مقالات

حين يدفع الأردن ضريبة موقعه الجيوسياسي

حين يدفع الأردن ضريبة موقعه الجيوسياسي

د. مثنى عبدالله

في حدث مفاجئ أعلنت الحكومة الأردنية الأسبوع المنصرم، إحباط مخططات خلية لتصنيع الصواريخ تضم 16 عنصرا (كانت تهدف إلى المساس بالأمن الوطني وإثارة الفوضى والتخريب المادي)، وإن هذه الخلية (ارتبطت بأربع قضايا رئيسية وفق مهام منفصلة، شملت تصنيع صواريخ قصيرة المدى، وحيازة مواد متفجرة وأسلحة أوتوماتيكية، وإخفاء صاروخ مجهّز للاستخدام، ومشروعا لتصنيع طائرات مُسيّرة، بالإضافة إلى تجنيد وتدريب عناصر داخل المملكة وإخضاعها للتدريب في الخارج).
ولم تُفصح الجهات الأردنية عن انتماءات المتهمين سياسيا، وهي فقط أشارت إلى أن عددا منهم ينتمون إلى جماعة غير مُرخّص لها في الأردن، لكن اعترافات بعض المنتمين إلى الخلية كانت واضحة، بأنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين. وهنا بات السؤال المهم هو، هل كان إنشاء هذه الخلية بقرار مركزي من تنظيم الإخوان في الأردن؟ أم أنه كان من عمل فئة من الإخوان مرتبطة بجهة ما؟ وقد أجابت الجماعة على هذا السؤال في بيان صادر عنها قالت فيه «هي أعمال فردية على خلفية دعم المقاومة، لا علم لجماعة الإخوان المسلمين بها ولا تمت لها بصلة».

الأردن في موقع جيوسياسي صعب جدا، وبحكم موقعه الجغرافي يأمل الكثيرون في تحويله إلى محطة لوجستية لصالحهم، فهو كان دوما طريق الفصل بين الأراضي المُحتلة في فلسطين وعمق العالم العربي

تصريحات المتحدث الرسمي باسم الحكومة الأردنية، الذي أشار إلى أن هذه الخلية كانت مرتبطة بالخارج، من خلال الذهاب إلى لبنان لتلقي التدريبات، والحصول على أموال، والتواصل مع أشخاص هناك، يجعلنا أمام شبكة مُنظّمة إقليميا يرتبط قرارها بالخارج وليس بالداخل الأردني. وهذه نقطة تحوّل بالنسبة للوضع الأمني والسياسي الأردني، فلطالما كان الأردن واحة أمن وانسجام سياسي داخلي، على الرغم من المحن الكثيرة التي مرت بها المنطقة.
صحيح أن الأردن كانت فيه محطات سياسية صعبة في تسعينيات القرن المنصرم وما بعدها، لكن لأول مرة تصل فيها الأمور إلى هذا المستوى. ويعزي البعض هذا التطور إلى طبيعة المرحلة، فالوضع السياسي الناشئ بعد السابع من أكتوبر أنتج تحولا واضحا في طبيعة تعاطي الأحزاب الأردنية مع الداخل، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، فعلى سبيل المثال أعطتهم الحرب في غزة دفعة قوية في توجيه الشارع، واستخدامها عاملا فاعلا في تصدّر المشهد، كما أن مكانتهم السياسية باتت مختلفة تماما عما سبق، وصوتهم أصبح هو الأعلى في ضرورة التدخل في الشأن الإقليمي، وكل ذلك عاد عليهم بمزيد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. لكن كل ذلك لم يجعلهم يقفزون على الثوابت، حيث كان بيان المكتب التنفيذي لحزب جبهة العمل الإسلامي واضحا في التأكيد (على أن حمل السلاح هو حق حصري بيد الدولة) و(على ثقته بالقضاء الأردني في كشف أي متورط في أعمال مرفوضة، تستهدف أمن الوطن واستقراره، الذي يمثل خطا أحمر لا يسمح الأردنيون بالمساس به). أما لماذا تم الإعلان عن هذا الحادث الأمني في هذا الوقت بالذات، في حين أن المتحدث باسم الحكومة قال، إن اكتشاف الخلية، قد تم في عام 2021، فإن الأمر لا يحتاج إلى جهد جهيد لتفسير ذلك، حيث يبدو أن المعلومة الاستخباراتية، قد وصلت الأجهزة الأمنية في ذلك العام، وكان لا بد من تحليلها أولا، ثم إخضاع المتورطين إلى عمليات الفحص والتدقيق والمتابعة، بغية معرفة طبيعة توجهاتهم وتنقلاتهم بين الأردن ولبنان، وكشف مصادر التمويل وجهات الارتباط. وإن عدم الإعلان المبكر أملته ظروف المتابعة والرصد، والحرص على كشف الخيوط كافة، خاصة أن عمل المجموعة كان بطريقة الخلايا الخيطية، أي أن كل خلية تعمل بمفردها، من دون معرفة بوجود خلايا أخرى، لكن الجميع يُدارون من المصدر نفسه، وهذا الأسلوب في العمل الهدف منه إعاقة كشف جميع الخلايا دفعة واحدة. كما أن الجهات الأمنية كان تركيزها على العناصر التي تتوجه إلى لبنان، بعد اكتشاف الخلية الأولى، وهذا هو العامل الذي أدى إلى طول فترة المتابعة حتى الإعلان عنها.
والمسألة الأخرى أن هذه الخلايا كانت تعمل على الأرض في بناء وتخزين وتصنيع، ويبدو أن الأجهزة الأمنية كانت تتابع لحين الوصول إلى مستوى مادي كبير من الإدانة والتجريم لهذه المجموعة. ويمكن أن يُضاف عامل آخر ومهم يُبرر الإعلان عن الحادث الآن، وهو التغيرات التي حصلت في لبنان بعد تراجع دور حزب الله في الحياة السياسية والمؤسسات الحكومية اللبنانية. فلا يخفى على أحد تغلغل حزب الله في داخل الجهاز الأمني اللبناني. بالتالي ربما حرصت الأجهزة الأمنية الأردنية على التحقيق حتى آخر لحظة وعدم الإعلان، كي لا تعرف عناصر حزب الله الموضوع ثم يُفشلون عملية المتابعة.
إن قراءة ما جاء في المؤتمر الصحافي للناطق باسم الحكومة الأردنية، يتبين أن هناك استنتاجا لدى السلطات الأمنية الأردنية بقيام ما سُمي (محور المقاومة)، بمحاولة توظيف لفكرة أنه لا بد من تحويل الأردن إلى ساحة يتم عبرها نقل السلاح إلى الضفة الغربية، لكن الإمساك الأمني الشديد بالحدود أفشل هذه الفكرة، فكان التحوّل هو صُنع ذراع لهم في الأردن، بواسطة هذه المجموعة، وتصنيع السلاح على أراضيه وتدريب الخبرات، من أجل القيام بعمليات ربما ضد الجانب الإسرائيلي من الأراضي الأردنية. ويبدو أن هذا الرأي يقول إن وضع الأردن لا يتحمّل خرق اتفاقية السلام والوصول من جديد إلى منطق المجابهة مع إسرائيل. ولأن الوضع الإقليمي يشهد أزمة كبرى وميزان القوى فيه مُرتد، فإن الفعل الذي قامت به هذه المجموعة بالضرورة سيتسبب بزعزعة الأمن الداخلي الأردني.
يقينا أن المملكة الأردنية الهاشمية في موقع جيوسياسي صعب جدا، وبحكم موقعها الجغرافي يأمل الكثيرون في تحويلها إلى محطة لوجستية لصالحهم، فهي كانت دوما طريق الفصل بين الأراضي المُحتلة في فلسطين وعمق العالم العربي، لذلك كثيرا ما كانت تتأثر بكل المشكلات الإقليمية، سواء السياسية منها أو الأمنية، لكن آثار تلك المشكلات لم تؤثر سلبا وبشكل حاد في الحياة السياسية والأمنية الأردنية وبقيت بعيدة عن الانغماس فيها. غير أنه بعد السابع من أكتوبر أصبح الأردن في بؤرة العاصفة، فالأوضاع الأمنية في محيطها الجغرافي القريب باتت غير عادية، حيث الحرب في غزة وشبه حالة حرب في الضفة الغربية، والفوضى الأمنية في سوريا، التي تسببت في اختراقات مستمرة للحدود، وتصريحات من ميليشيات عراقية تُهدد باختراق الأراضي الأردنية، في ما يُسمى عمليات الإسناد للمقاومة.

كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب