فلسطين

«خطّ برتقالي» في غزة: 64% من القطاع تحت الاحتلال

«خطّ برتقالي» في غزة: 64% من القطاع تحت الاحتلال

تعزّز إسرائيل سيطرتها على قطاع غزة عبر توسيع ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، إلى ما بات يُرمَز إليه بـ«الخط البرتقالي»، لتصل المساحة الخاضعة لسيطرتها إلى نحو ثلثي القطاع، في خطوة تهدف إلى فرض واقع يعزّز فكرة البقاء في مناطق «الأصفر»، التي باتت تضم مواقع عسكرية.

يوسف فارس

غزة | «نحن نسيطر على 60% من مساحة قطاع غزة وسنُسيطر على المزيد». بهذا التصريح، لخّص رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أمس، جوهر الخطّة الإسرائيلية الهادفة إلى «تغيير وجه الشرق الأوسط»، عبر مساعي تثبيت مناطق عازلة في غزة وجنوب لبنان وسوريا. ويعكس هذا التوجّه تحلّل العدو من أيّ اتفاق من شأنه أن يفضي إلى انسحاب قريب من تلك المناطق، وذلك مقابل العمل على فرض وقائع ميدانية تعرقل أيّ مسار سياسي دولي يعيد الحدود إلى ما كانت عليه قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. وفي هذا السياق، يندرج التوسّع المستمر لما يُعرف بـ«الخطّ الأصفر»، الذي نصّ اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في شرم الشيخ، في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، على أن يبقى تحت سيطرة إسرائيلية «مؤقّتة» إلى حين الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. وبموجب ذلك الترتيب، كان الاحتلال قد سيطر على كامل المناطق الشرقية للقطاع بعمق تراوح بين كيلومترَين في بعض المناطق وخمسة كيلومترات في أخرى، بما يعادل نحو 53% من مساحة القطاع الذي لا تتجاوز مساحته 365 كيلومتراً مربعاً. إلا أن هذا الواقع تغيّر خلال الأشهر الستة الماضية، لترتفع نسبة المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى أكثر من 60% من تلك المساحة، ما يعني عملياً حشر أكثر من مليوني فلسطيني في شريط غربي ضيّق لا يتجاوز 100 كيلومتر مربع.

وأفرزت هذه المعطيات الميدانية حدّاً جديداً بات يُرمَز إليه بـ«الخطّ البرتقالي»، في توصيف يعكس تمدّداً إسرائيلياً إضافياً على الأرض. وأكدت تقارير دولية وأممية توسيع إسرائيل نطاق سيطرتها في القطاع عبر إنشاء هذا الخطّ الجديد، الذي يضاف إلى منظومة السيطرة العسكرية التي باتت تطوّق نحو 64% من مساحة غزة. وأكّدت ذلك صور أقمار صناعية نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية، في 22 نيسان/أبريل الماضي، أظهرت نقل الكتل الخرسانية الصفراء إلى مواقع أعمق داخل غزة، بما يؤشّر إلى تثبيت حدود ميدانية جديدة.

ما هو الخط البرتقالي؟

بحسب تقرير صادر عن مركز «مسلك» – وهو مؤسسة حقوقية إسرائيلية تأسّست عام 2005 وتُعنى بحرية التنقّل للسكان الفلسطينيين -، فإن «إدارة التنسيق والارتباط الإسرائيلية» سلّمت المنظمات الدولية، في 31 آذار/ مارس 2025، خريطة لـ«الخطّ البرتقالي»، تحدّد منطقة واسعة يُحظر تحرّك المنظمات داخلها من دون تنسيق مسبق مع الجهات الإسرائيلية. وبلغت مساحة المنطقة المشمولة بتلك القيود 174 كيلومتراً مربعاً، أي ما يوازي 48% من مساحة القطاع، علماً أن نحو 14 ألفاً و133 أسرة كانت تقيم في المنطقة الواقعة بين الخطَّين «الأصفر» و«البرتقالي»، وفق تقرير للأمم المتحدة صدر في 30 كانون الثاني/ يناير 2026.

يعتمد جيش الاحتلال على مجموعات العملاء لنزع حال الأمان ودفع السكان إلى النزوح

وبعد مرور ستة أشهر على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، عمّم جيش الاحتلال، في 8 آذار/ مارس 2026، خريطة محدّثة لـ«الخط البرتقالي»، توسّعت بموجبها المنطقة المحظورة بنسبة 11% مقارنة بـ«الخطّ الأصفر»، ما يعني أن القيود الجديدة على حركة المنظمات الإنسانية باتت تشمل نحو 64% من مساحة القطاع. وبعد أيام من هذا التعميم، أعلنت وكالة «الأونروا» أن 10 من منشآتها، بينها مراكز إيواء للنازحين، أصبحت داخل نطاق الخطّ الجديد، الأمر الذي زاد من صعوبة عمليات الاستجابة الإنسانية التي تقدمها.
ومع استمرار تبدّل خرائط السيطرة، يكتسب «الخطّ البرتقالي» دلالة واضحة مرتبطة بإعادة تشكيل الجغرافيا في القطاع، وآليات التحكّم بالحركة والوجود داخل مساحة تخضع لضغط معيشي وأمني متواصل. وإذ يمتدّ «البرتقالي» بمحاذاة شارع صلاح الدين، الذي يعدّ الشريان الرئيس الذي يربط شمال القطاع بوسطه وجنوبه، ويتنقّل عبره المواطنون وشاحنات البضائع والمساعدات، فإن من شأن ذلك أن يحوّل القطاع إلى «سجن كبير» قائم على السيطرة الميدانية التي تقيّد حركة السكان.

العملاء أداة لتفريغ المناطق

وعلى طريق تثبيت هذه الوقائع، يعتمد جيش الاحتلال على مجموعات العملاء لمنع أيّ شعور بالأمان ودفع السكان إلى النزوح. وخلال الأيام الماضية، شنّت مجموعة العميل شوقي أبو نصيرة، الناشطة في المناطق الشرقية لوسط القطاع، هجمات على منطقة أبو العجين، ما أدّى إلى طرد عشرات الأسر من منازلها. كذلك، تتعرّض المناطق الشمالية الشرقية في غزة، المحاذية لـ«الخط الأصفر»، لعمليات مداهمة متكرّرة تنفّذها المليشيات العميلة، دفعت عشرات الأسر إلى إخلاء المنطقة إلى المناطق الغربية من المدينة.
غير أن الأخطر ممّا تقدّم يتمثّل في امتناع المنظمات الإنسانية الدولية عن الوصول إلى المناطق القريبة من «الخط الأصفر» والواقعة ضمن نطاق «الخط البرتقالي» المستحدث. ووفق مقابلات أجرتها «الأخبار» مع عدد من الأهالي في مخيم جباليا، لم تصل أيّ مساعدات غذائية أو مياه شرب، منذ نحو شهر ونصف الشهر، إلى أكثر من ألف عائلة تسكن في مناطق «جباليا»، ما ترك الأهالي لمصيرهم اليومي في مواجهة القصف العشوائي وعمليات القنص والرصاص.

وعلى الصعيد السياسي، قد تشكل هذه الخطوة ورقة مساومة تضعها إسرائيل على طاولة التفاوض. إذ تسعى تل أبيب إلى تحويل النقاش من مسألة الانسحاب من «الخط الأصفر» إلى السماح بعودة السكان وعمل المؤسسات الدولية إلى مناطق «الخط البرتقالي»، بما يُقدَّم على أنّه «تنازل» إسرائيلي. وفي مقابل هذا التنازل، تُعزّز فكرة البقاء في مناطق «الأصفر»، الذي تحوّلت فيه المواقع العسكرية المؤقتة إلى مواقع حصينة محاطة بالجدران والأسلاك الشائكة والرافعات المزوّدة بالكاميرات والأسلحة الإلكترونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب