حين تكشف شهادات الجنود الإسرائيليين الوجه الخفي لآلة القتل في غزة..

:
حين تكشف شهادات الجنود الإسرائيليين الوجه الخفي لآلة
القتل في غزة..
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
لم يكن فيلم NAZA مجرد عمل سينمائي يتناول الحرب
على غزة، بل تحول إلى وثيقة مثيرة للاهتمام لأنه يحاول
النظر إلى الحرب من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية
نفسها. فالفيلم، الذي أخرجه المخرجان الإسرائيليان يوآف
أبراهام وراشيل تسور، يستند إلى شهادات 24 من الجنود
والعاملين في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، جرى إخفاء
هوياتهم، ويتناول الطريقة التي جرى بها تحديد الأهداف
وتنفيذ عمليات القصف في قطاع غزة..
أهمية الفيلم أنه لا يكتفي بعرض مشاهد الدمار والضحايا،
وإنما يحاول تفكيك الآلية التي تقف خلف عمليات القتل:
كيف يُحدَّد الهدف؟ ومن يعرف بوجود المدنيين؟ وكيف
تُحسب أعداد الضحايا المتوقع سقوطهم قبل تنفيذ الغارة؟.
وهنا تكمن الصدمة التي ينقلها NAZA..
فوفق الشهادات التي يقدمها الفيلم، لم تكن أعداد المدنيين
الذين يمكن أن يسقطوا في بعض الهجمات دائماً مجهولة أو
غير متوقعة، وإنما كانت تُدرج في عملية اتخاذ القرار
العسكري. ويشرح الفيلم أن مصطلح NAZA نفسه يرتبط
في الاستخدام العسكري الإسرائيلي بعدد الضحايا المدنيين
المتوقع سقوطهم في عملية استهداف معينة..
أي أن المسألة، كما يعرضها الفيلم، لا تتعلق فقط بمدنيين
قتلوا بصورة عرضية أثناء استهداف مقاومين، وإنما
بمنظومة تجعل احتمال سقوط المدنيين جزءاً من الحسابات
السابقة على تنفيذ الهجوم..
الأكثر إثارة للقلق هو ما يرويه عدد من الشهود عن
استخدام أنظمة معلومات ومراقبة، بينها أدوات تعتمد على
الذكاء الاصطناعي، لتحديد الأهداف ومتابعة الأشخاص
والمواقع في غزة. ويقول المشاركون في الفيلم إن عمليات
القصف كانت تُنفذ أحياناً مع معرفة مسبقة بوجود عائلات
ومدنيين داخل المباني المستهدفة.
وهنا ينتقل السؤال من طبيعة السلاح المستخدم إلى طبيعة
القرار نفسه..
فإذا كان وجود مدنيين داخل منزل معروفاً مسبقاً، وإذا كانت
أعداد الضحايا المحتملين محسوبة قبل القصف، فإن السؤال
الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام قرار عسكري يقبل
مسبقاً بقتل عدد من المدنيين لتحقيق هدف محدد؟..
الفيلم يقدم رواية صادمة من داخل المؤسسة الإسرائيلية:
شهادات تتحدث عن استهداف منازل تعرف أجهزة
الاستخبارات أنها مأهولة، وعن قبول أعداد كبيرة من
الضحايا المدنيين باعتبارها جزءاً من العملية العسكرية.
وقد تحدثت إحدى المصادر، بحسب ما نقلته التقارير عن
الفيلم، عن حالة كان فيها متوقعاً أن يؤدي استهداف هدف
واحد إلى مقتل مئات المدنيين..
وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في الفيلم: أنه لا يعرض
الضحايا باعتبارهم مجرد أرقام، بل يحاول الكشف عن
النظام الذي يقف خلف تلك الأرقام..
فكل طفل قتل تحت الأنقاض، وكل أم فقدت أبناءها، وكل
عائلة أُبيدت داخل منزلها، لم تكن بالضرورة مجرد نتيجة
عشوائية لقصف في منطقة مكتظة. الفيلم يطرح مسألة أكثر
خطورة: أن تكون هناك قرارات اتخذت مع معرفة مسبقة
بحجم الخسائر البشرية المتوقعة…
وبذلك يصبح الحديث عن «الأضرار الجانبية» بحاجة إلى
إعادة نظر.
فالضرر الجانبي يفترض، في مفهومه الطبيعي، أن يكون
نتيجة غير مقصودة. أما عندما تكون الخسائر المدنية
متوقعة ومحسوبة قبل تنفيذ الهجوم، فإن المسألة تطرح
سؤالاً مختلفاً تماماً حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية
لمن اتخذ القرار..
ولا تأتي أهمية هذه الشهادات من كونها صادرة عن
فلسطينيين أو عن جهات معادية لإسرائيل، وإنما من كون
أصحابها، بحسب الفيلم، أشخاصاً عملوا داخل أجهزة
الاستخبارات والجيش الإسرائيلي وشاركوا في عمليات
المراقبة والاستهداف. وهذا ما يمنح الفيلم أهمية خاصة في
النقاش حول حقيقة ما جرى في غزة..
لكن الموضوعية تقتضي أيضاً القول إن الشهادات الواردة
في الفيلم ليست، بمفردها، حكماً قضائياً نهائياً يثبت
مسؤولية كل عملية عسكرية أو كل واقعة قتل. كما أن
الجيش الإسرائيلي ينفي الادعاء بوجود سياسة متعمدة لقتل
المدنيين، ويقول إن قرارات الاستهداف تخضع لمراجعة
بشرية ولتقديرات تتعلق بالتناسب والاحتياطات.
غير أن هذا لا يلغي أهمية ما يطرحه الفيلم، ولا يلغي
ضرورة التحقيق المستقل في الوقائع التي يكشفها..
فالحرب لا تمنح أي جيش شيكاً على بياض، ولا تجعل
المدنيين أهدافاً مشروعة لمجرد الاشتباه في وجود مقاتل
بينهم. وإذا كانت هناك منظومة عسكرية تستطيع أن تعرف
مسبقاً أن عشرات أو مئات المدنيين قد يكونون داخل مبنى
مستهدف، فإن السؤال عن قانونية وأخلاقية قرار القصف
يصبح أمراً لا يمكن تجاوزه..
لقد وثقت الحرب على غزة، على مدى سنوات، دماراً واسعاً
وسقوط أعداد هائلة من المدنيين. وجاءNAZA ليحاول
إضافة بُعدا آخر إلى الصورة: ليس فقط ماذا حدث للمدنيين،
وإنما كيف اتُّخذت القرارات التي أدت إلى مقتلهم..
وهذه ربما هي النقطة الأكثر إيلاماً في الفيلم..
فالقتل الجماعي لا يبدأ دائماً لحظة سقوط القنبلة؛ أحياناً يبدأ
قبل ذلك بكثير، عندما يجلس أشخاص أمام شاشات وأنظمة
معلومات، ويقررون أن مبنى ما أصبح هدفاً، مع معرفة من
يوجد داخله، ومعرفة عدد الأشخاص الذين قد لا يخرجون
منه أحياء..
إذا صحت الشهادات التي يعرضها الفيلم، فإن القضية لا
تعود مجرد حرب بين جيش ومُقاومين، وإنما تتحول إلى
سؤال عن منظومة كاملة لاتخاذ القرار، وعن الحدود التي
يمكن أن يصل إليها "مفهوم الهدف العسكري" عندما
يصبح وجود المدنيين مجرد رقم في معادلة القصف..
ولهذا تكتسب NAZA أهميتها: لأنه يحاول أن يجعل آلة
الحرب تتحدث عن نفسها، وأن يكشف من داخلها كيف
يمكن أن يتحول الإنسان إلى رقم، والبيت إلى هدف،
والعائلة إلى خسارة محسوبة مسبقاً..
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل الفيلم أغضب
هذا المسؤول الإسرائيلي أو ذاك؟ بل السؤال الأهم هو: هل
ما ورد فيه يستحق التحقيق المستقل والمحاسبة؟.
إن القضية أكبر من فيلم، وأخطر من سجال سياسي. إنها
قضية أرواح بشرية بشرية تُزهَق، وقضية مسؤولية،
وقضية قانون دولي، وقبل كل ذلك قضية إنسانية تتعلق
بالحق الأساسي في الحياة..




