرأها قبلها، لكنها كانت تصبر، وتعود إليها بشوقٍ أكبر.
كانت تفتح «السندباد»، فتبحر معه بعيداً، وتنطلق مع بساط الريح فوق العوالم، وتبتسم مع «سمير» و»ميكي»، ثم تنتقل إلى عالم الأبطال: سوبرمان بقوّته، وباتمان الرجل الوطواط بدهائه، وتان تان الذي يرى ما لا يراه غيره، ويربط التفاصيل حتى يصل إلى الحقيقة.
لم تكن تلك المجلات مجرد تسلية. كانت تعلّمها، دون أن تدرك: الصدق، والتمييز بين الصواب والخطأ، وأن الأذكى… ليس الأقوى دائماً، بل من يرى ما لا يُرى للآخرين.
ومع الوقت، دخلت عالماً أكثر عمقاً، مع آرسين لوبين. هناك، كان الغموض حاضراً، والأحاجي تستدعي التفكير، وكانت تجد نفسها تحاول تخمين من يقف خلف الأحداث، ومن سيفهم اللغز قبل انكشافه.
تعلّمت أن ما يبدو واضحاً قد يخفي أكثر مما يظهر، وأن الحقيقة تحتاج صبراً… وانتباهاً.
ومع مرور السنوات، اتسعت القراءة. انتقلت إلى الروايات، فقرأت لأدباء كبار، حيث شكلت ثلاثية نجيب محفوظ باباً مختلفاً؛ باباً ترى من خلاله الناس، وتفهم المجتمع، وتدرك أن الحكايات ليست بعيدة… بل تعيش في حياتنا.
اتسعت معها الدائرة أكثر. امتد خيالها إلى عوالم أبعد، من الخيال العلمي، إلى طرق فهم الأحداث، إلى فن تقصّي الحقائق، وإلى القضايا الاجتماعية التي بدأت تراها بوعيٍ مختلف.
ولم تكن تقرأ وحدها. في المدرسة، كانت تجلس مع صديقاتها، يتبادلن ما قرأنه، يحكين القصص بطريقتهن، يضحكن، ويقارنّ بين الشخصيات، ويتساءلن بحماس: من كان الأذكى؟ ولماذا؟
كانت تلك اللحظات…
تجعل الحكايات تعيش مرةً أخرى.
وشيئاً فشيئاً، تغيّر شيء في داخلها. لم تعد تقرأ لتتابع فقط، بل لتفهم.
لم يعد الخيال هروباً، بل أداة. والأسئلة التي بدأت بين الصفحات، امتدت إلى حياتها.
وفي مرحلة لاحقة،
حين اختارت طريقاً يعتمد على التفكير والتحليل، لم تتوقف لتبحث عن البداية. لكنها، في لحظة ساكنة، عادت بذاكرتها إلى هناك. إلى كيس عيد صغير، كاد يفقد ما فيه…ثم فتح لها باباً لم يُغلق بعد.
وأدركت، أن المعرفة لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً، تبدأ من شيء بسيط جداً…قطعة نقدية، فتحت طريقاً، ودعت طفلةً صغيرة… لتدخل حكاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب