منوعات

حين يصبح الحمار شاهدا على حرب غزة

حين يصبح الحمار شاهدا على حرب غزة

وردة الشنطي

غزة –: قبل أن تصل أكياس الطحين إلى أيدي الجائعين، وقبل أن تعبر عربات المساعدات الطرق المدمرة، هناك كائنات صامتة تخوض معركتها اليومية من أجل استمرار الحياة. ففي غزة، لم تعد الحمير مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت شريكًا في رحلة البقاء، تجر المساعدات والمياه لمسافات طويلة، وتتحمل الجوع والإرهاق والإصابات كما يتحملها أصحابها. وبينما تُروى قصص البشر في الحرب، تبقى قصص هذه الحيوانات شاهدًا آخر على قسوة واقع لم يستثنِ أحدًا، حتى الكائنات التي لا تملك سوى الصمت.
قبل أن يبتلع البحر جسده، كان الحمار قد استنفد ما تبقى لديه من قوة. لأشهر طويلة، ظل يجر عربة مثقلة بالمياه والبضائع والاحتياجات، قاطعًا طرقًا وعرة تحت الشمس، حتى أصبح التعب رفيقه الدائم في قطاع لم تعد فيه المركبات قادرة على أداء دورها.
وفي محاولة لمنحه قسطًا من الراحة، اصطحبه صاحبه يوم الجمعة إلى شاطئ مدينة دير البلح لتحميمه. فبدا المشهد اعتياديًا في بدايته، لكن الإرهاق الذي أنهك جسده كان أقوى من قدرته على مقاومة المياه. وما إن دخل البحر حتى خارت قواه وغرق أمام أنظار صاحبه، الذي حاول إنقاذه دون جدوى، ليفارق الحياة في مشهد مؤلم.
ولم يكن الحمار مجرد دابة، بل كان وسيلة العمل الوحيدة التي يعتمد عليها صاحبه في تأمين رزقه، وخسارته تعني فقدان مصدر دخل يصعب تعويضه في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها قطاع غزة.
ومع استمرار الحرب، تحولت الحمير إلى شريان حياة لآلاف الأسر، بعد تدمير المركبات ونقص الوقود، إذ تتولى نقل المياه والمساعدات والمواد الغذائية، وتتحمل أعباءً تفوق قدرتها يومًا بعد آخر. ويؤكد مواطنون أن أسعارها ارتفعت بشكل غير مسبوق، حتى بلغ سعر الحمار الواحد نحو ثمانية آلاف دولار، نتيجة الطلب المتزايد وندرة البدائل.
وبين أمواج البحر التي ابتلعت جسده، انتهت رحلة حيوان أنهكه العمل قبل أن يهزمه الغرق، لتبقى قصته شاهدًا آخر على أن آثار الحرب لا تقتصر على البشر وحدهم، بل تمتد إلى كل ما يحاول إبقاء الحياة ممكنة في غزة.
شرق مخيم المغازي، يسير حمار بعين واحدة في طرق أنهكتها الحرب، يجر عربة تحمل مساعدات غذائية تصل إلى الأهالي من مركز الغذاء العالمي. ورغم إصابته القاسية، أصبح هذا الحمار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للسكان، يواصل مهمته بصمت، متنقلًا بين المنازل والعائلات التي تنتظر ما يحمله من مواد أساسية.
وقبل فترة، أصيب الحمار برصاصة أطلقتها دبابة، فاستقرت الإصابة في عينه، وفقد القدرة على الرؤية بها. كانت لحظة قاسية، لكن الإصابة لم تنهِ دوره، إذ عاد بعد شفائه ليواصل العمل من جديد، وكأن فقدان عينه لم يكن كافيًا لإيقافه عن مساعدة صاحبه وأبناء المنطقة.
وفي ظل الحرب، تحولت الحمير في غزة إلى وسيلة نقل رئيسية بعد تدمير المركبات ونقص الوقود، فأصبحت تحمل المياه والمواد الغذائية والمساعدات، وتقطع مسافات طويلة تحت أشعة الشمس وبين الطرق المليئة بالركام.
ويقول من يعرفون هذا الحمار إن قصته تختصر واقعًا يعيشه القطاع بأكمله، حيث يدفع الجميع ثمن الحرب، ويحاولون الاستمرار رغم الجراح. فبينما فقد عينه، بقي يحمل على ظهره احتياجات الناس، ليصبح شاهدًا صامتًا على حجم المعاناة والإصرار على البقاء.
وليست قصته مجرد حكاية حيوان أصيب في الحرب، بل صورة أخرى من صور الصمود اليومي في غزة، حيث تتحول كل خطوة، مهما كانت متعبة، إلى محاولة جديدة لا تموت.
وتختبئ خلف المشاهد اليومية في غزة قصص لا تلتفت إليها الكاميرات دائمًا، لكنها تحمل وجع المرحلة بكل تفاصيلها. فالحرب لم تغيّر حياة البشر فقط، بل أعادت تشكيل علاقة الإنسان بكل ما يحيط به، حتى أصبحت خطوات حيوان مصاب على طريق مدمر جزءًا من مشهد الصمود. وبين الخسارات المتتالية، تبقى محاولات الاستمرار شاهدة على إرادة الحياة التي لا تنكسر.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب