تحقيقات وتقارير

خيار طهران الأخطر للرد على إسرائيل…

خيار طهران الأخطر للرد على إسرائيل…

تملك إيران بالفعل ما يكفي من اليورانيوم المُخصّب لصنع عدّة أسلحة نووية. ويُعتقد أن هذه المواد مخزّنة في حاويات في ثلاثة مواقع مختلفة، ومن غير الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من تدمير كل هذه المخزونات في الضربات العسكرية المستمرة

قررت حكومة إسرائيل الليلة الماضية المخاطرة بالتوصّل إلى حلٍّ عسكري لقضية سعي إيران المستمر منذ عقود إلى امتلاك القدرة على إنتاج الأسلحة النووية. ونظرًا للقدرات الهائلة التي يتمتع بها الجيش الإسرائيلي، فإن هذه العملية قد تلحق ضررًا هائلًا بالبرنامج النووي الإيراني. ولكن بعد ذلك يأتي الجزء الصعب.

لا تملك إيران سوى خيارات محدودة للردّ المباشر، بيد أن الخطر يكمن في أن إسرائيل فتحت صندوق باندورا: فالردّ الإيراني الأسوأ قد يكون هو الأكثر ترجيحًا، وهو اتخاذ قرار بالانسحاب من التزاماتها في مجال ضبط الأسلحة، وبناء الأسلحة النووية على محمل الجد. ومن المرجّح أن يشكل احتواء هذا الغضب على المدى الطويل التحدي الحقيقي لكل من إسرائيل والولايات المتحدة. وإذا فشل الطرفان، فإن المقامرة الإسرائيلية قد تضمن حصول إيران على السلاح النووي بدلًا من منعها.

خيارات طهران السيئة

لا يزال الوقت مبكرًا للغاية في هذه المعركة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، ومن المبكر جدًا أن نعرف إلى متى سوف تستمر هذه المعارك أو حجم الدمار الذي سوف يلحقه الإسرائيليون. ومع ذلك، تواجه إيران الآن بعض القيود الكبيرة التي تحدّ من قدرتها على الردّ على الحملة الإسرائيلية، أو إنهائها.

المشكلة الأولى التي تواجه إيران هي المسافة، ومشكلتها الثانية هي دفاعات إسرائيل. وبسبب هذين السببين، فإن طهران لا تملك سوى قدرة ضئيلة على استخدام قوتها الجوية ضد إسرائيل. ومع وجود ما يقرب من 700 ميل (تقريبًا 1127 كم) بينهما تشمل العراق وسورية والأردن، فإن إيران لا تستطيع شنّ هجوم بري ضد إسرائيل — وهو ما سيكون بمثابة انتحار ضد الجيش الإسرائيلي الأكثر كفاءة على أي حال. وبالتالي، إذا كان هناك ردّ عسكري إيراني مباشر، فمن شبه المؤكد أن قوات الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية ستتحمّل هذه المهمة، والتي أثبتت قدرتها المحدودة ضد الدفاعات الإسرائيلية.

ربما تعلم زعماء إيران من الفشل المحرج الذي مُنيت به محاولات الانتقام ضد إسرائيل في شهري نيسان/أبريل وتشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي أن ردًّا آخر من هذا القبيل لن يؤدي إلا إلى جعلهم يبدون أضعف. لكن كلا التبادلين يشيران إلى العكس: أن إيران سوف تشعر بأنها مضطرة للردّ ضد إسرائيل، حتى ولو من أجل الشرف فقط ومحاولة فرض بعض التكاليف على إسرائيل بسبب هجومها. لقد عمل الإيرانيون بجد لتحسين قدراتهم الصاروخية والطائرات بدون طيار في الأشهر الفاصلة، وهناك تقارير تفيد بأنهم حصلوا على مساعدة من روسيا، الأمر الذي قد يجعلهم يعتقدون أنهم قادرون على القيام بعمل أفضل من ذي قبل. وبناءً على ذلك، فإن الرد باستخدام الصواريخ والطائرات بدون طيار هو احتمال حقيقي للغاية، على الرغم من أنه من الصعب القول ما إذا كان ذلك سيكون في شكل دفعة واحدة كبيرة، أو عدة هجمات أصغر حجمًا، أو هجمات متواصلة ومتقطعة. وقد تكون لدى إسرائيل طائراتها وطائراتها بدون طيار التي تبحث عن منصات إطلاق إيرانية لمحاولة منع مثل هذه الهجمات، وقد تقوم أيضًا بضرب مواقع تخزين إيرانية معروفة.

وبغضّ النظر عن النهج المتّبع، يبدو من غير المرجّح أن يكون لهجوم صاروخي أو بالمسيّرات تأثير كبير على إسرائيل. ولا تزال إسرائيل تتمتع بدفاعات صاروخية هائلة، كما أن سكانها محميون حماية جيدة، والذخائر الإيرانية تحمل حمولات صغيرة وعددها قليل نسبيًا. وحتى لو نجحت المزيد من الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية في اختراق الدفاعات الإسرائيلية هذه المرة، فإنها على الأرجح لن تسبب الكثير من الضرر أو تقتل الكثير من الناس، خاصة بالمقارنة مع ما من المرجّح أن تفعله الضربات الإسرائيلية بإيران.

الخيار الآخر هو الضربة السيبرانية. لقد عملت إيران جاهدة على تحسين قدراتها السيبرانية في السنوات الأخيرة، وشنّت بعض الهجمات القوية، بما في ذلك ضد إسرائيل. بدأت إيران في صيف عام 2023 بقطع الكهرباء عن المستشفيات الإسرائيلية — حتى بدأت إسرائيل في إغلاق عدد أكبر بكثير من محطات الوقود الإيرانية.

ويوضح هذا التبادل المتبادل حالة عدم اليقين على الجانبين. وليس من الواضح تمامًا ما هي الأسلحة السيبرانية التي تمتلكها إيران أو ما نقاط الضعف التي ربما اكتشفتها في البنية التحتية لإسرائيل. لكن القيادة الإيرانية لا تعرف ما هي الأسلحة السيبرانية التي تملكها إسرائيل أو ما هي نقاط الضعف التي اكتشفتها في البنية التحتية الإيرانية. كما تميل إسرائيل إلى التفوق على إيران في المجال السيبراني، والشعب الإيراني أكثر تعاسة وأكثر عرضة للثورة من الشعب الإسرائيلي، وهو ما قد يزيد من حذر إيران.

ورغم أن إيران تُصنّف عادة كدولة رائدة في رعاية الإرهاب، فإن شنّ هجوم إرهابي على إسرائيل، وخاصة في الأمد القريب، سيكون صعبًا بنفس القدر. إن دفاعات إسرائيل المضادة للإرهاب هائلة، والهجمات الإرهابية، وخاصة تلك الكبيرة المدمّرة، لا يمكن تنفيذها بين عشية وضحاها. إنها تستغرق أشهرًا من التخطيط والاستطلاع والإعداد والاختراق. وإذا لم يكن لدى إيران خطة إرهابية مخططة منذ فترة طويلة تحتفظ بها كاحتياطي، فإن هذا أيضًا سيكون من الصعب تنفيذه ردًّا على الحملة الإسرائيلية.

وهناك أيضًا احتمال شنّ إيران هجومًا على صادرات النفط في الخليج، أو حتى محاولة إغلاق مضيق هرمز. ويبدو أن احتمالية حدوث هذا الأمر منخفضة أيضًا. أولًا، من المؤكد أن هذه الخطوة من شأنها أن تُخلّف تأثيرًا هائلًا على أسعار النفط والاقتصاد العالمي، ومن خلالهما على كل اقتصاد وطني، إلى درجة أن إيران سوف تتحوّل بسرعة من ضحية تستحق التعاطف إلى عدوّ خطير في نظر معظم البلدان الأخرى. وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من حقيقة أن إدارة ترامب لم تفعل شيئًا لحماية صادرات النفط الخليجية من الهجوم الإيراني في ولايتها الأولى، فإن إغلاق مضيق هرمز من شأنه أن يشكّل تهديدًا خطيرًا لصادرات النفط لدرجة أن الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى (وربما حتى الصين) ستكون على يقين تقريبًا من استخدام القوة لإعادة فتح طرق التصدير. ورغم أن الأمر قد يستغرق من الجيش الأميركي عدة أسابيع دموية لسحق القوات العسكرية الإيرانية وإعادة فتح المضيق، فإن الإيرانيين لا يبدون أي أوهام بشأن النتيجة النهائية. وسوف يتعيّن على طهران أن تقلق من أن مثل هذا التهديد المتهوّر للاقتصادات العالمية من شأنه أن يقنع واشنطن بضرورة إزالة النظام الإيراني. ومن المؤكد أن هذا الخوف أصبح أعظم مع عودة ترامب، الذي أمر بقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في كانون الثاني/يناير 2020 خلال ولايته الأولى.

إخراج المارد من القمقم

إن الردّ الإيراني الأكثر تهديدًا لن يكون من النوع الذي سيحدث في الساعات أو الأيام المقبلة، بل على المدى الطويل. إن إيران قادرة على الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي لعام 1968، والتي تُشكّل الأساس القانوني لخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، وتعلن أنها ستبني الأسلحة النووية باعتبارها السبيل الوحيد لردع مثل هذه الهجمات «غير المبرّرة» على إيران، ثم تتحدّى إسرائيل والولايات المتحدة ودولًا أخرى لمنعها من القيام بذلك.

تملك إيران بالفعل ما يكفي من اليورانيوم المُخصّب لصنع عدّة أسلحة نووية. ويُعتقد أن هذه المواد مخزّنة في حاويات في ثلاثة مواقع مختلفة، ومن غير الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من تدمير كل هذه المخزونات في الضربات العسكرية المستمرة. وتملك إيران أيضًا كميات كبيرة من اليورانيوم الخام (المسمّى «الكعكة الصفراء») الذي يمكن تخصيبه إلى درجة صنع الأسلحة. يعتقد الإسرائيليون (والحكومة الأميركية) أنهم يعرفون كل شيء عن أجهزة الطرد المركزي العاملة في إيران، ولكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعتقد أن إيران بنت العديد من الأجهزة الأخرى، والتي لا يزال مكانها غير معلوم.

وحتى لو لم تكن هذه الأجهزة جزءًا من السلاسل التشغيلية، فمن الممكن دمجها فيها بسهولة، وتستطيع إيران بناء المزيد منها. وبدون وجود مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في البلاد لتطبيق شروط المعاهدة، قد تواجه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وغيرها من الأجهزة الغربية صعوبة بالغة في العثور على مواقع نووية إيرانية سرّية جديدة. وقد تواجه إسرائيل صعوبة أيضًا في تدمير تلك المواقع حتى لو تم تحديدها، لأن إيران من المرجّح أن تعمل على تحصينها بما يتجاوز ما فعلته لمنشآتها الحالية.

في كثير من الأحيان، تشير المناقشات حول الخيارات الإسرائيلية لوقف البرنامج النووي الإيراني إلى الضربة الإسرائيلية التي وُجّهت عام 1981 إلى المفاعل النووي العراقي أوزيراك (مفاعل تمّوز). وتقول الأسطورة التي أحاطت بتلك الضربة إن العملية أدّت إلى إعاقة البرنامج النووي لبغداد بقوة، وأنقذت العالم من التعامل مع صدام حسين المسلّح نوويًا. ولكن في الواقع، وكما تعلّم المحللون من الوثائق والعلماء العراقيين بعد حربي 1991 و2003، فقد ردّ صدام بصبّ موارد إضافية في برنامجه النووي، مما جعله أكثر خطورة عدّة مرّات مما كان عليه قبل العملية الإسرائيلية. ومن المرجّح أنه كان سيتمكّن من إنتاج قنبلة عراقية في وقت ما بين عامي 1992 و1995 لو لم تُنهِ حرب الخليج ونظام التفتيش الذي تلاها.

وبناءً على ذلك، فإن التحدي الحقيقي بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة وأي حكومة أخرى عازمة على منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، يتمثّل في إيجاد السبل لمنع إيران من اتباع المسار الذي اتّبعه العراق في أعقاب ضربة أوزيراك. إن الوضع الآن أكثر خطورة مما كان عليه آنذاك، لأن البرنامج النووي الإيراني أصبح أكثر تقدمًا بكثير، وعلماؤه أكثر دراية ومعرفة، والبنية الأساسية النووية الإيرانية أكثر قدرة مما كانت عليه البنية الأساسية العراقية في عام 1981. وهذا يخلق مأزقًا لا يمكن تجاوزه، حيث تكون أفضل طريقة لمنع إعادة تشكيل إيران هي السعي بقوة إلى التوصّل إلى اتفاق نووي جديد مع طهران، في اللحظة التي ستكون فيها القيادة الإيرانية أقلّ اهتمامًا بهذا الاتفاق نظرًا لغضبها المحتمل إزاء الهجوم الإسرائيلي. وبدون مثل هذا الاتفاق الجديد، ربما كانت إسرائيل قد نجحت في إبطاء البرنامج النووي الإيراني على المدى القصير، ربما لمدة عام أو عامين فقط لضمان استمرار التهديد الذي تُشكّله إيران المسلحة نوويًا بعد فترة وجيزة.


المادة مُترجمة عن موقع “فورين أفيرز”، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي صحيفة صوت العروبه

منقول عن عرب 48

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب