الصحافه

“خطة طهران البديلة”… هل تقع إسرائيل في حرب الاستنزاف التي تعدها إيران؟

“خطة طهران البديلة”… هل تقع إسرائيل في حرب الاستنزاف التي تعدها إيران؟

تسفي برئيل

إن دخول حزب الله إلى المعركة الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، وإطلاق الصواريخ على إسرائيل وقبرص أمس، يشير إلى طبيعة الحرب التي تسعى إيران الآن لفرضها في المنطقة. يبدو أن إدراك إيران لعجزها عن حسم المعركة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وضعفها العسكري، وفقدانها للقيادة العليا في الجيش والحرس الثوري، واغتيال المرشد الأعلى وعدد من صناع القرار والمستشارين على أعلى المستويات السياسية، كل ذلك أدى إلى تفعيل ما يمكن تسميته بـ “الخطة البديلة”، التي بحسبها سيسمح للقوات المسلحة من أي نوع، داخل إيران وخارجها، بالتصرف بشكل مستقل وفقاً لخطة تم تحديدها مسبقاً، حتى لو لم تتمكن من الحفاظ على اتصال هرمي مع القيادة العسكرية والسياسية العليا في إيران.

وحتى قبل اندلاع الحرب، عندما كانت إيران تناقش سيناريوهات محتملة لطبيعة الحرب التي ترغب الدولة أو تستطيع خوضها، تحدث أحد قادتها عن شن حرب استنزاف طويلة، لا تقتصر على إلحاق الضرر بالأهداف العسكرية الأمريكية أو أراضي إسرائيل فقط، بل حدد أهدافاً “مؤلمة” في الخليج الفارسي تشمل البنى التحتية المدنية وأهدافاً اقتصادية لها أهمية دولية، وأملاً في ان يساهم ذلك في استخدام ضغط دولي لتقصير مدة الحرب أو حتى إنهائها.

أول أمس، عندما استهدفت مواقع في قطر والكويت والإمارات، حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تبرير ذلك بأنه “هجوم مشروع على أهداف عسكرية أمريكية للدفاع عن النفس، وليس هجوماً على دول أخرى”. في الوقت نفسه، أفادت التقارير بأن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني أظهر استعداده للتفاوض مع الولايات المتحدة، ولكن سلسلة الهجمات على الدول العربية الجارة، التي شملت مطارات وفنادق ومنشآت نفط إلى جانب قواعد عسكرية، قد تشير إلى أن إيران بدأت في تنفيذ خطة حرب الاستنزاف، أو أن عملية اتخاذ القرار حول طبيعة الحرب قد نقلت من لاريجاني إلى قادة عسكريين آخرين، يتخذون القرارات بشكل مستقل حول كيفية رد إيران.

في سياق هذا التحول، نشاهد أيضاً دخول حزب الله إلى ساحة القتال، رغم أن فروعاً أخرى مثل المليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن، تمتنع عن ذلك في هذه المرحلة. ولم يتضح بعد ما إذا كانت ستنضم أم لا ومتى. في حينه، وضع علي خامنئي مبدأ تشغيل واضحاً لهذه الفروع، وبحسبه يحق لكل تنظيم أن يقرر العمل “حسب ظروف وأحوال الدولة التي يعمل فيها”. لقد كان الهدف من هذا المبدأ هو الحفاظ على توازن سياسي للقوى، يهدف إلى منع أي احتكاك غير ضروري بين الحكومات والمواطنين في الدول المضيفة وبين التنظيمات التي تعمل في إطار حلقة النار الإيرانية. وقد سمح هذا المبدأ لإيران استخدام القوات العسكرية ضد الأعداء الخارجيين، بل أيضاً توظيفها لتعزيز نفوذها في هذه الدول، وقد كان الحوثيون استثناء لهذه القاعدة. فبصفتهم “أصحاب الأرض” في المنطقة التي يسيطرون عليها في اليمن، كان يمكنهم اتخاذ قرار مستقل بشأن وقف إطلاق النار مع القوات الأمريكية، ومواصلة مهاجمة إسرائيل، ناهيك عن الاستفادة من التمويل غير المباشر من السعودية إضافة إلى المساعدة المباشرة من إيران.

لكن الحرب في قطاع غزة، التي طورت ذراعاً في لبنان، غيرت بشكل جذري شروط وجود حزب الله في لبنان. سقوط نظام الأسد واستيلاء أحمد الشرع السريع على السلطة في الدولة أدى إلى قطع أهم طريق لوجستية لحزب الله. وقد أدى اغتيال القيادة العسكرية والسياسية العليا برئاسة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، إلى وضع الحزب في يد الشيخ نعيم قاسم غير الكفؤة. وقد حاصر اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، الذي لم ينفذ بالفعل، إلى جانب الضغط الأمريكي الشديد على الحكومة اللبنانية، الحزب في ظروف سياسية صعبة جدا، سواء في علاقته مع إيران والحكومة اللبنانية أم علاقته مع الأقلية الشيعية. أما القرار التاريخي لحكومة لبنان والرئيس جوزيف عون، بدعم الزعيم الشيعي المخضرم نبيه بري، جمع السلاح في يد الدولة وتفعيل الجيش اللبناني لتنفيذ القرار، فقد قضى بالفعل على شرعية “المقاومة المسلحة” ومكانتها كجزء من منظومة الدفاع الحكومية.

