خريجو الجامعات الفلسطينية… آن الأوان لاستراتيجية وطنية تعيد هيكلة التعليم العالي

خريجو الجامعات الفلسطينية… آن الأوان لاستراتيجية وطنية تعيد هيكلة التعليم العالي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
مع إعلان نتائج الثانوية العامة، تستعد الجامعات الفلسطينية لاستقبال آلاف الطلبة الجدد، فيما تستعد آلاف الأسر لتحمل أعباء مالية كبيرة أملاً في أن يكون التعليم الجامعي بوابةً لمستقبل أكثر استقراراً. غير أن الواقع يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ فآلاف الخريجين الذين سبقوهم ما زالوا ينتظرون فرصة عمل قد لا تأتي، في ظل اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل.
لقد نجحت فلسطين، رغم الاحتلال والإمكانات المحدودة، في بناء منظومة تعليم عالٍ شكلت عنواناً للصمود الوطني، إلا أن التوسع الكمي في الجامعات والتخصصات لم يرافقه تخطيط استراتيجي يحدد احتياجات الاقتصاد الفلسطيني ويوازن بين أعداد الخريجين وفرص التشغيل. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.
تشير المعطيات إلى أن الجامعات الفلسطينية تخرّج سنوياً عشرات الآلاف من الطلبة، فيما يتكدس الخريجون في تخصصات أصبحت مشبعة بصورة واضحة، وفي مقدمتها الحقوق، وإدارة الأعمال، والتجارة، والصحافة والإعلام، والعلوم الإنسانية، والصيدلة، والهندسة، بل وحتى بعض التخصصات الطبية التي أخذت تشهد تزايداً في أعداد الخريجين يفوق قدرة المؤسسات الصحية والهندسية والقانونية على استيعابهم.
ففي كليات الحقوق يتخرج سنوياً مئات المحامين الجدد في ظل سوق قانونية مكتظة، وفي كليات التجارة وإدارة الأعمال تتزايد أعداد الخريجين بينما يعاني القطاع الخاص من حالة ركود تحد من قدرته على التوظيف. كما أن كليات الصحافة والإعلام تواصل تخريج أعداد كبيرة في وقت يشهد فيه القطاع الإعلامي انكماشاً مالياً وتراجعاً في فرص التشغيل. أما كليات الهندسة والصيدلة، التي كانت حتى سنوات قليلة مضت من أكثر التخصصات طلباً، فقد أصبحت تواجه فائضاً متزايداً في أعداد الخريجين مقارنة بحجم الطلب الحقيقي في السوق. وحتى كليات الطب وطب الأسنان بدأت تشهد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أعداد الخريجين مقابل محدودية فرص التدريب والتخصص والعمل.
ولا يعود ذلك إلى ضعف أهمية هذه المهن، بل إلى غياب سياسة وطنية تنظم القبول الجامعي وفق دراسات علمية دقيقة تستند إلى احتياجات التنمية وسوق العمل، وليس إلى القدرة الاستيعابية للجامعات أو الاعتبارات المالية.
ولا شك أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل مسؤولية كبيرة في تعميق الأزمة من خلال تقييد الاستثمار والسيطرة على الموارد والمعابر والأراضي، وما ترتب على بروتوكول باريس الاقتصادي من تكريس التبعية الاقتصادية، إضافة إلى الآثار الكارثية للحرب على قطاع غزة وما نتج عنها من انكماش اقتصادي وتراجع غير مسبوق في فرص العمل. لكن هذه الحقائق لا تعفي المؤسسات الرسمية والأكاديمية من مسؤوليتها في إعادة بناء سياسة التعليم العالي على أسس علمية ووطنية.
لقد آن الأوان للانتقال من سياسة التوسع الكمي إلى سياسة الجودة والتخصص النوعي، وإعادة النظر في منظومة التعليم العالي من جذورها، بحيث تصبح عملية فتح أي تخصص جديد أو الاستمرار في تخصص قائم مرتبطة بدراسة وطنية دورية لاحتياجات السوق المحلي والإقليمي والدولي.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب وقف التوسع في التخصصات المشبعة، والتوجه نحو تخصصات المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، والتكنولوجيا الزراعية، والصناعات الدوائية، والاقتصاد الرقمي، واللوجستيات، والتقنيات الطبية الحديثة، وهي المجالات التي تشهد طلباً متزايداً عالمياً.
وفي المقابل، فإن إعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة وطنية. فالاقتصادات الحديثة تقوم على الفنيين والتقنيين والمهنيين المهرة، بينما لا تزال نسبة الالتحاق بالتعليم المهني في فلسطين أقل بكثير من احتياجات الاقتصاد. إن الاستثمار في المعاهد التقنية والكليات التطبيقية، وتطوير برامجها وربطها بالقطاع الخاص، من شأنه أن يوفر فرص عمل حقيقية ويخفف من البطالة بين الشباب.
إن المطلوب اليوم هو استراتيجية وطنية شاملة للتعليم والبحث العلمي، تشارك في إعدادها الحكومة ووزارة التربية والتعليم العالي والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، تقوم على إنشاء مرصد وطني لسوق العمل، وإعادة هيكلة القبول الجامعي، وربط التمويل الجامعي بمؤشرات الجودة ونسب تشغيل الخريجين، وتوجيه الطلبة نحو التخصصات التي يحتاجها الاقتصاد الفلسطيني.
إن التعليم العالي ليس مشروعاً تجارياً ولا وسيلة لزيادة الإيرادات، بل هو استثمار في الإنسان الفلسطيني وفي مستقبل الدولة. ومن دون إصلاح جذري لمنظومة التعليم، سيستمر نزيف البطالة واستنزاف الكفاءات وهجرة العقول. أما إذا امتلكنا الإرادة لوضع استراتيجية وطنية تستند إلى التخطيط العلمي وربط التعليم بالتنمية، فإن الجامعات الفلسطينية ستعود لتكون قاطرة لبناء اقتصاد منتج، وتعزيز صمود المجتمع، وصناعة مستقبل يليق بالشباب الفلسطيني ووطنه



