خير الكلام ما دلّ وقلّ

خير الكلام ما دلّ وقلّ
محمود الجاف
في أطراف باديةٍ قريبةٍ من البصرة، عاش رجلٌ يُدعى سيف بن ظلّ. كان اسمه أثقل من أفعاله، يسبقه في المجالس ولا يلحقه في المواقف. طويل القامة، عريض المنكبين، يتمنطق بسيفٍ لامع، ويمشي نافشًا صدره كأن الأرض خُلقت لتُمهد خطاه. ينسج لنفسه بطولاتٍ لا شاهد عليها، ويُكثر من الحديث عن أمجادٍ لا يعرفها غيره، حتى خُيّل للناس أن أمن البادية معلّق بطرف عباءته. لم يكن يملّ من التحذير من أخطارٍ تحيط بالديار، أخطارٍ لا يراها أحدٌ سواه، لكنها تظهر كلما احتاج إلى نقود. كان يقول إن العدو يتربص خلف التلال، وإن الرمال تخفي مؤامراتٍ لا تنام، ثم يعرض نفسه درعًا وحيدًا لها، مقابل تمرٍ ودنانير وحطبٍ يُحمل إلى خيمته. يزرع القلق في القلوب، ثم يبيع الطمأنينة. ولم يكتفِ بحراسة باديته، بل كان يتحدث عن معارك بعيدة، ويقول إن أمن البلد لا يُصان عند حدودها، بل يبدأ من وراء الصحارى. فإذا سأله سائل:
ومن كلّفك؟
غضب، وعدّ السؤال خيانة، ورأى في الاستفهام طعنًا في الرسالة. وكان لا يبدأ مجلسًا إلا بذكر الحكمة، ويرفع شعار الفضيلة، ويُخفي تحت عباءته دفاتر الخراب والخرافات والحساب. وكان حوله رجالٌ لا يُعرف لهم عملٌ إلا ترديد كلماته؛ إن علا صوته هتفوا، وإن بطش بضعيفٍ كبّروا، وإن لان أمام قويٍّ قالوا:
ما أعظم حكمته!
كان يطرق أبواب الأرامل باسم الحماية، ويأخذ من الفقراء نصيبهم من الخوف قبل نصيبهم من التمر. ويُكثر من التحذير من أخطارٍ لا يراها أحد سواه، ثم يعرض نفسه درعًا لها مقابل ثمن. إذا دخل مجلسًا ضرب الأرض بعصاه وقال:”أنا الذي لا يُشقّ له غبار، ومن أراد الأمان فليكن في جواري!”
فهابَه البسطاء، إذ لم يعرفوا من القوة إلا صوتها العالي، ولا من الشجاعة إلا سيفًا يلمع في وجه الجائع.غير أن الأيام لا تُبقي الأقنعة طويلًا. ففي عامٍ اشتدّ فيه القحط، مرّت بالبادية قافلةٌ يقودها تاجرٌ عُرف بالحزم والرشد. كان قليل الكلام، لكن رجاله كثيرو الفعل. فلما طالبه سيف بإتاوة الحماية، قال في هدوء:
“الحماية لا تُؤخذ بالقهر، بل تُعطى بالعدل.”
عندها تبدّل المشهد. ارتجف الصوت الذي كان يملأ المجالس، وانحنى الجسد الذي اعتاد التبختر. نظر سيف إلى رجال القافلة المسلحين، فاقترب خافت النبرة وقال:
“نحن إخوة، ولا داعي للخصام. خذوا الطريق وما شئتم.” بل عرض حراستهم مجانًا.
هناك أدرك الناس أن الزئير كان صدىً في فراغ، وأن الشجاعة التي تخيف الضعفاء لا تصمد أمام امتحانٍ حقيقي. وأنه كان أسدًا على الفقراء، نعامةً أمام الأقوياء. وأن السيف الذي يلمع في وجوه العزّل، يبهت حين يواجه نظيرًا له.
ليس سيف بن ظلّ حكايةً من زمنٍ مضى، بل هو صورةٌ تتكرر كلما لُفَّ الخوفُ بعباءة القداسة، وكلما رُفع شعار الحماية لتُمدّ اليد إلى جيوب البسطاء. هو من يصدّر المعارك إلى خارج الديار، ويستورد أثمانها إلى الداخل. من يرفع صوته حيث يأمن العاقبة، ويخفضه حين يبدأ الامتحان. فالذي يرهب شعبه ليس شجاعًا، بل ظلٌّ بلا جوهر، يعيش على خوف غيره. وقد يلبس الجبان درع القوة، ويُكثر من الشعارات، ويُطيل الخطب، غير أن الشدائد وحدها تكشف معدن الرجال.
تذكّروا دائمًا:
ليست الشجاعة ضجيجًا، ولا القوة امتداد سيفٍ عبر الحدود، بل عدلٌ يطمئن إليه الناس، وثباتٌ لا يتبدّل عند أول اختبار.