حتى الآن، عملية جمع السلاح وتدمير البنى التحتية لحزب الله في جنوب الليطاني لم تحقق إلا نجاحاً جزئياً. ولكن إدراك الحزب بأن هذه العملية ستستمر في الأسابيع القادمة في شمال الليطاني والبقاع، إضافة إلى تعزيز القوى الشيعية المدنية التي بدأت في تحدي سلطة حزب الله في تمثيلها، شكل تهديداً سياسياً كبيراً له قبل الانتخابات المقرر إجراؤها في أيار القادم. وقد أجبره ذلك على محاولة رسم مسار سياسي جديد.

قبل ثلاثة أسابيع تقريباً التقى محمد رعد، رئيس كتلة الحزب النيابية في البرلمان، مع الرئيس عون. وعقب الاجتماع قال رعد: “نعمل بجهد على التفاهم والتعاون مع الحكومة في كل ما يتعلق بتحقيق أهداف المواطنين اللبنانيين، بدءاً بأنهاء الاحتلال الإسرائيلي ومروراً بإطلاق سراح الاسرى اللبنانيين لدى إسرائيل وعودة السكان إلى بيوتهم وانتهاء بالبدء في مرحلة إعادة الاعمار والحفاظ على سيادة الدولة.

لم يتطرق رعد إلى نزع سلاح حزب الله، لكنه كان أحد المواضيع الرئيسية في النقاش الذي جرى في ظل تصميم نعيم قاسم على ان يتم نزع السلاح في إطار “استراتيجية دفاع وطني” يحدد فيها دور الحزب. وحتى ذلك الحين لن يتم ذلك إلا بعد “انتهاء الاحتلال الإسرائيلي”. في الوقت نفسه، عدم رد حزب الله على الهجمات الإسرائيلية المتزايدة على لبنان، التي كانت تخرق وقف إطلاق النار، وعدم مواجهته للجيش اللبناني أثناء جمع السلاح في جنوب الليطاني، يشير إلى أن الحزب، بشكل مستقل أو بموافقة إيران، بدأ يتساوق مع الوضع الجديد. كان الهدف من ذلك هو ضمان بقائه وبقاء مكانته السياسية بما يحافظ على نفوذ إيران في لبنان.

إطلاق الصواريخ أمس على إسرائيل لم يقتصر على تجميد المفاوضات السياسية التي تجري بين الحكومة وحزب الله فقط، بل وضع الحكومة أيضاً في مواجهة شاملة غير مسبوقة ضد الحزب. فقد أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بحظر بأي نشاط عسكري على حزب الله، بكونه غير مشروع، وعليه تسليم سلاحه للدولة وحصر نشاطاته في المجال السياسي حسب الدستور والقانون. وأضاف رئيس الوزراء توجيهاته للجيش بتنفيذ القرار ومنع أي عمل عسكري من قبل الحزب، بما في ذلك إطلاق الصواريخ أو المسيرات من أراضي لبنان، واعتقال كل من يقوم بفعل ذلك.

هذا القرار واضح ولا لبس فيه، وهو نظرياً يرسخ قواعد لعب جديدة بين الدولة والحزب. مع ذلك، مثلما هي الحال مع قرارات الحكومة الأخرى، يبقى السؤال المطروح هو: هل ستتمكن الحكومة من تنفيذه وكيف ستتمكن من ذلك دون إثارة مواجهات عنيفة قد تتطور إلى حرب أهلية في لبنان؟

لقد استغلت إسرائيل بسرعة إطلاق الصواريخ وشنت هجوماً واسع النطاق في لبنان، حيث وعد رئيس الأركان ايال زامير بأن هذه الحرب لن تنتهي إلى حين “إزالة التهديد من لبنان”. وفي السياق نفسه قال: “مصممون على نزع سلاح حزب الله”. هذه صيغة غامضة لا توضح إذا كان الجيش الإسرائيلي هو الذي سيقوم بنزع سلاح حزب الله أو إذا كانت إسرائيل مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية لمساعدتها في ذلك. كل ذلك في حين لم تنجح إسرائيل حتى الآن في نزع سلاح حماس في غزة. وليس واضحاً متى سيتم نزع سلاحها.

تشير تصريحات رئيس الأركان إلى أن إسرائيل تستعد لحرب شاملة في لبنان، يحتاج تحقيقها عمليات برية واسعة النطاق وطويلة المدى. هذا طموح جدير بالثناء، لكن تحقيقه قد يوقع إسرائيل في شرك خطة إيران، التي تسعى إلى شن حرب استنزاف في كل جبهة ممكنة.

هآرتس 3/3/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب