حوار | تطور المركز الاقتصادي للقدس في الفترة الأردنية ودور المطار في تحولها إلى حاضرة عربية

حوار | تطور المركز الاقتصادي للقدس في الفترة الأردنية ودور المطار في تحولها إلى حاضرة عربية
في هذا الحوار نستضيف د. منصور النصاصرة للحديث عن دراسة بعنوان “التطور الحضري لمدينة القدس خلال الفترة الأردنية”، نشرها الباحث في مجلة “أسطور” الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
تكشف دراسة بعنوان “التطور الحضري لمدينة القدس خلال الفترة الأردنية”، نشرها الباحث د. منصور النصاصرة في مجلة “أسطور” الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كيف استطاعت القدس الشرقية، رغم ما خلّفته نكبة عام 1948 من دمار وانقسام، أن تعيد بناء نفسها خلال فترة الإدارة الأردنية (1948-1967)، وأن تتحول إلى حاضرة عربية نشطة اقتصاديًا وتعليميًا وثقافيًا، كان لمطار القدس الدولي (قلنديا) دور محوري في تشكلها.
وتشير الدراسة إلى أن النكبة فرضت واقعًا سياسيًا وجغرافيًا جديدًا على القدس، بعدما قُسمت إلى شطرين: شرقي خضع للإدارة الأردنية، وغربي سيطرت عليه إسرائيل. وتعزز هذا الانقسام بأسوار وحواجز ونقاط تفتيش، في مشهد شبّهته صحيفة “ذي إلستريتيد لندن نيوز” آنذاك بمدينة برلين المقسمة، إذ أصبحت أخماس المدينة موزعة بين سيطرة إسرائيل على أربعة أخماسها، والإدارة الأردنية للخمس المتبقي.
وتوضح الدراسة أن هذا التقسيم حرم القدس الشرقية من قلبها الاقتصادي والتجاري التاريخي، الذي كان يتمركز قبل عام 1948 في الشوارع والأحياء الغربية، ولا سيما منطقة مأمن الله وباب الخليل وامتداداتهما، حيث تركزت المتاجر والبنوك والمقاهي والفنادق والمؤسسات التجارية التي كانت تديرها النخب الاقتصادية الفلسطينية. كما كانت معظم الدوائر الحكومية الرسمية ومؤسسات الخدمات العامة قد أُنشئت في الجزء الغربي من المدينة خلال فترة الانتداب البريطاني، إلى جانب المستشفيات ومكاتب البريد والمدارس والمتاحف ومقار الإدارة، وما تزال كثير من مبانيها قائمة حتى اليوم.
وتركز الدراسة على القدس الشرقية خلال فترة الإدارة الأردنية، وما شهدته من تحولات حضرية عميقة، من خلال رصد الحياة اليومية للفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم يعيدون بناء مدينتهم من بين أنقاض النكبة، في ظل ظروف اقتصادية وسياسية معقدة، لكنهم تمكنوا من إعادة تشكيل فضائهم الحضري وإقامة شبكة جديدة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية مع محيطهم العربي.
وتخلص الدراسة إلى أن الفترة الممتدة حتى عام 1967 لم تكن مرحلة ركود كما قد يُعتقد، بل كانت مرحلة غنية بالمبادرات والاستثمارات، إذ انخرط المقدسيون في التعليم العالي والسياسة والتجارة والإدارة المحلية، واستقطبت المدينة شخصيات عربية من مختلف المجالات، من دبلوماسيين وأكاديميين وأطباء ورجال أعمال، أسهموا في بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ترى الدراسة أن القدس الشرقية قدمت نموذجًا لولادة حاضرة عربية جديدة، رغم آثار التهجير والانقسام التي أعقبت اتفاقية الهدنة عام 1949، وأن عملية إعادة بناء المدينة لم تقتصر على تعويض ما فُقد، بل أنتجت مركزًا حضريًا جديدًا أخذ يتبلور تدريجيًا.
وتولي الدراسة اهتمامًا خاصًا بالدور الذي لعبه مطار القدس الدولي (قلنديا)، معتبرةً أنه كان أحد أهم محركات هذا التحول. فالمطار لم يكن مجرد منشأة للنقل الجوي، بل نافذة ربطت نحو ستين ألف فلسطيني في القدس بالعالمين العربي والدولي، ووفرت فرصًا للاستثمار والتعليم والعمل، وأسهمت في تحويل المدينة إلى مركز إقليمي استقطب المستثمرين والزوار والوفود العربية.
وفي هذا السياق، تشير الدراسة إلى أن شارعي صلاح الدين والزهراء تحولا، خلال سنوات قليلة، إلى القلب التجاري الجديد للقدس الشرقية، بفضل تركز شركات الطيران ووكالات السفر والنقل والشحن فيهما، وانتقال النشاط الاقتصادي تدريجيًا نحو باب الساهرة والمصرارة والشيخ جراح، حيث نشأت شبكة جديدة من المؤسسات والشركات والاستثمارات التي أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي للمدينة.
وفي ضوء هذه النتائج، أجرى “عرب 48” هذا الحوار مع الباحث د. منصور النصاصرة للحديث عن أبرز خلاصات الدراسة، والعوامل التي أسهمت في إعادة بناء القدس الشرقية وتحولها إلى مركز حضري عربي خلال الفترة الأردنية، والدور المحوري الذي أداه مطار القدس في هذه العملية.
“عرب 48″: تتحدث الدراسة عن نهوض القدس، أو ما تبقى منها، تحت الإدارة الأردنية من بين ركام النكبة؛ فالنكبة لم تقتصر على تقويض الكيان السياسي الفلسطيني، بل قطعت أوصال المدينة وسلبتها قلبها الاقتصادي الذي تصفه بـ”المدينة الحديثة”. ومع ذلك، شهدت القدس نهضة سريعة وتحولت، خلال فترة وجيزة، إلى حاضرة عربية تقف إلى جانب أبرز الحواضر العربية. ما العوامل التي أسهمت في هذا التحول؟
النصاصرة: بداية، أود الإشارة إلى أن الدراسة المنشورة مؤخرًا في مجلة “أسطور” ليست سوى جزء من مشروع بحثي أوسع سيصدر قريبًا في كتاب أكاديمي عن جامعة إدنبرة البريطانية، ويتناول مرحلة الإدارة الأردنية للقدس الشرقية بين عامي 1948 و1967.
كما أود التنويه إلى أن مصطلحي “القدس الشرقية” و”القدس الغربية” هما في الأصل نتاج التقسيم الكولونيالي الذي فُرض على المدينة، قبل أن يصبحا لاحقًا جزءًا من الخطاب المتداول.
بعد نكبة عام 1948 واتفاقية الهدنة الموقعة بين الأردن وإسرائيل عام 1949، خضع الشطر الشرقي من القدس للإدارة الأردنية، ثم جرى ضمه رسميًا إلى المملكة عقب مؤتمر أريحا عام 1950، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ المدينة عُرفت بفترة الإدارة الأردنية.
تركز الدراسة على القدس الشرقية، ولا تتناول الشطر الغربي الذي كان يشكل القلب الاقتصادي والعمراني للمدينة قبل النكبة، حيث امتدت فيه أحياء متطورة مثل مأمن الله والبقعة والطالبية والقطمون، إضافة إلى شارع يافا الذي كان المركز التجاري الرئيس للقدس. وقد شهد هذا الجزء من المدينة تطورًا كبيرًا خلال فترة الانتداب البريطاني، إذ أولته سلطات الانتداب أهمية خاصة، فأنشأت فيه مقار الإدارة الحكومية والبنوك ومحطات القطار وشبكة مواصلات ربطت القدس بالقاهرة وعمّان ومدن عربية أخرى.
هذه الخلفية ضرورية لفهم حجم الخسارة التي مُنيت بها القدس الشرقية بعد التقسيم، إذ فقدت الجزء الأكبر من مؤسساتها الوطنية والخدماتية والاقتصادية، بما في ذلك مبنى بلدية القدس، والبنوك، والمستشفيات، ومكاتب البريد، فضلًا عن انقطاع شبكات النقل والاتصالات الرئيسة، مثل خطوط التلغراف والسكك الحديدية، الأمر الذي فرض على المدينة أن تبدأ عمليًا من الصفر.
“عرب 48”: رغم هذه الخسارة الكبيرة وفقدان معظم المؤسسات والمرافق التي شكلت القلب الاقتصادي للقدس، شهدت المدينة تعافيًا سريعًا ونهضة لافتة. هل يعود ذلك إلى السياسات الأردنية وحدها؟
النصاصرة: لا يمكن اختزال هذا التحول في السياسات الأردنية وحدها، على أهميتها، فالمقدسيون أنفسهم كانوا شركاء أساسيين في إعادة بناء مدينتهم. لقد أسهموا في إنشاء مركز حضري جديد تركز في باب الساهرة وشارع صلاح الدين وشارع الزهراء والمصرارة والشيخ جراح، وشكلوا القوة الدافعة لإعادة بناء الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة.
“عرب 48”: نعلم أن عددًا كبيرًا من سكان الأحياء الغربية انتقلوا إلى الشطر الشرقي بعد النكبة، وبينهم عائلات ميسورة الحال ورجال أعمال. إلى أي مدى أسهم ذلك في عملية النهوض؟
النصاصرة: تشير الدراسات إلى أن نحو 40% من سكان القدس كانوا مسجلين لاجئين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وغالبية هؤلاء نزحوا من الأحياء الغربية للقدس أو من قرى قضاء القدس، التي بلغ عددها 48 قرية، وهُجرت معظمها، مثل عين كارم ودير ياسين ولفتا، هذا فضلًا عن القرى التي هُجرت بعد عام 1967.
على المستوى الديمغرافي، اندمجت العائلات المهجرة في النسيج الاجتماعي للقدس الشرقية، ما غيّر التركيبة السكانية للمدينة بصورة ملحوظة. فالشيخ جراح، على سبيل المثال، كان منطقة حدودية قبل النكبة، ثم أصبح أحد أهم مراكز التجمع السكاني بعد انتقال آلاف الفلسطينيين إليه.
لذلك أقول إن ما حدث كان نتيجة تقسيم كولونيالي ترك القدس الشرقية خالية تقريبًا من مؤسساتها. حتى شركة الكهرباء لم تكن موجودة فيها. ومن هنا بدأت عملية إعادة بناء المؤسسات والخدمات من نقطة الصفر تقريبًا، ولعب المقدسيون الدور الأبرز في هذه العملية، إلى جانب الفلسطينيين في الشتات الذين حافظوا على صلاتهم بالمدينة، وأسهموا في استقطاب استثمارات عربية، ولا سيما من الكويت.
“عرب 48”: بعد ضم الضفة الغربية، بما فيها القدس، إلى المملكة الأردنية، حصل الفلسطينيون على الجنسية الأردنية، كما أن القدس تتمتع بمكانة دينية خاصة في العالمين العربي والإسلامي، فضلًا عن مكانتها المسيحيّة. إلى أي مدى أسهمت هذه العوامل في نهضة المدينة؟
النصاصرة: صحيح، هذه كلها عوامل لا يمكن إغفالها. فتشكل الحيز الحضري الجديد في القدس ارتبط بتفاعل عدة عناصر في آن واحد؛ منها المبادرات المحلية الفلسطينية، والسياسات الأردنية، إلى جانب الدعم الذي قدمته دول عربية لتطوير المدينة، مع الإشارة إلى أن التجربة الكويتية كانت حالة استثنائية من حيث حجم المساهمة ونوعيتها.
وخلال تلك المرحلة شهدت القدس تأسيس عدد كبير من المدارس والمؤسسات الوطنية، سواء كانت مؤسسات أهلية أو جمعيات مجتمع مدني أو مؤسسات نسوية، إضافة إلى مدارس للأيتام الذين هُجّروا من الأحياء الغربية، مثل دار الطفل العربي ودار اليتيم العربي ومدرسة الروضة. كما بدأت تتبلور مراكز ثقافية جديدة، بالتوازي مع نشاط اقتصادي وسياحي متزايد، انعكس في افتتاح عشرات الفنادق، ولا سيما الفنادق العائلية، إلى جانب تطوير البنية التحتية وشبكات المواصلات التي ربطت القدس بعمّان وبمحيطها العربي، وهو ما أسهم في ترسيخ المركز الحضري الجديد الذي تركز في باب الساهرة وشارعي صلاح الدين والزهراء ومنطقة المصرارة.
“عرب 48”: هل هي المناطق التجارية التي ما زالت تشكل مركز القدس الشرقية حتى اليوم؟
النصاصرة: نعم، لكنها لم تنشأ بصورة عفوية. فالدراسة تربط بين تطور هذه المناطق وبين مطار القدس، أو مطار قلنديا كما يعرف محليًا، والذي كان له دور محوري في إعادة تشكيل الحيز الحضري والاقتصادي للمدينة، من خلال ارتباطه المباشر بحركة الطيران والسياحة.
وتكشف ملفات بلدية القدس العربية ووثائق الأرشيف التي اطلعت عليها أن 21 شركة طيران افتتحت مكاتب لها في شارعي صلاح الدين والزهراء، وهو ما أسهم في تحويل المنطقة إلى مركز اقتصادي وتجاري جديد.
ويجدر التأكيد أيضًا على أن جانبًا من هذا التطور ارتبط بقيادة روحي الخطيب، آخر رئيس لبلدية القدس العربية، الذي لعب دورًا مهمًا في بناء علاقات مع عمّان والكويت والسعودية، وأسهم في استقطاب استثمارات عربية، خاصة في قطاع الفنادق والمشروعات الاقتصادية، إلى جانب الدور الذي أداه رجال الأعمال المقدسيون في إعادة بناء اقتصاد المدينة.
“عرب 48”: هل يمكن القول إن المطار ربط القدس مباشرة بالعالم العربي والعالم الخارجي؟
النصاصرة: بالتأكيد. فقد أُنشئ المطار أصلًا كمطار عسكري خلال فترة الانتداب البريطاني، لكنه تحول في العهد الأردني إلى مطار مدني، ثم تطور تدريجيًا حتى أصبح مطارًا دوليًا يستقبل طائرات كبيرة، وأدى دورًا محوريًا في التنمية الاقتصادية والعمرانية للقدس.
وتبين الإحصاءات الأردنية أن عدد السياح الذين وصلوا إلى القدس عبر مطار قلنديا كان يفوق عدد الذين كانت عمّان وجهتهم النهائية في بعض الفترات، وهو مؤشر واضح على المكانة التي اكتسبها المطار.
كما فتح المطار القدس على العالم العربي، فأصبح بإمكان الفلسطيني السفر مباشرة إلى عمّان وبيروت والقاهرة ودمشق وبغداد وجدة والكويت، سواء لأغراض العمل أو الدراسة أو السياحة أو التواصل الاجتماعي، وهو ما عزز العلاقات الاقتصادية والثقافية بين القدس ومحيطها العربي.
“عرب 48”: هل منح ذلك القدس نوعًا من الاستقلال النسبي عن عمّان؟
النصاصرة: لا أفضل استخدام تعبير “الاستقلال”، فالقدس بقيت العاصمة الروحية، فيما كانت عمّان العاصمة السياسية للمملكة. لكن المطار جعل القدس حاضرة عربية مركزية مرتبطة بشبكة واسعة من العواصم العربية والغربية.
فكان المسافر الفلسطيني يستطيع السفر إلى بيروت أو القاهرة، ومنها إلى مختلف العواصم الأوروبية والعالمية، ما جعل القدس جزءًا من شبكة إقليمية ودولية واسعة، وأسهم في تسريع نموها الاقتصادي والعمراني.
ولعب المطار أيضًا دورًا حاسمًا في استقطاب الاستثمارات العربية، خصوصًا القادمة من الكويت والسعودية والأردن، إذ كانت هناك رحلات مباشرة منتظمة بين القدس والكويت، الأمر الذي سهّل انتقال رجال الأعمال ورؤوس الأموال بين المدينتين.
“عرب 48”: ما سر العلاقة الخاصة التي نشأت بين القدس والكويت خلال تلك الفترة؟
النصاصرة: تحتل الكويت مكانة محورية في هذه الدراسة، إذ لم يقتصر دورها على إرسال المستثمرين ورجال الأعمال، بل امتد إلى مجالات التعليم والعمل الخيري والتنمية. فقد شهدت القدس حركة نشطة للطلبة، وكان عدد من طلبة المرحلة الثانوية في الكويت يأتون للدراسة في مدارس المدينة.
كما استقطبت القدس، خلال تلك المرحلة، طلبة من عدد من الدول العربية، بينها الكويت والسعودية والجزائر، وبرزت بوصفها حاضرة تعليمية وثقافية بفضل مدارسها العريقة، مثل المطران والكلية الإبراهيمية والروضة الحديثة وغيرها.
ولم تقتصر المساهمة الكويتية على التعليم، بل شملت الاستثمار في المؤسسات المحلية أيضًا، ومن أبرزها المعهد العربي الكويتي في أبو ديس، الذي أصبح لاحقًا جزءًا من جامعة القدس، إلى جانب دعم مستشفى المقاصد ومستشفى العيون ودار اليتيم العربي وعدد من المؤسسات التي تأسست أو توسعت خلال فترة الإدارة الأردنية، كما توثق السجلات الرسمية.
وقد نشأت علاقة وثيقة بين القدس والكويت بفضل مطار القدس، حتى إن الكويتيين أقاموا حيًا سكنيًا بالقرب من المطار عُرف بـ”الحي الكويتي”، كما أسهموا في بناء مسجد عبد الله الهاجري، المعروف اليوم باسم مسجد عمر بن الخطاب، إضافة إلى استثمارات عقارية في القدس ورام الله والبيرة، ومشروعات أخرى في بيت صفافا وقرية أرطاس في قضاء بيت لحم.
وتُظهر الألبومات والصور التاريخية التي اطلعت عليها زيارات سنوية لعائلات كويتية وسعودية إلى القدس والمسجد الأقصى، فضلًا عن وجود طالبات من العراق وطلاب من دول عربية أخرى، وهو ما يعكس حجم التفاعل الاجتماعي والثقافي الذي كان قائمًا آنذاك.
ومن خلال شبكة الرحلات الجوية، أسهم المطار في بناء علاقات تعليمية واقتصادية وسياحية واسعة، كما أتاح للطلبة الفلسطينيين السفر إلى بيروت والقاهرة وشيراز وغيرها لاستكمال دراساتهم العليا، ومنها إلى الجامعات الأوروبية والعالمية.
وتبين السجلات أيضًا أن عددًا من شركات الطيران العالمية افتتح مكاتب له في شارع صلاح الدين، من بينها الخطوط الجوية الفرنسية (إير فرانس)، والخطوط الجوية الهولندية، ومصر للطيران، والخطوط الجوية السورية، إلى جانب شركات عربية ودولية أخرى.
“عرب 48”: لا شك أن المكانة الدينية للقدس جعلتها مقصدًا رئيسيًا للسياحة الدينية.
النصاصرة: بالتأكيد. فقد أسهمت المكانة الدينية للقدس، إلى جانب انفتاحها على العواصم العربية والغربية، في ازدهار حركة السياحة الدينية الإسلامية والمسيحية على حد سواء.
فكان كثير من المسلمين يزورون القدس بعد أداء مناسك الحج، في حين كانت الوفود المسيحية تصل بصورة منتظمة عبر رحلات تمر ببيروت أو القاهرة، قادمة من أوروبا. وتشير التقارير الرسمية إلى أن المدينة كانت تشهد خلال مواسم الأعياد المسيحية إشغالًا كاملًا للفنادق، حتى إن العديد من العائلات المقدسية كانت تؤجر منازلها للزوار بسبب كثافة الطلب.
كما كان مطار عمّان يشكل محطة عبور لبعض المسافرين، بينما كان مطار القدس يمثل الوجهة النهائية لنحو ثلثي المسافرين جوًا إلى الأردن خلال منتصف ستينيات القرن الماضي، أي ما يقارب ضعف عدد الذين كانت عمّان وجهتهم النهائية.
وتعكس البيانات الأردنية الرسمية حجم هذا النشاط؛ ففي نيسان/أبريل 1961 استقبل مطار القدس 375 طائرة، وغادرت منه 374 طائرة، فيما بلغ عدد القادمين 9220 مسافرًا، والمغادرين 8540، إضافة إلى 210 مسافرين مروا بالمطار في طريقهم إلى وجهات أخرى.
وفي شباط/فبراير 1963، الذي يُعد من أشهر الذروة في حركة الطيران، سجل المطار 248 رحلة وصلت على متنها 3227 مسافرًا، و252 رحلة غادرت وعلى متنها 3105 مسافرين، في مؤشر واضح على النمو المتسارع لحركة الملاحة الجوية.
كما تشير الإحصاءات إلى أن عدد السياح العرب الذين وصلوا عبر مطار القدس عام 1964 بلغ 8172 سائحًا، قدموا من عدن والجزائر والبحرين والعراق والكويت ولبنان وليبيا والمغرب وقطر والسعودية والسودان وسورية وتونس والجمهورية العربية المتحدة واليمن، قبل أن يرتفع العدد الإجمالي للمسافرين عام 1966 إلى 10562 مسافرًا.
ومع ازدياد الحركة الجوية، بدأت الحكومة الأردنية، أواخر عام 1966 ومطلع عام 1967، تنفيذ مشروع شامل لتوسعة المطار وتطويره. وفي منتصف نيسان/أبريل 1967 أُغلق المطار مؤقتًا لاستكمال الأعمال، وكانت آخر رحلة هبطت فيه، وفق السجلات الرسمية، في الساعة الثالثة من بعد ظهر 14 نيسان/أبريل، وكانت قادمة من بيروت.
“عرب 48”: بمعنى أن المطار كان مغلقًا عندما اندلعت حرب حزيران/يونيو 1967؟
النصاصرة: نعم. عندما اندلعت الحرب كان المطار لا يزال يخضع لأعمال التوسعة والتطوير، ولذلك حُولت جميع الرحلات مؤقتًا إلى مطار عمّان، كما نُقل العاملون فيه إلى هناك إلى حين انتهاء المشروع.
ومن المهم الإشارة إلى أن القوات الإسرائيلية استهدفت المطار في الساعات الأولى من الاجتياح، وتم احتلاله قبل السيطرة على البلدة القديمة. ومن وجهة نظري، فإن سقوط مطار القدس كان إيذانًا بسقوط القدس نفسها، لأن المطار لم يكن مجرد منشأة للنقل، بل كان شريانًا حيويًا ربط المدينة بالعالم العربي، وأحد أهم رموز نهضتها الاقتصادية والحضرية خلال الفترة الأردنية.
تذييل
يأتي هذا الحوار في وقت تتعرض فيه المنطقة التاريخية لمطار القدس في قلنديا لتحولات سياسية وعمرانية متسارعة. فقد وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الأسبوع الماضي، حجر الأساس لما يسمى “مركز التراث” في موقع المطار التاريخي، في خطوة يراها الفلسطينيون جزءًا من مشاريع الضم وفرض الوقائع على الأرض، وامتدادًا لسياسات تستهدف طمس الهوية الفلسطينية للقدس وتغيير معالمها التاريخية والعمرانية، فضلًا عن تكريس فصل المدينة عن محيطها الفلسطيني.
عرب 48




